رئيس التحرير: عادل صبري 01:49 صباحاً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

كل شيء مسيّس ... حتى كرة القدم

كل شيء مسيّس ... حتى كرة القدم

وليد محمود عبد الناصر 05 يونيو 2015 11:11

جاءت التفاعلات المختلفة السابقة على والمحيطة بانتخابات رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) الأخيرة التي انتهت بفوز السويسري جوزيف بلاتر لفترة ولاية خامسة، ثم إعلان بلاتر المفاجئ نيته التنحي عن المنصب فور انعقاد جمعية عمومية غير عادية للاتحاد الدولي بغرض انتخاب رئيس جديد، وما ارتبط بذلك كله من تطورات وإعلان مواقف وتبني إجراءات من جانب العديد من الدول، لتؤكد ببساطة شديدة واقعاً نعيشه يومياً بينما يحاول بعضهم جاهداً السعي لإنكاره، ألا وهو أن كل أمور الحياة من حولنا، ومهما بدت في شكلها الخارجي فنية أو متخصصة أو محايدة، هي في نهاية المطاف جزء من هذا المصطلح الشامل الغامض المسمى «السياسة».

ولا ندعي هنا محاولة طرح أي إجابات نهائية أو قاطعة عن أسئلة مثارة بالفعل في شأن أجواء الانتخابات الأخيرة لرئاسة «الفيفا» ونتائجها وكيفية تحقق تلك النتائج وإعلان الفائز النية في التنحي سريعاً، ولا عن أسئلة أخرى نطرحها في هذا المقال، بل إن غاية ما نطمح إليه هو طرح تساؤلات إضافية نراها جديرة بالتفكير والبحث من جهة، وكذلك إلقاء الضوء على جوانب قد لا تكون أبعادها واضحة لبعضهم، أو قد لا تكون العلاقات في ما بينها قد تم تناولها بما تستحقه من اهتمام من جهة أخرى.

وبداية علينا أن نقر جميعاً، سواء من يعشق رياضة كرة القدم أو من لا يطيق سماع اسمها، أن كرة القدم صارت بمرور الوقت، وفي شكل متصاعد وغير مسبوق من قبل، تؤثر في وتتشابك مع أمور الاقتصاد والتجارة والاستثمار والأعمال والدعاية والإعلان والإعلام وغيرها من مجالات النشاطات الإنسانية والمجتمعية المختلفة، وذلك في علاقة ترابط تبدو اليوم، مما ظهر قبيل وخلال وبعد الانتخابات الأخيرة على رئاسة «الفيفا»، شديدة التعقيد وغير قابلة للانفصام أو التفكيك. كما أن تلك الرياضة الشعبية الأولى في العالم صارت بلا شك مصدراً من مصادر بناء الصورة الإيجابية وإظهار المكانة الدولية ودرجة النفوذ والتأثير في الساحة العالمية لأي دولة. وبالتالي، كان من الطبيعي أن تترتب على ما تقدم نتيجة منطقية تتمثل في تطور علاقة تداخل عميقة بين كرة القدم و»السياسة»، على صعدها المحلية والإقليمية والدولية.

وإذا كانت فترات الولاية السابقة (الأربع) لجوزيف بلاتر شهدت ظهور مسائل واتخاذ قرارات كانت محل خلاف وانتقادات واتهامات، ومثار جدل واسع، سواء على المستويات الفنية أو المالية أو الإدارية، فإنه من الثابت أن فترات ولاية بلاتر شهدت تحولات عديدة ومتنوعة في طبيعة كرة القدم على الصعيد الدولي، خصوصاً على الصعيد النوعي، ربما كان من أهمها تحقيق ما يمكن أن نطلق عليه «عولمة» كرة القدم، أو وفق تعريف بعضهم «دمقرطة» تلك الرياضة، ونعني هنا تحديداً تحويل استضافة مسابقات كأس العالم لكرة القدم من احتكار مشترك لقارتي أوروبا وأميركا اللاتينية، باستثناء مسابقة 1994 التي ذهبت للولايات المتحدة الأميركية، إلى منح تنظيم تلك البطولة العالمية المهمة إلى قارات العالم الأخرى، وأعني هنا ما شهدناه في عهد بلاتر في عام 2002 من تنظيم مسابقة كأس العالم للدول في قارة آسيا للمرة الأولى في تاريخ المسابقة باستضافة مشتركة من جانب اليابان وكوريا الجنوبية، ثم شهدنا في عام 2010 استضافة المسابقة في القارة السمراء، للمرة الأولى في تاريخ تلك البطولة أيضاً، بواسطة جنوب أفريقيا، مع إدراكنا بالطبع أن هذه الحالة الأخيرة تكمن حالياً في قلب اتهامات بالفساد تطاول مسؤولين كباراً في الاتحاد الدولي للعبة. كذلك اتخذت قرارات في عهد بلاتر، ثار حولها ولا يزال الكثير من الجدل، مثل قبول عرض استضافة الاتحاد الروسي لمسابقة نهائيات كأس العالم عام 2018، وقبول عرض استضافة دولة قطر للمسابقة نفسها عام 2022. وكان من مظاهر هذا التنويع وتلك العولمة أيضاً تنظيم بطولة العالم للأندية في عام 2000، وإن كانت قد توقفت سنوات عدة لأسباب تتعلق أساساً بإفلاس الشركة الراعية، فإنها سرعان ما عادت إلى الوجود واستمرت منذ عام 2005، وأيضاً استضافتها دولاً من مختلف قارات العالم مثل اليابان والمغرب والإمارات العربية المتحدة والبرازيل.

ولكن الثابت أنه لم يحدث قبيل انتخابات رئيس «الفيفا» في أي حالة من قبل، تبادل للاتهامات في شأن قضايا متصلة، في شكل مباشر أو غير مباشر، بالانتخابات على هذه الدرجة من المستوى السياسي الرفيع من جانب بعض الدول، أو تحريك سريع مفاجئ لإجراءات قانونية وقضائية يؤدي، عن قصد أو من دون ذلك، إلى التعريض بمرشح بعينه، من جانب دول أخرى قبيل الانتخابات مباشرة، فيما بدا منها جميعاً شبهة أنها تحركات سياسية، أو بمعنى أدق «مسيسة»، بمعنى أن دوافعها قد تكون تتعلق بمواقف سياسية وحسابات إقليمية أكثر مما تتعلق باعتبارات فنية تتصل بصالح كرة القدم كرياضة، أو حتى باعتبارات تتعلق بمجرد مخالفات مالية أو تنظيمية أو إدارية ذات تبعات قانونية وقضائية ربما تصل الاتهامات في شأنها إلى درجة توجيه تهم تتصل بالفساد المالي والإداري.

وبالتأكيد فإن لـ «الحروب الديبلوماسية»، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، بين دول وأقاليم العالم على النفوذ والتأثير والمكانة في رياضة كرة القدم على الساحة العالمية، كما هي الحال بالنسبة الى رياضات أخرى ذات صيت دولي، دوراً في هذه الدرجة العالية من التصعيد السياسي المحيط بأجواء انتخابات رئيس الاتحاد الدولي للعبة هذه المرة، كما أن من الواضح أن قناعات تولدت، ودعمتها تراكمات ترسبت لدى بعض الاتحادات الوطنية والقارية، على خلفية سياسية، ومن ثم حكمت نمط تصويت تلك الدول والأقاليم في الانتخابات الأخيرة تجاه هذا المرشح أو ذاك، وكذلك وجهت مواقفها وتصريحات وتصرفات مسؤوليها، وبالتالي كان لها دورها في هذا «التسييس» الواضح للعيان هذه المرة بكل جلاء، وبما لا يحتمل أي تفسير أو تأويل مخالف.

وإذا كانت ممارسات الماضي قد أرست تقاليد كانت تدعو السياسيين الى البحث عن القدوة في الرياضة، وتدعوهم إلى تبني «الروح الرياضية» في التفاعلات السياسية بعيداً من التعصب المقيت أو العداء المستحكم، وبحثاً عن روح التصالح والتسامح والتفاهم والتقارب، وهي قيم تمثلها كلها الرياضة، وفي مقدمها كرة القدم، فإن الأحداث الأخيرة المرتبطة بانتخابات الرئاسة في «الفيفا» قد قلبت الآية إلى حد كبير، أو لكي نكون أكثر دقة، أبعدت الرياضة عن أن تكون النموذج للسياسة والساسة في مجال الاقتداء بالروح الرياضية، وقاربت كثيراً بين الميدانين في مجال سلبي، هو الاستقطاب الحاد البعيد من الحلول الوسط أو التوفيقية أو التصالحية.

وما سبق ليس مجرد استنتاج من نسج الخيال منقطع الصلة بالواقع، بل يدل عليه العديد من الشواهد والظواهر التي تعاقبت منذ انتهاء انتخابات رئاسة «الفيفا»، بداية بعدم اعتبار العديد من الأطراف ذات المصلحة والدور أن النتيجة النهائية التي أعلنت أنهت أو حسمت حالة تنافس كان يفترض أنها شريفة على مقعد رئاسة اتحاد دولي للعبة رياضية، بل برز أن كل معسكر، سواء من أنصار الرئيس المنتخب، حتى بعد إعلانه نيته التخلي عن المنصب، أو من خصومه، متربص بالطرف الآخر، في ما يبدو أنه إنذار بأن حالة الاستقطاب لن تتوارى، بل إنها قد تكون مرشحة للمزيد من التصعيد والاحتقان، وهي أمور لن تكون في مصلحة كرة القدم تحديداً ولا في مصلحة الرياضة في شكل عام، كما أنها سوف تمثل سابقة، ليس فقط على صعيد كرة القدم، بل على مجمل المشهد الرياضي العالمي، بكل ما يحمله ذلك من تبعات سلبية على مستقبل فرص وآفاق التعاون الدولي، حتى في ما يبدو أنه الميدان الأكثر سهولة نسبياً لتحقيق مثل هذا التعاون، وهو الرياضة. بل نذهب هنا خطوة أبعد من ذلك لندفع بأن نتيجة استعراض القوة وحالة الاستقطاب الموجودة، ورغم ما يبدو على السطح من أن الصراع يدور في شأن الإدارة العالمية لرياضة معينة، يعتبرها كثيرون محكاً لتقييم مدى التأثير الدولي لدول بعينها، ومقدار ما تمتلكه هذه الدولة أو تلك من أوراق ضغط على الأطراف الأخرى ومدى قدرتها على التأثير في عملية صنع القرار بالمنظمات الدولية في شكل عام، وليس تلك المختصة بالرياضة فقط.

ندفع بما سبق، وليس لدينا صورة كاملة عن أسباب إعلان بلاتر المفاجئ اعتزامه التخلي السريع عن منصبه، ولكن يمكن استنتاج عدد من الاحتمالات البديلة الوارد حدوثها في إطار لعبة توازن القوى بين الأطراف المختلفة: أولها أنه ربما أراد بلاتر أن يوجه رسالة قوية إلى الدول التي وقفت ضده، مفادها بأنه قبل التحدي وفاز في الانتخابات ولكنه قرر بمحض إرادته ترك موقعه، وهي إشارة إلى انتصاره على خصومه وعدم قدرتهم على إلحاق الهزيمة به، وثانيها أنه ربما فضل الانسحاب طواعية في ظل تخوفه من تصاعد الاتهامات الموجهة إليه واقتراب دائرة الاتهام من شخصيات قريبة منه، بما قد يطاوله شخصياً لاحقاً، أو حتى احتمال تعرضه لتحقيقات قانونية أو قضائية، وثالثها احتمال تعرضه لضغوط مباشرة وتهديدات صريحة أو ضمنية من جانب بعض الدول والاتحادات بالعمل على إفشال مهمته في الفترة المقبلة كرئيس لـ «الفيفا» واستهدافه قانونياً وقضائياً، ومن ثم سياسياً، في حال تمسكه بالبقاء في المنصب، وما قد يكون ارتبط بذلك من «صفقات» تضمن سلامته الشخصية تم عرضها عليه في حالة قبوله التنحي.

وختاماً، لن تكون الانتخابات والتحقيقات وتنحي بلاتر الفصل الأخير في هذه المسألة، بل إنها ستفتح ملفات كثيرة من المتوقع أن تكون حتى أكثر «تسييساً» مما شهدناه حتى الآن من تفاعلات، وإن غداً لناظره قريب.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان