رئيس التحرير: عادل صبري 08:26 صباحاً | الأحد 19 أغسطس 2018 م | 07 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

الأقصى... ازدواجيات ثقافية

الأقصى... ازدواجيات ثقافية

مقالات مختارة

المسجد الأقصى

الأقصى... ازدواجيات ثقافية

محمد حسين أبو العلا 04 يونيو 2015 08:41

كانت وما زالت وربما ستظل تلك الهجمات العنيفة المنتهكة للمقدسات العربية الإسلامية والمستهدفة للمسجد الأقصى في أولوياتها الاستفزازية الوحشية، ذلك ما دامت المناخات العربية وعلى أصعدتها السياسية والاجتماعية والثقافية الفكرية تطوقها خيوط التردي المؤذنة بملامح الزوال، بعد أن باتت العقائد ممثلة لأدوات الفتك باعتبارها معياراً للابتزاز الاستراتيجي من بعض القوى الداخلية وأغلب القوى الخارجية المتآمرة.

فليس جديداً على تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي أن تتوالى الاشتباكات حول الأقصى، أو أن تُخترق باحاته وتصبح مرتعاً للفسق والعربدة أو يتم التلويح بهدمه وإبادته أو التأكيد على إقامة الهيكل المزعوم مكانه أو انتزاع الحقوق التاريخية أو طمس ملامح الهوية الحضارية العربية الإسلامية.

وكذلك ليس جديداً على تاريخ الفعل السياسي العربي تبني استراتيجية الغياب والعدم واللاشيء، وهو ما حقق جموحاً مطرداً في مخططات الدولة العبرية الرامية إلى بلوغ مرحلة مفصلية وطوراً مغايراً لكل ما كان، بحيث يكون المستحدث واقعاً حتمياً مفروضاً وتأخذ قضية الأقصى منعطفاً آخر بعد أن استوفت شوطاً زمنياً قصيراً بالمعايير التاريخية للقضايا الكبرى.

وإذا كانت بعض الكيانات في المحيط الدولي ثأرت لسمعتها وكرامتها متخذة مواقف حادة إزاء عبثيات الدولة العبرية مثل بولندا التي قررت حكومتها وقف كل مخصصات اليهود الفارين من أوروبا والمقيمين في المستوطنات، ذلك ضغطاً على إسرائيل وضرباً لسياستها الاستيطانية العاصفة بكل القوانين والأعراف الدولية بل في كافة القرارات الأممية، أو الفاتيكان التي اعترفت رسمياً بدولة فلسطين محاولة إبرام اتفاق معها حول الحقوق الدينية، أو ما كان من اعتراف السويد من قبل بالوجود الفلسطيني في الأمم المتحدة.

فإنه في المقابل كان الموقف العربي ثابتاً قانعاً بإعلان الخصومة والعداوة اللدودة مع الدولة العبرية، لكن مع التعايش الإيجابي مع الغطرسة وتطرف القوة والشذوذ السياسي والاستراتيجيات الخرقاء، وهو موقف يحمل في جوهره ازدواجية ثقافية تعبر عنها تساؤلات عدة على غرار: ما قيمة الاكتفاء بالعداء إزاء السطو على الحقوق؟ وهل منع هذا العداء أو حدَّد ذلك التوسع الاستيطاني الاستيلاء على الأراضي العربية؟ أو هل حجَّم هذا العداء دائرة المنظومة التآمرية على العالم العربي؟ وهل تمثل مفردات العداء في اللعبة السياسية أثراً يذكر؟ وإذا كان هذا العداء ذا أثر، فلماذا ظلت أميركا تحظى بأكبر موجة عدائية في التاريخ الإنسانى؟!

ولعل هذه الازدواجية الثقافية امتدت لتطول الحادث في قمة كامب ديفيد من تلك التصريحات البلهاء التي أطلقها أوباما أمام الجبهة العربية، وتصدرتها تلك الطمأنة المخيفة عن يقظة الولايات المتحدة وتصديها لتصرفات طهران المزعزعة للاستقرار في المنطقة العربية معترفاً بأن دول المنطقة كافة محقة في قلقها وتوترها إزاء النشاط النووي الإيراني، لذا فإن الاتفاق الشامل مع إيران إنما يستهدف محو تلك التهديدات المنتظرة. وهو ما يفسح المجال للخيال الخصب كيف ستكون إيران أكثر استفزازاً لجيرانها إذا امتلكت بالفعل سلاحاً نووياً، لذا فإنه يجدر بالولايات المتحدة التواصل مع إيران لدمجها في المجتمع الدولي ككيان مستأنس!

ولعل ذلك كله بما انطوى عليه من تفصيلات وتلافيف تحتم على العقل الإسلامي طرح تساؤلات مؤداها: ألم تظل الجبهة العربية مهددة طيلة عقود طوال برعب الترسانة النووية الإسرائيلية؟ أم أن القلق من إيران له طابع آخر ويعد مثيراً للوقفة التاريخية في كامب ديفيد؟ ولماذا لم تقترح من قبل فكرة حماية الجبهة العربية وطمأنتها من الفزع النووي الإسرائيلي؟ وهل تتبوأ إيران في الرؤية الأميركية مكانة رفيعة من الطيش السياسي، بينما تحتفظ إسرائيل باتزانها ووقارها وترفُعها عن الخطايا والدنايا الاستراتيجية؟ أليست الدولة العبرية في حاجة ملحة لإدماجها في المجتمع الدولي بدلاً من أن تظل كياناً نشاذاً ملفوظاً؟

إن الجبهة العربية كان يتوجب عليها أن تنتصر لقضاياها الملحة المؤرقة والتي طال أمد الفصل فيها ولا يستوقفها ذلك الهراء الذي يتلفظ به أوباما المتنصل في النهاية من إبرام أي اتفاق للدفاع المشترك مع دول مجلس التعاون الخليجي لسبب واضح ومعلوم وهو أن الولايات المتحدة هي الحليف الاستراتيجي القديم والمعاصر لإيران، ولأن السياسة لا تعني لديه إلا فن الكراهية بلغة لويس السادس عشر. من ثم كان الأولى هو الاستمساك بالحقوق الثابتة وليس بالعوارض السياسية الملفقة المكذوبة، فالتفريط في الأقصى إنما يمثل إهداراً للهوية بل استئصالاً مباشراً لها... فمن يمكن أن يسمح للآخر، أي آخر بمحو هويته ولماذا؟! وإذا كان التاريخ ظاهره خبر وباطنه نظر، فإن الجبهة العربية –وفي اللحظة المعاصرة- عليها أن تبحث في الماضي عن الجذوة المتقدة وألا تكتفي منه بالرماد لتتبدل ظلال المستقبل.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان