رئيس التحرير: عادل صبري 07:29 صباحاً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

تقويم سنة من حكم السيسي

تقويم سنة من حكم السيسي

مقالات مختارة

عبد الفتاح السيسي

تقويم سنة من حكم السيسي

محمد شومان 03 يونيو 2015 10:27

بعد أيام قليلة، يكمل الرئيس عبدالفتاح السيسي عامه الأول في الحكم، ولهذه المناسبة سألني أستاذ علوم سياسية معروف من دولة خليجية: ما هي إيجابيات وسلبيات السنة الأولى، التي عادةً ما تكون الأصعب بخاصة في ظل الأوضاع التي مرت بها مصر، أما سؤاله الثاني فكان عن جدوى الاستثمارات الخليجية في دعم جمهورية السيسي؟

رحبت بالسؤال الأول، وتحفظت على الثاني لأن الدعم السياسي والاقتصادي الخليجي لا يوجّه الى النظام الجديد، وإنما الى مصر الشعب والدولة، وسبق لمصر عبدالناصر أن قدمت دعماً غير محدود سياسياً وتعليمياً لدول الخليج، ولا تزال قادرة على الوقوف إلى جانب هذه الدول باعتبار ذلك جزءاً من الأمن القومي العربي، وأتصوّر أن المطلوب في هذه المرحلة هو ترشيد العلاقات المصرية - الخليجية وعقلنتها، بحيث لا تقوم على العداء لـ «الإخوان المسلمين» ومحاربة الإرهاب فقط أو مواجهة التهديدات الإيرانية، وإنما تتجاوز ذلك كله نحو شراكة حقيقية تقوم على المصالح والتاريخ، علاوة على غطاء أيديولوجي يتمثل في بعث الطاقة الروحية للعروبة والثقافة العربية والعمل الجاد لتحقيق تكامل اقتصادي عربي.

في قلب عملية الترشيد والعقلنة هذه، يجب أن تحرص دول الخليج على عدم تصدير نموذجها في النمو والمشاركة السياسية الى مصر لأنه لا يصلح لها، وعليها أن تشجّع السيسي على المزج بين السياسة والأمن في مواجهة الإرهاب، وتحقيق مصالحات وطنية تنهي حالة الصراع والاستقطاب في المجتمع. في المقابل، يمكن مصر أن تلعب دوراً في تخفيف التوتر مع طهران الذي يتخذ أبعاداً طائفية مدمرة، وفي الوقت نفسه أن تكون مستعدة دائماً لدعم قدرات دول الخليج في الدفاع عن أمنها ومصالحها في مواجهة إيران.

قلت لصديقي الخليجي، والذي تعلّمت منه الكثير، إن معادلات العقلنة والترشيد المتبادل التي اقترحها تبدو صعبة، لكنها ضرورية وتحتاج إلى خيال سياسي واستراتيجي يعمل من خارج صندوق الأفكار والسياسات المعمول بها حالياً في المنطقة العربية. وقناعتي أن تحقيق الأمن والاستقرار في مصر واستعادة دورها الإقليمي، يتطلّب هذا الخيال والذي يبدو عملة نادرة في إدراك وسلوك الرئاسة المصرية التي ضيقت على نفسها في مجالات التحرك الإقليمي، فلم تحاول مثلاً استعادة علاقتها بإيران، أو تطوير علاقتها بالجزائر على الأقل لاحتواء الأوضاع المتدهورة في ليبيا.

ضيّقت الرئاسة على نفسها في الاستعانة بخبراء وسياسيين في الدائرة الضيقة لصنع التصورات والقرارات السياسية، واكتفت تقريباً بالطاقم العسكري الذي كان يعمل مع السيسي أثناء خدمته في الجيش، حيث انتقل ليعمل في الرئاسة ويمسك بملفات سياسية تتجاوز تكوينه المهني وخبراته السابقة، وقد حظي هذا الموضوع بانتقادات عديدة من الصحافيين المؤيدين للسيسي، لكنهم طالبوه بدعم مؤسسة الرئاسة وتطويرها، وهنا يمكن التذكير بالأدوار البارزة التي لعبها أسامة الباز ومصطفى الفقي وآخرون في السنوات الأولى من حكم مبارك، حيث نجحوا في تحقيق احتشاد وطني عام لتجاوز صدمة اعتقال قادة الأحزاب والشخصيات العامة واغتيال السادات، علاوة على استعادة علاقات الدول العربية بمصر. ولم يكن الباز أو الفقي مجرد ديبلوماسيين، وإنما كانا مثقفين في الدولة ولكل منهما رؤيته وحلمه الوطني والقومي الذي تحقق جزئياً نتيجة سماع مبارك لهما، لذلك عندما ابتعد عنهما تعثّر الأداء، وصار فرعوناً جديداً فاشلاً.

وأعتقد أن السيسي يحتاج في مؤسسة الرئاسة، إلى رجال دولة مثقفين وأصحاب رؤى حتى ينجح في تشبيك الإنجازات والمشاريع الطموحة التي شهدها العام الأول من حكمه، وربطها بتصوّر عام أو خطة خمسية شاملة، تحدّد الأولويات والتوقيتات وتعلن تحيّزها الى الفقراء والشباب، ما يعني مباشرة تغيير النهج الاقتصادي والتنموي المتبع، والذي يعد امتداداً للنهج الذي كان معمولاً به في عصر مبارك.

من مقومات الرؤية الغائبة، إعادة اللحمة إلى تحالف 30 حزيران (يونيو) الذي يضمّ طيفاً واسعاً من القوى المدنية، من خلال إعادة الاعتبار الى ثورة 25 كانون الثاني (يناير)، ومنع عودة رموز نظام مبارك، واحترام الدستور وتفعيل كثير من نصوصه، وإعادة النظر في قانون التظاهر وإطلاق سراح شباب الثورة من السجون، وإصلاح الشرطة، ووضع خطط لتطوير جهاز الدولة ومحاربة الفساد، وتعديل قانون الانتخابات البرلمانية والانتهاء منها في أقرب وقت ممكن، لأن اجتماع السلطتين التنفيذية والتشريعية في يد الرئيس ولأكثر من عام، يضاعف من الضغوط والمسؤوليات الملقاة عليه، ويحرم الشعب من وجود برلمان لا شك أنه سيدعم تطور الحياة الحزبية.

المطلوب كثير والسلبيات والأخطاء كثيرة، ربما بحجم التحرك السريع والرغبة في تحقيق إنجازات ملموسة في وقت قصير، واعتماد مؤسسات الدولة القديمة التي تعاني الترهل والفساد، فمشروع قناة السويس على وشك الانتهاء وسيفتتح في آب (أغسطس) المقبل، ويجري بسرعة زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية التي لم تنقطع في مطلع هذا الصيف، كما تتواصل عمليات إصلاح شبكة طرق وتحديثها، واستصلاح مليون فدان، واستكمال مشروع تنمية القرى الأكثر فقراً، وتطوير منظومة الدعم والصحة والتعليم.

لكن يمكن القول إن أهم إنجازات السيسي هي:

1 - إكمال العام الأول من الحكم من دون مواجهة تظاهرات أو احتجاجات جماهيرية واسعة، على رغم رفع الدعم على الوقود وارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات، ما يؤكد مدى تمسك غالبية المصريين به وثقتهم في قيادته ووطنيته، لكن تبقى احتجاجات «الإخوان» والعمليات الإرهابية بخاصة في سيناء، كأحد أهم أسباب الإزعاج وعدم الاستقرار، ما يؤثر سلباً في الاقتصاد خصوصاً الاستثمار الأجنبي والسياحة.

2 - منح غالبية المصريين الأمل في المستقبل والثقة في قدراتهم على تجاوز أزمات عدم الاستقرار والإرهاب والاقتصاد، ونقص الكهرباء والبطالة واستعادة دور مصر الخارجي. لكن ربما يقلل من مستويات الثقة والأمل عند بعض القطاعات، ارتفاع سقف التوقعات وشعورهم بعدم تحسّن أوضاعهم، وأن الرئيس لم يحدث تحولات سريعة وشاملة كما فعل عبدالناصر والسادات.

3 - استعادة هيبة الدولة وفرض الأمن، وهي مهام تطلبت جهوداً مضنية من الرئيس وحكومته، إلا أنها كانت على حساب حقوق الإنسان، وهددت بالعودة الى الممارسات التي أدت إلى ثورة 25 يناير. من هنا، لا بد من إعادة التوازن بين الأمن والحريات، وبين الحلول السياسية والحلول الأمنية، لا سيما أن الأخيرة لم تنجح تماماً في القضاء على الإرهاب، كما أن استمرارها قد يفرخ إرهابيين جدداً، ويحمّل الشرطة والأجهزة الأمنية ما هو فوق طاقتها.

4 - الحصول على تأييد عربي ودولي واسع للنظام الجديد، ما عزز شرعيته، كما نجحت مصر في استعادة عضويتها في الاتحاد الأفريقي والتحرك بفاعلية نحو أفريقيا، بخاصة إثيوبيا ودول حوض النيل، علاوة على إحداث توازن في علاقاتها الدولية من خلال البوابتين الروسية والصينية.

إنجازات العام الأول كثيرة، لكن في داخل كل منها تناقضات وسلبيات، تخلق تحديات ومشاكل مع مرور الزمن، والمعضلة الأساسية أن تضييق المجال العام وتراجع النقد والتنوع في الخطاب الإعلامي يبدوان ضروريين عند الحكم وبعض الأحزاب وأقسام من النخبة لمواجهة الإرهاب و «الإخوان»، الذين يلتقون عند مقولة الاصطفاف الوطني ضد أعداء الدولة المدنية، لكن توسيع المجال العام وتنوّع الإعلام ودعم المجتمع المدني، هي ممارسة اجتماعية وسياسية ضرورية لمراقبة الأداء العام وتطويره، والتصدي لأي مظاهر عودة القمع والإرهاب. هذه المعضلة هي كعب أخيل في جمهورية السيسي، والتي لم تتمكن حتى اليوم من إيجاد حلول مناسبة لها، لأن هناك رؤية أمنية قاصرة ترى أن عودة المجال العام والسياسة تفتح المجال لتهديد النظام الجديد، وربما إسقاطه على نحو ما حدث ضد مبارك، ثم ضد مرسي، لكن هذه الرؤية تقارن بين أنظمة حكم لا مجال للمقارنة بينها، فتجربة السيسي في الوصول الى الحكم تختلف تماماً عن تجارب كل رؤساء مصر السابقين، ولكي يستكمل فترة حكمه الأولى ويحافظ على شرعيته وشعبيته لا بد له من الإفصاح عن رؤية عامة أو تبني مشروع ملهم يترجم إلى خطط تنموية، ولا بد من ضمان الحريات وتوسيع المجال العام، والتصدي بكل حزم لحملات التخوين والتكفير ضد أصحاب الآراء المعارضة السلمية.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان