رئيس التحرير: عادل صبري 01:22 صباحاً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

قصة قصيرة من بغداد

قصة قصيرة من بغداد

مقالات مختارة

نهلة الشهال

قصة قصيرة من بغداد

نهلة الشهال 17 مايو 2015 12:21

يعبِّر حادث فجر الخميس الماضي في حي الأعظمية ببغداد، عن الحال السائدة بيننا، على مستوى الواقع كما يجري، وعلى المستوى الآخر المتعلّق بالخطاب حين يتناول أحداثه. ففي فجر آخر يوم من أيام المسيرات الشعبية الهائلة التي تتّجه لزيارة مرقد الإمام موسى الكاظم، حدث ما كان يمكن أن يتحوّل إلى مجزرة. فقد انطلقت إشاعة بين الزوار تقول بوجود انتحاري بحزام ناسف. لا يهم أن يتبيّن بعد دقائق أن الرجل إنما كان يرتدي حزاماً طبياً ليس إلا، وأن الأسلاك المتدلّية من أذنيه كانت لسماعات هاتف أو لآلة تسجيل، وأنه أوقف منذ اللحظة الأولى للاشتباه بأمره، وتسلّمته الشرطة.

الرواية التي سرت بين الناس المتدافعين ذعراً، أصرت على ما اعتقدته، أو على ما تردّد وتناقلته الألسن. وفيما كان الموج البشري يتلاطم فيقع من يقع ويُدهس بالأرجل العديدون (ولا سيما أن تفجيرين انتحاريين وقعا فعلاً في الأيام السابقة، في أماكن تخصّ خطوط مرور الوافدين إلى الزيارة، وأن «الفكرة» بالتالي معقولة)، وُجد من وَجد ضالته، إذ كانت المسيرة تمرّ في حي من أحياء الأعظمية، وهي طريق أساسية للوصول إلى مرقد الإمام الكاظم.
 

ولا يغير كثيراً في الرواية إن كان هؤلاء قد اختاروا في شكل عفوي هدف إغارتهم، أم كانوا مُبيِّتين للواقعة كأصحاب فتنة، أو كانوا بين بين، أي من المتوجّسين والمحتاطين. فكلهم تساندهم بلا عناء الأجواء العامة القائمة.
 

هاجمت إذاً، مجموعة من المسيرة مبنى تابعاً للوقف السني في الحي وأحرقته، وسعت الى توسيع هجماتها لبيوت مجاورة. حصيلة الحادث برمّته أربعة قتلى. وقد تمت السيطرة عليه بسرعة كبيرة، على رغم الإشاعات التي راح بعضها يعتبر أن إطلاق النار إنما مصدره مسلّحون من الأعظمية أو «داعشيون» يستهدفون المسيرة، بينما هو كان في الهواء ومن الشرطة، لتفريق الناس. وقد أعلن عن اعتقال المعتدين على المبنى التابع للوقف السني، وكذلك مطلقي الإشاعات، وتوجيه تهمة الإرهاب إليهم، ما لم يحل دون استمرار بعض وسائل الإعلام في المنطقة، ومنها ما هو واسع الانتشار، في الاستثمار في الحادث، إن لم يكن هنا فهناك، أو تأكيد «طبيعة» الحرب الدائرة في المنطقة، وشرعنة مذهبيتها.
 

منذ عشر سنوات بالتمام، في صيف 2005، ولمناسبة المسيرة السنوية لزيارة الإمام الكاظم، فجر انتحاريان نفسيهما وسط الحشود عند عبورها «جسر الأئمة»، الذي يربط بين مرقدي الإمام أبو حنيفة في الأعظمية والإمام موسى الكاظم في الجهة المقابلة له من نهر دجلة. يومها وقع من قُدِّروا بألف قتيل، نتيجة التفجيرين والتدافع وتداعي الجسر، فكثر منهم سقطوا في النهر.
 

يوحي الحادث الأخير، أن الاحتقان المذهبي وصل إلى درجة من الشدة بات معها بإمكانه الاستغناء عن التفجير الفعلي، والمراهنة على شرارة صغيرة تتولّى إشعال حريق كبير. لم يحدث هذه المرة. وعلى العكس، طارت في اليوم نفسه، وفي أعقاب ما جرى فجراً، أخبار وقصص من بغداد عن استمرار أهل الأعظمية بتقديم الخدمات للسائرين. وصدرت بيانات من أطراف متعددة، معظمها يشدّد على السلم الأهلي، ولو أن بعضها يفترض أنه لن يُسمَع من ناسه إن لم يَتخذ بداية لهجة متشددة في «الدفاع» عنهم بوصفهم المظلومين، وبعضها الآخر يعتبرها مناسبة للمطالبة بإجراءات تتعلق بـ «تصحيح» معادلة المحاصصة المذهبية التي يقوم عليها النظام الموضوع للعراق منذ احتلاله في 2003، وصولاً إلى الدعوة لقيام أمن ذاتي مسلّح في الأحياء المختلفة. هذه وتلك أصوات رسمية، لها مواقعها في المراتب والمناصب كما هي موزعة في السلطة العراقية، إن لم نقل «الدولة»، على اعتبار هذه الأخيرة متلاشية قياساً بأي تعريف متّفق عليه.
 

وهو وضع غريب. فالتجربة العراقية في طورها الأخير، وصلت الى مقدار من البؤس، يفترض معه أن يكون نظام المحاصصة ذاك قد كشف عن حدوده، وعن كونه مصدراً لأزمة متكرّرة بلا توقّف. فهذا النظام قد ساهم في إنتاج «داعش»، أو هو على الأقل قد وفّر له الأرضية والحجة وصولاً إلى السيطرة على ثلث الأراضي العراقية، مستثمراً في مشاعر الإقصاء والإهمال والاضطهاد التي تسود في مناطق وأوساط بعينها. وفي المقابل، يقوم تبرير (ضمني أو علني) لتلك الحالة باعتبارها ثأراً من ماضٍ من الإقصاء والإهمال والاضطهاد. فأين المفر؟
 

وفي الواقع، فكتلة المستفيدين من الغلبة الحالية ليست أبداً عموم الشيعة الذين يجري إرضاؤهم، أو إلهاؤهم، بحريتهم في القيام بالمسيرات والزيارات، وبممارسة أعلى صخب واستعراضية يشاؤون. بينما ما زالت معظم الأحياء التي يقطنها الشيعة في بغداد، كما مدن الوسط والجنوب ذات الغالبية الشيعية، وكذلك القرى والأرياف، تعاني من الفقر المدقع وانهيار كل الخدمات الأساسية، في بلد كانت عوائده النفطية تتجاوز 150 بليون دولار سنوياً، تبخرت كلها (إلاّ النذر اليسير، بدليل الفضائح التي لا تنقطع عن ثروات خيالية للمسؤولين الذين تعاقبوا على البلد، وتقاسموا نهبه مع الأميركيين وبعدهم). بل أن العراق طلب قرضاً هذا العام من صندوق النقد الدولي، وأعلن أن ميزانيته تعاني من عجز يتجاوز 25 بليون دولار، بحكم الانخفاض في سعر برميل النفط عالمياً، ما يعني أنه لم يكن هناك احتياطي مدّخر ولا من يحزنون، بينما لم ينجز أي مشروع يتعلق بأي قطاع (فحتى الكهرباء ما زالت تنقطع لساعات طويلة، وأما تحسين الأوضاع الكارثية في قطاعي التعليم والصحة فترف ليس وارداً).
 

وعليه، فمطلب تصحيح نظام المحاصصة ذاك ليصبح «أكثر عدلاً» بين الطوائف، حتى وإن بدا منصفاً ومعقولاً، وهو كذلك مبدئياً، لا يمثل بحال من الأحوال حلاً. وهو قد يفيد قلة هنا، كما يفيد الوضع الراهن قلة هناك. وليس من حلّ سوى بإنهاء حالة الاستئثار التي تداني الاستباحة، حتى يمكن استئصال «داعش» وسواه، مما تؤهل الأجواء القائمة ازدهاره، وذلك بإعادة تأسيس التوافق على العقد الاجتماعي في العراق. وهذا لا يهمه وحده، بل يؤثر في المنطقة برمتها، التي وصل فيها السعار المذهبي الى مديات عظيمة، لم يكن ربما ليصلها لولا ما لحق بهذا البلد من تخريب وتدمير. والله ستر... هذه المرة.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان