رئيس التحرير: عادل صبري 09:11 مساءً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

مفهوم الإصلاح بين العقل والنص والتراث

مفهوم الإصلاح بين العقل والنص والتراث

صلاح سالم 16 مايو 2015 12:57

تفرض علينا موجات الإرهاب الدامي، وحفلات القتل الجماعي باسم الدين، ضرورة استعادة الإسلام العظيم من قبضة التطرف اللعين. إنها مهمة الأمس التي تأخرت إلى اليوم، ولا يجب أن تنتظر إلى الغد. وهي المهمة نفسها التي كان الرئيس المصري أسندها إلى الأزهر الشريف قبل أشهر، عندما دعا رجاله إلى القيام بثورة على التطرف تفضي إلى تجديد الخطاب الديني. غير أن الدعوة بهذه الصيغة (تجديد الخطاب)، وهذا التوجيه (إلى الأزهر)، تكررت كثيراً بموازاة موجات إرهاب سابقة، من دون تحقيق نتائج حاسمة، الأمر الذي يكشف إشكاليات عدة تواجهها.

أكثر هذه الإشكاليات أهمية تتمثل في المفاهيم، وتتعلق بقضية الخطاب نفسه. فالخطاب، عموماً، يعني استراتيجية ما في القول عن الشيء، أي نمط للإفصاح الشامل عن واقع بعينه، ومن ثم فهو نتيجة مترتبة على واقع سائد بالفعل، لا يمكن تقديم صورة عنه لا تؤيدها المعطيات الواقعية وإلا افتقد الخطاب منطقه وتحول إلى محض صياغات بلاغية ومزايدات كلامية لا تقنع أحداً. ويعنى الخطاب الديني، خصوصاً، بكيفية عرض الدين أو الدعوة إليه أو الدفاع عنه ضد منتقديه، حيث يهيمن الطابع السجالي، على الأقل، إن لم يكن الطابع التبشيري. وهكذا يبقى مفهوم الخطاب الديني مهجوساً بالآخر، خصوصاً الغربي، وبتلك الرغبة الدفينة في الدفاع عن أنفسنا في مواجهته، وتزويق صورة التدين الإسلامي القائم فعلياً لدينا، بينما المطلوب الآن لا يقل عن تجديد الفكر الإسلامي، في مكونه القيمي والإنساني، بإلهام المكون الاعتقادي المتسامي على التاريخ. أي تجديد (تديننا) وأفكارنا عن (إسلامنا)، وذلك من طريق إعادة تعريف ماهية النص نفسه، قبل الولوج إلى مساءلته على مستويات مختلفة من العمق والجذرية تتوافق مع مستويات إحكامه وتساميه، تطويراً لواقعنا نحو الأفضل.
 

كان الخطاب الفكري الإسلامي، إزاء التردي التاريخي والحضاري لمجتمعاتنا منذ مطالع العصور الحديثة، قد خضع لنزعة دفاعية واضحة حيث تعين على فقهائنا ثم مفكرينا منذ عصر النهضة القيام بالمهمة الأولى في نفي العلاقة بين تخلفنا الحضاري، وبين إيماننا الإسلامي، وهي قضية كبرى استغرقت بحوثاً مطولة، وأنتجت تأملات على قدر متفاوت من الصواب. وعلى رغم ذلك فقد أخذت النزعة الدفاعية تلك طابعاً أكثر حدة بفعل انفجار ظاهرة التطرف المعاصرة، وما تلاها من إرهاب وحشي صار ينال من المجتمعات الأخرى بطول العقدين الأخيرين، بعد أن كانت المجتمعات العربية نفسها قد اكتوت به في العقود الثلاث الأخيرة من القرن الماضي. قادت النزعة الدفاعية، خطابنا الفكري، وفي شكل تدريجي، إلى نزعة أخرى (هروبية) للإفلات من ضغوط الواقع المهترئ، الذي انتهى إليه حال الأمة، وجعل منها منبعاً أساسياً للعنف في العالم، إذ طالما تم اللجوء إلى رحاب النص القرآني في حضوره الرائق، وشفافيته العالية للدفاع عن أنفسنا في مواجهة واقعنا، حيث طرحت القيم الجوهرية، التي تنطوي عليها الرؤية القرآنية للوجود، كالعدل والشورى وحرمة النفس الإنسانية، والتسامح مع أهل الملل والأعراق الأخرى، باعتبارها قيمنا «نحن» المعاصرين، قبل أن نستدير إلى الآخرين متسائلين: لماذا لا يفهمون ديننا؟ ألم يقرأوا هذه الآية الكريمة، وذاك الحديث الشريف.
 

وإذ نطرح هذه التساؤلات لا ندري كم شوهنا أنفسنا، وكيف أن الصورة التي نروجها عنا غير موجودة إلا في خيالنا الجمعي كمثال يلهمه نصنا المقدس، ولكنها غير متجسدة فينا ولا حاضرة في واقعنا، ومن ثم فإذا ما نظر الآخرون إلينا لن يجدوا منها شيئاً، ولن يصدقوننا، كونهم غير معنيين إلا بواقعنا المعيش ولا يعنيهم قط خطابنا عن أنفسنا أو بالأحرى «خطابنا نحن» عن الخطاب الأصلي (القرآن الكريم)، أو السنّة النبوية المشرفة، أو حتى ذكرياتنا عن التجربة التاريخية البعيدة، حيث كانت أنقى تجاربنا في العصر الراشد، وأمضى مواقف علمائنا وفقهائنا في العصر التالي لهم، أي عصر تدوين الثقافة العربية الكلاسيكية، وليس خطاباً عن واقع حقيقي حي لدينا، ممتد وفاعل فينا، قادر على التحكم بمصائرنا وتحقيق خلاصنا من واقعنا الفعلي، حيث تترسم معالم الاستبداد في مواجهة مثال الشورى، وتترسخ علامات الحرمان الاقتصادي والفقر والتهميش للغالبية من مواطنينا في مقابل مثالي العدل والمساواة اللذين يرسم النص ملامحهما، ويتجذر النزوع العدمي إلى العنف، وتنمو رغبة الانتقام من الآخرين، في تناقض تام مع مفهوم الرحمة، وملكة التسامح التي تسود في النص أجوائهما.
 

ولأن العقل الغربي واقعي دائماً، مادي أحياناً، فلن يرى في خطابنا الأصلي أكثر من يوتوبيا محلقة في فضاء الزمن موصولة بسحر الماضي، طالما لم يتجسد في الواقع المعيش، إذ لا يمكن لأي خطاب فكري/ ديني، مهما بلغ ذكاؤه تقديم مرتكبي إرهاب 11 أيلول (سبتمبر) في الولايات المتحدة، ولا متطرفي 7 كانون الثاني (يناير) في فرنسا باعتبارهم مجاهدين أحراراً كغاندي أو مانديلا ضد الاحتلال والعنصرية، ولن يكون أمامه غالباً إلا محاولة مستميتة لإبراز التمايز بينهم وبين المسلمين المعتدلين، أو بين ما قاموا به وما يقوم به الفلسطينيون من نضال وطني ضد إسرائيل التي سعت إلى اغتنام الحدثين في الإجهاز على قضيتهم، وذلك في نزعة دفاعية سلبية إزاء موقف معقد يسهل على المعادين لنا استغلاله في إهدار طاقتنا، ومن ثم فإن الرغبة الصادقة في النهوض لا بد أن تنطلق مباشرة نحو إصلاح مجتمعاتنا نفسها، فكراً وواقعاً، وليس خطاباً وسجالاً. وهنا يتعين علينا القيام بنقلتين فكريتين متلازمتين معاً: الأولى هي تجاوز مفهوم الخطاب إلى مفهوم الفكر/ العقل. وثانيهما العودة إلى نقطة الذروة الفكرية في مشروع النهضة العربية، حيث كان محمد عبده، بمثابة التتمة المنهجية لكل من سبقوه، داعياً إلى إصلاح الفكر الديني نهاية القرن التاسع عشر، على المنوال الذي نسج عليه مارتن لوثر في الفكر المسيحي الغربي مطلع القرن السادس عشر. سعى المصلح البروتستانتي إلى تحرير المسيحي من سلطة الكنيسة، ومن هيمنة أعمال وكتابات كبار باباواتها وقديسيها، مؤكداً محورية الإنجيل وإتاحة قراءته لكل مسيحي، كفرد حر، خصوصاً بعد أن قام بترجمته من اللاتينية إلى الألمانية. أما الإمام المسلم فقد طمح إلى تجديد رسالة التوحيد نفسها، إذ رأى في النص القرآني معاني ثورية لمفهوم الألوهية، ومغزى الإنسانية، كانت طُمست تحت وطأة تراث الاستبداد والقهر والخرافة، يكفي استدعاؤها لتوفير ممكنات أصيلة للاستنارة والحرية، حيث تستحيل العبودية لله طاقة تحرر (وجودية)، تدعم جهود المسلم في مواجهة السياقات المجتمعية والسياسية التي طالما أمعنت في التسلط على عقله وإرادته بسلطة النص التراثي، والتي تشكلت بمساعدتها، جل هياكل القهر التي سطرت تاريخنا المديد. هنا تثور إشكالية العلاقة بين العقل والنص، حيث خلص الإمام مؤكداً أن النص لا يمكنه أن يتناقض مع العقل، فإذا ما تبدى تناقضاً كان بالضرورة (ظاهرياً)، يفرض تحكيم العقل فيه، ليس لأن ثمة خطأ في النص ولكن لأن فهمه استغلق على الذهن، ومن ثم وجب التأويل بحسب قواعد اللغة العربية، حتى لا نقع في آفة التلوين. وهكذا لا تبدو مركزية العقل استعلاء على النص أو رفضاً له، بل وسيلة فهم يتم من خلالها تجاوز ظاهره إلى باطنه، والولوج إلى قلب الحكمة منه.
 

أزعم هنا أن مقولات محمد عبده كانت أكثر عمقاً وجذرية من مارتن لوثر، على رغم أن النتيجة النهائية تمثلت في استمرارية وإثمار دعوة الإصلاح لدى لوثر، وانتكاسها لدى محمد عبده، وهو ما نرجعه إلى طبيعة السياقات التاريخية المختلفة بين الثقافتين من ناحية، وإلى حقيقة أهم وهي أن لوثر لم ينتصر إلا بمن جاؤوا بعده ليكملوا مسيرته، فأحلام الإصلاحيين الأوروبيين بدأت بمجرد الرغبة في قهر الباباوية، لكن تلك الرغبة نفسها أنتجت دولاً قومية وولدت علمانية سياسية، قبل أن تفضي إلى تنوير روحي أحياناً ومادي أحياناً أخرى، بفعل ديناميكية السياق التاريخي الأوروبي الحاضن لدعوة لوثر، بينما أدى الجمود المهيمن على السياق التاريخي العربي إلى هزيمة مشروع محمد عبده، وذلك عبر حلقتين متتابعتين: في الأولى أعاد محمد رشيد رضا تأويل الإمام على نحو سلفي قضى على جرعته العقلانية ومبدأه (التنويري) القائل بأولوية العقل على النص. وفي الثانية قام حسن البنا، تلميذ رضا، بتحويل سلفيته العلمية إلى حركية، بإنشاء جماعة دينية تصورها تربوية، أو روج لكونها كذلك، وهي إما سياسية منذ المبتدأ أو أنها استحالت كذلك بحسب طبيعة الأشياء، كونها جماعة مغلقة تقوم على تمييز نفسها في مواجهة الآخرين، ومن ثم على ثنائية (الذات ـ العالم)، حيث تتبلور هوية الجماعة في مواجهة الآخرين من عموم المصريين/ المسلمين، بحسب المنطق الأرسطي، المحكوم بمبدأ عدم التناقض الذاتي، فما دمت أنا أنا، وما دمت أنت أنت، فلن يكون أنا هو أنت، أو تكون أنت هو أنا، فأنا أنا في مواجهتك، وأنت كذلك في مواجهتي. ولعل هذا هو سر اغتراب الجماعة، وتطرف ما انبثق منها، فكرياً وليس بالضرورة تنظيمياً، من حركات بدأت بحزب التحرير ولن تنتهي بـ»داعش»، على ما بين الأصل الأول، والفرع الأخير من تناقضات، فالظاهرة واحدة ولكنها في مراحل مختلفة من دورة حياتها، مثل طفل رضيع يقف بجانب صبي يافع، ورجل قوي، وشيخ طاعن... إنه الإنسان نفسه، في مراحل عمره المختلفة، منطوياً على سر الإنسانية المتمدد داخله. وكذلك تلك الجماعات، إذ ينطوي جميعها على سر العنف، كامناً في تصورها لإمكانية أن ينزل المقدس إلى الأرض، ليشرف بنفسه على حركة اليومي والمباشر، وأن يظل في الوقت نفسه، مقدساً، لا يختلط بالدنيوي. وهكذا ينمو لديها شعور زائف بالطهرانية، يغذي نزعتها الإقصائية، حفاظاً على هوية ذاتية متسامية لا تذوب في الجمع المدنس المحيط بها، وقد أدى هذا الشعور، وما انبثق منه من عنف وتطرف إلى إفشال المشروع العربي للإصلاح الديني، وانفجار الأصولية الإسلامية، السنية والشيعية، في عراك عبثي، بعضه مذهبي وطائفي، للسيطرة على مجتمعاتنا ودولنا التي كانت، أو لعلنا تصورناها، دولاً حديثة ومجتمعات متمدينة.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان