رئيس التحرير: عادل صبري 01:36 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

الدولة والطائفة ... وأوهام التعايش!

الدولة والطائفة ... وأوهام التعايش!

مقالات مختارة

مسفر بن علي القحطاني

الدولة والطائفة ... وأوهام التعايش!

مسفر بن علي القحطاني 16 مايو 2015 12:47

الطوائف في عالمنا العربي والإسلامي واقع موجود، والطائفة هي الأقلية العددية وسط أكثرية مختلفة وفق اعتبارات متعددة، ووفق مراد الدكتور طه جابر العلواني (انظر مقاله: الانقسامات الطائفية وآثارها المستقبلية، صحيفة «الوسط» 3066) فإن مفهوم الطائفة مشتق من جذر متحرك فهو مأخوذ من (طاف، يطوف، طواف، فهو طائف)

 

فالبناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون أن ينفصل عنه، بل يتحرك في إطاره وربما لمصلحته لقوله تعالى: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون» (سورة التوبة 122). فالمفهوم في حد ذاته يتضمن فكرة الأقلية العددية المتحركة في إطار الكل، المشدودة إليه، بغض النظر عن دينها أو عرقها أو لغتها، لذلك ظل المفهوم يُستخدم ليشير إلى كيانات مختلفة في خصائصها، والقاسم المشترك بينها هو القلة العددية، واليوم ينحصر مفهوم الطائفية في الأقليات الدينية كالشيعة والعلويين والدروز والإسماعيلية والزيدية والإباضية، باعتبار وجودهم العددي القليل وسط أكثرية سنّية في معظم العالم الإسلامي، ومنذ عشر سنوات وبعد الاحتلال الأميركي العراق والفتنة الطائفية تعود بزخم أكبر في الساحة العربية والإسلامية، خصوصاً بين السنّة والشيعة، وفي هذا المقال سأسلط الضوء على الطائفة الشيعية في ظل الدولة المعاصرة التي ينتمي أفرادها إلى جنسيتها القومية وهويتها الوطنية، متسائلاً: هل بينهما وفاق وتعايش أم صدام وتنافس؟ ولماذا ظهر الوجه الطائفي في غالبية الصراعات والحروب في منطقتنا العربية الإسلامية؟ وهل الاصطفاف الطائفي اليوم حقيقة أم مبالغات إعلامية للتوظيف الأيديولوجي والسياسي؟ والسؤال الأهم: ما هو مستقبل هذه الصراعات على الدول والشعوب في المنطقة؟

أجزم بأن هذه التساؤلات وغيرها، هي ما يثور في ذهن كثرٍ من المتابعين، وربما بين أبناء السنّة والشيعة، ولا تمكن دراسة هذه الصراعات الطائفية بعيداً من مؤثرات كثيرة ومعطيات مؤثرة، سياسية وتاريخية وخارجية، أما الاقتصار على الخلاف الديني فقط، فقد يسطّح الظاهرة وينقلها إلى الماضي الذي لا يمكن إنكاره والحاضر الذي لا يمكن تغييره، ومحاولات التقريب الديني بين الطوائف والتي استمرت أكثر من عقدين من الزمان تلاشت تماماً أمام واقع الصدام السياسي، وانكشفت قيم التقارب في اختبار أول أجراه السياسي على الواقع، وبما أن أقنعة كثيرة سقطت في تلك المواجهات وبمختلف الأصعدة سأعلق على هذه القضية في نقاط موجزة:
 

أولاً: هناك تداخل واضح منذ أكثر من ثلاثة عقود بين السياسي والديني في الطائفة الشيعية، بخاصة بعد الثورة الإيرانية 1979، كما أن الخلط وقع بين ما محله الثابت القطعي من العقيدة وبين ما هو متغير نفعي من السياسة، وبين ما فيه انتماء طبيعي للأمة الجامعة وبين ما هو انتماء فئوي يدور في فلك الطائفة، وهذا الخلط قد يكون نافراً مذموماً وفق المنهجية المعرفية التي تحلل وتقارن وفق معايير الموضوعية، وأيضاً قد يصبح هذا الخلط النافر سائغاً مقبولاً لدرجة التقديس إذا كان المخاطَب مشحوناً بفكرة العداء الحقيقي أو المتوهم، أو مشحوناً بالعاطفة الدينية المرتكزة على تقديس الأشخاص وصناعة الرموز ووضع الهالة الربانية عليهم بما يحرم ويمنع العقل الطائفي من نقد الخطاب أو مراجعة الخلل أو عقلنة الأساطير المحشوة في الذهنية العامة للأتباع، ولا يعني عدم وجود أصوات ناقدة وفاحصة لهذا الخلط السياسي الديني، فالساحة الشيعية لا تخلو منهم إلا أنهم يعانون من التهميش أو التحريض عليهم.
 

ثانياً: على مرّ التاريخ وحلم الدولة هدف تسعى إليه الطائفة الشيعية، ربما لأن الولاية والإمامة جزءان رئيسيان في المعتقد الشيعي، والمحاولات السياسية للوصول إلى حكم شيعي في المناطق السنّيّة لم تحقق سيادة إسلامية بالمفهوم العام الذي يتعايش فيه السنّة أصحاب الأكثرية مع السلطة الشيعية ذات الأقلية العددية، بل كانت الحال صداماً طائفياً شرساً الأصل فيه تصفية أتباع المذهب المخالف، ثم يحصل بعد عقود من الزمن انقلاب سنّي يعيد السلطة إلى بيته وينتقم من خصومه، والعامل السياسي التوسعي إذا اختفى من العقل الجمعي الطائفي فإن حالة من الاستقرار والتواصل، بل والتزاوج تعمّ المجتمع السنّي والشيعي، يقول الدكتور محمد المختار الشنقيطي: «وجدتُ بالاستقراء التاريخي أن التواصل العلمي والاجتماعي والسياسي بين السنّة والشيعة ظل سائداً في جُلِّ مراحل التاريخ الإسلامي. وإنما سادت القطيعة بين الطائفتين في أربعة سياقات محدودة هي:
 

- الصراع بين المالكية والإسماعيلية خلال الحكم الفاطمي لتونس الذي دام بضعة عقود.
 

- المناوشات الحنبلية - الشيعية في بغداد تحت الحكم البويهي (1045 - 1055).
 

- صراع النفوذ بين العثمانيين والصفويين ابتداء من معركة جاليدران عام 1514.
 

- الصراع على ضفتي الخليج منذ الثورة الإيرانية عام 1979، وهو الذي نعيشه اليوم». (انظر مقال: السنّة والشيعة بين التواصل والقطيعة للدكتور محمد المختار الشنقيطي، موقع الجزيرة نت)

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2014/41/

وأعتقد أن مجالات الصراع أكثر من ذلك فالوقائع التي تحكيها كتب التاريخ تذكر تجدد الاشتباكات كلما حانت مواسم العزاء والحزن المؤدلج في عاشوراء، ويتم توظيف هذه الحادثة التاريخية سنوياً كمُلهم للمفاصلة والانتقام، واختيار الإمام الحسين رضي الله عنه فيه دقّة ودهاء ليكون جذوة المطالبة بالسلطة التي سلبها بني أمية من آل البيت والاتكاء على هذا الأنموذج التاريخي فقط دون تاريخ بقية آل البيت بما فيه من تسامح ومشاركة.
 

ثالثاً: تصبح الطائفة في خطر وجودي حقيقي عندما تُعرض في مزاد الحصول على مغانم عاجلة يسعى في اغتنامها السياسي بنظرته المتعجلة ونفعيته المتحولة، وقد يمارس هذا النوع من الرهان الوجودي رجال الدين بخطابهم وصورتهم الدينية المؤثرة، وكم من الحالات التي يتخلى فيها الديني والسياسي عن التزاماتهما تجاه الطائفة بسبب مقتضيات اللعبة، وتتكرر الحوادث وتلدغ الجموع مرات عدة دون أن تقف الطائفة بحزم وتوقف العبث بمصيرها، وأحياناً تخرج الطائفة بنتائج كارثية جعلتها تصطدم بهويتها الوطنية أو تقبع في خنادق حفرتها من دون أن تشعر وجعلتها في مواجهة مع المكونات الدينية الأخرى في المجتمع، وقد تُخوّن بلا ذنب اقترفته سوى وقوعها ضحية المتلاعبين بمصيرها لأجل أوهام الغطرسة والتوسع العسكري والسياسي، والطائفة الشيعية في العراق ولبنان واليمن والخليج على سبيل المثل، مرّت بهذه المآزق عندما جعلت وجودها رهين مصالح إيران الداخلية والخارجية.
 

رابعاً: يمكن أن تستقل الطائفة وتعرف خريطة الطريق الصالحة لها، عندما تتنوع قياداتها، وتتعدد الرؤى المقررة لمستقبلها، بحيث يُعاد الاعتبار للمثقف والأكاديمي والأديب ورجل الأعمال والسياسة، من دون أن تُختزل كلها في رجل الدين الطائفي حتى لو ظهر في زي الأفندي أو الفنان، وهذا الانتزاع لشخصية المرجع أو (الملا) الذي اختلط في مفاصل الطائفة وفي كل مكوناتها المدنية يحتاج إلى معالجات عقدية وفكرية تجابه الأيديولوجيا الطائفية الاستحواذية التي تعمقت في أوقاتٍ عاشت فيها الطائفة مرحلة قمع أو اهتزاز، وعلى شباب الطائفة واجب التصحيح لأخطاء الماضي والتفكير النقدي لأوضاع الحاضر لأجل مستقبل واعد للأجيال المقبلة ينعمون فيه بالأمن والاستقرار والعيش المشترك.
 

أعتقد أن الطائفة الشيعية تستطيع أن تمارس تأثيراً أكبر في المجالات المعرفية والشراكة الأممية مع المسلمين، إذا ابتعدت عن التوظيف الإيراني للعقيدة الشيعية واستغلال آل البيت في التبشير المذهبي الذي لا تهمه المساعدة التنموية ولا بناء الحاجات الإغاثية، إنما هدفه الخفي والحقيقي تكوين بؤر سياسية تساهم في نشر المذهب بالطريقة الإيرانية لفتح ثغرات للنفوذ السياسي، ومن ثمَّ اللعب على الورقة الحقوقية لتوسيع الهيمنة الإيرانية في المجتمعات الإسلامية، وهذا ما جعل دولاً كالمغرب وماليزيا والسودان ترفض هذا النوع من الاستغلال وتطرد كل المكاتب الإيرانية بواجهاتها الثقافية المزعومة.
 

وفي الختام، يعلمنا التاريخ بأحداثه وسُننه أن الصراع الطائفي لن يخرج أحداً منتصراً في النهاية، والبواعث الإقصائية العقدية لن تكون سبباً للسلام والاستقرار في يوم ما، بل هي الوقود المتفجر الذي لن يهدأ إلا بإقرار الدولة الراعية الجميع والدين التوحيدي المتفق عليه، وفي حرب الثلاثين عاماً في أوروبا مثل واضح للدمار الذي تخلفه هذه الصراعات الطائفية، فقد اشتعلت الحرب في الفترة من 1618 - 1648م، وخسرت أوروبا الملايين من سكانها وداهمها الفقر والمجاعة، ويذكر بعض المؤرخين أن بعض المناطق في ألمانيا فقدت نصف سكانها بسبب الحرب الكارثية (انظر: كتاب حرب الثلاثين عاماً للمؤرخة البريطانية سيسلي فيرونيكا ويدغود، الناشر نيويورك - ريفيو أوف بوكس 2006). وما يحدث اليوم في المنطقة العربية شبيه بتلك الحرب الأوروبية وما دامت إيران تمارس هذا المنطق السياسي والحلم التوسعي، فإن أمد الحروب ربما لن يقف إلا على دمار لا نصر فيه، كما أن القارئ لتاريخ ملوك الطوائف يعلم أن الفرقة والتعادي على أساس المغانم الشخصية للملوك والأطماع التوسعية للدول لن يكون سبباً في القوة ولن يكون هناك غالب إلا ذاك المنتظر خلف الحدود والمبتسم دوماً لكل نزاع، والمستعد للقدوم بعد سنوات الفوضى والإنهاك ليعيد التقسيم ويغير خرائط البلاد وعقائد العباد ويستحوذ من جديد وبتصفيق الجميع!

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان