رئيس التحرير: عادل صبري 10:31 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

محاولات إسرائيلية خبيثة لطمس الصراع العربي - الصهيوني

محاولات إسرائيلية خبيثة لطمس الصراع العربي - الصهيوني

مقالات مختارة

بشير عبدالفتاح

محاولات إسرائيلية خبيثة لطمس الصراع العربي - الصهيوني

بشير عبدالفتاح 16 مايو 2015 12:39

طوال ما يربو على نصف قرن، لم يتسنَّ للمؤامرات ولا حتى التحولات والمنعطفات الاستراتيجية التي اعترت قواعد اللعبة الصراعية في إقليم الشرق الأوسط، النّيل من حالة الإجماع العربي في شأن وضع إسرائيل في المنطقة. غير أنه بمرور الوقت، وعلى وقع الهزات الارتدادية العنيفة لانهيار ما كان يعرف بالنظام الإقليمي العربي إن بسبب غزو العراق الكويت عام 1990، أو بجريرة الاحتلال الأنغلو - أميركي لبغداد عام 2003، بدأت المحاولات والمخططات الإسرائيلية والغربية الممنهجة لخلط الأوراق وإعادة هيكلة الحسابات الاستراتيجية وتحريك بوصلة اتجاهات العلاقات الإقليمية في المنطقة، توطئةً لتغيير الشكل التقليدي لمعادلات الصراع والتعاون بين دولها مجتمعة، تأخذ زخماً غير مسبوق.

 

وبفضل ما طواه بين ثناياه من تداعيات استراتيجية خطيرة على الدولة الوطنية العربية كما على منظومة العلاقات الإقليمية، كلل الحراك الثوري العربي مطلع عام 2011 المساعي والجهود الإسرائيلية والأميركية بهذا الصدد، فقد بدأت تلوح في الأفق إرهاصات لمعطيات استراتيجية شتى يثير موقع إسرائيل منها جدلاً حامي الوطيس في الأوساط العربية، على خلفية وجود تلاقٍ إسرائيلي استراتيجي مع قطاع واسع من الدول العربية في شأن آليات التعامل معها، على رغم اختلاف المقاصد والدوافع. بيد أننا سنركز فقط في هذا المقام على معطيين بارزين ومترابطين، يتمثل أولهما في الموقف من الأزمة السورية ونظام بشار الأسد، فقد تلاقت - من غير قصد - رغبة عددٍ كبيرٍ من الدول العربية في إطاحة نظام بشار الأسد بعد اندلاع انتفاضة الشعب السوري ضده عام 2011، وإمعانه في استخدام أقسى صور القتل والتدمير لقمع تلك الانتفاضة، بدعم من حليفه الإيراني، من دون وازع من ضمير أو أدنى مسؤولية سياسية أو أخلاقية، مع مساعي إسرائيل الخبيثة لتقويض قدرات الدولة السورية التي ما زالت تشكل من وجهة النظر الإسرائيلية خصماً إقليمياً عنيداً لتل أبيب وحليفاً استراتيجياً مهماً لإيران.

عمدت تل أبيب إلى انتهاز الفرصة الذهبية الراهنة من حيث أجواء الفوضى التي تلقي بظلالها على سورية وعجز الأسد عن بسط سيطرته على مجمل ربوع البلاد، من أجل الإجهاز على المقدّرات الاستراتيجية والعسكرية للدولة السورية بما يقوض قدرتها على الدخول في أي مواجهة عسكرية ضد إسرائيل مستقبلاً، سواء بقي نظام الأسد أو ولّى، فضلاً عن الحيلولة دون انتقال أي أسلحة كيماوية أو تقليدية متطوّرة من الجيش السوريّ إلى «حزب الله» في لبنان أو سورية أو إلى أي من المجموعات المسلّحة الأخرى داخل سورية، إذ حددت إسرائيل خطاً أحمر في شأن نقل منظومات أسلحة متطوّرة «قد تخل بميزان القوى» بينها وبين «حزب الله»، بما يعزز قدرة الأخير على إلحاق أذى جدي بإسرائيل نتيجة حصوله عليها، وهو الخط الذي إذا تعداه النظام السوري، فإن إسرائيل ستتدخل عسكرياً في سورية.

وحددت إسرائيل أربع منظومات تسلّح تعتبرها مخلّة بميزان القوى تشمل: الأسلحة الكيماوية، صواريخ روسيّة الصنع متطوّرة مضادّة للطائرات من طراز SA 17 وأخرى برّية - بحريّة من نوع «يخونت»، فضلاً عن صواريخ إيرانيّة الصنع أرض - أرض بعيدة المدى متطوّرة ودقيقة الإصابة من نوع «فاتح 110»، وصواريخ M 600 السوريّة الصنع التي تحمل كما صواريخ «فاتح 110»، رأساً تفجيرياً يزن نصفَ طن، ويبلغ مداها 300 كيلومتر وتتميّز بدقة عالية في إصابة الهدف.

وتوخياً لبلوغ غاياتها تلك، أقدمت إسرائيل على استهداف مستودعات السلاح والذخيرة ومواقع تمركز قوات الحرس الثوري الإيراني و «حزب الله» التي تقاتل إلى جانب الأسد. ولم تتورع المقاتلات الإسرائيلية خلال الأعوام الأخيرة عن شن غارات عدة ضد مواقع عسكرية سورية، لتدمير أسلحة، ادعت أن الأسد كان يعتزم تسليمها إلى «حزب الله». فقبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، قصفت مقاتلات إسرائيلية موقع «عين الصاحب» أواخر عام 2003، ثم دمرت المنشأة النوويّة قرب دير الزور في عام 2007، واغتال «موساد» العميد محمد سليمان مساعد الرئيس السوريّ في طرطوس عام 2008، ومن بعده عماد مغنية القائد البارز في «حزب الله» في قلب دمشق في العام نفسه.

وبعد الثورة، وتحديداً في كانون الثاني (يناير) 2013، قصفت مقاتلات إسرائيلية قافلة ادعت تل أبيب أنها حملت منظومة صواريخ روسية الصنع متطورة مضادة للطائرات من نوع SA 17، كانت في طريقها إلى «حزب الله» في لبنان. وفي الثالث من أيار (مايو) 2013، قصفت طائرات إسرائيلية شحنة من صواريخ أرض - أرض إيرانيّة الصنع من نوع «فاتح 110»، ادّعت إسرائيل أنّها وصلت إلى مطار دمشق وأنه كان يجرى الإعداد لإرسالها إلى «حزب الله» أيضاً. وبعد ذلك بأقل من 48 ساعة عادت المقاتلات الإسرائيلية وشنّت هجوماً واسعاً وغير مسبوق، استخدمت خلاله صواريخَ وقنابلَ ذات قدرة على اختراق الملاجئ المحصّنة في باطن الأرض، لتدمير صواريخ «فاتح 110» قبل نقلها إلى «حزب الله» في لبنان، علاوة على مخازن صواريخ سورية أخرى كانت مخبأة في باطن الأرض في جبل قاسيون، إضافة إلى مخازن للوقود.

وفي 7 كانون الأول (ديسمبر) 2015، استهدفت طائرات إسرائيلية منطقتين في الديماس وقرب مطار دمشق الدولي، كما استهدفت بغارة جوية يوم 18 كانون الثاني الماضي، موقعاً في مزرعة الأمل في محافظة القنيطرة جنوب غربي سورية، ما أدى إلى مقتل ستة من عناصر «حزب الله» اللبناني بينهم قياديون، وعناصر من الحرس الثوري الإيراني. وقبل أيام قليلة، قصفت مقاتلات إسرائيلية مواقع لقوات النظام السوري و «حزب الله» في منطقة القلمون بريف دمشق على الحدود بين سورية ولبنان وسط مدينة القطيفة ومحيط مدينتي يبرود وقارة، واستهدفت اللواءين 155 و165 اللذين يملكان أسلحة استراتيجية من بينها صواريخ بعيدة المدى.

 

المسألة الإيرانية

أما المعطى الثاني، فتجلى في المسألة الإيرانية التي مهد البحث عن أدوات ناجعة للتعامل معها السبيل مجدداً لتلاقٍ ظرفي واضطراري للمصالح العربية والإسرائيلية نتيجة ما قد تنطوي عليه الطموحات التسليحية والتطلعات الاستراتيجية الإقليمية المتنامية لطهران من تهديدات للأمنين العربي والإسرائيلي على السواء، في ظل غياب إطار للتفاهم أو جسور الثقة ما بين طهران والعرب. فما إن أتاح التغاضي الغربي والإسرائيلي المتعمّد عن تطور برنامج إيران النووي خلال العقدين الماضيين، بلوغ ذلك البرنامج مستويات مقلقة من التقدم التقني نحو امتلاك قنبلة ذرية، حتى انتفضت تل أبيب وواشنطن تفزعان العالم قاطبة والعرب بخاصة من الأخطار والتهديدات التي ينطوي عليها ذلك التقدم، خصوصاً بعدما تزامن مع اندفاع طهران باتجاه تعزيز نفوذها الاستراتيجي وتموضعها العسكري في عددٍ من العواصم العربية التي تشكل عمقاً حضارياً كما تمثل حواضر استراتيجية حيوية بالنسبة إلى الأمن القومي العربي.

واستغلّت إسرائيل ما اصطلح على تسميته «التهديد الإيراني»، بغية تعزيز الجهود الإسرائيلية الحثيثة والمزمنة لاصطياد عصفورين بحجرٍ واحد، أي تقويض مشاريع إيران التسلّحية الطموحة، وإزالة بعض الحواجز التاريخية بين الإسرائيليين والعرب في الوقت نفسه، فكان ترويج الإشاعات عن لقاءات سرية بين مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين بنظراء لهم عرب في أوروبا وأميركا للبحث في تفاهمات في شأن مواجهة التطلعات التوسعية الإيرانية.

وبالتوازي، لاحت في الأفق تحركات إسرائيلية وأميركية نشطة لتهيئة الأجواء من أجل إبدال أي صراع محتمل بين العرب والمسلمين السنّة من جهة وإيران والمسلمين الشيعة من جهة أخرى، بالصراع الاجتماعي الوجودي الممتد والقائم بالفعل بين العرب والصهيونية. ومن ثم لم تكف دوائر غربية وإسرائيلية عن تسويق طروحات تفيد بأن ما كان يعرف بالصراع العربي – الإسرائيلي بدأ يتلاشى أمام انبعاث الصراع العربي - الإيراني، أو العربي- الفارسي، أو السنّي - الشيعي.

ومع اندلاع «عاصفة الحزم» ضد معاقل الانقلابيين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي صالح في اليمن، بدت جلية نبرة إثنية ومذهبية ضمن خطاب ديني وسياسي تحريضي عند الحديث عن العلاقات العربية - الإيرانية، فراج كلام عن صدام عربي – إيراني، أو مواجهة سنّية – شيعية.

وتفاقمت المخاوف العربية على وقع تزامن توصل الغرب ودول السداسية الدولية إلى «تفاهم تاريخي» كما وصفه الرئيس الأميركي باراك أوباما، أو اتفاق إطار مبدئي حول برنامج إيران النووي مساء الثاني من نيسان (أبريل)، مع دعم طهران الانقلابَ الحوثي على الشرعية في اليمن، وإرسالها قطعاً حربية إلى خليج عدن. وواكبت ذلك تصريحات مستفزة لمسؤولين إيرانيين من قبيل: «صرنا سلاطين الخليج»، و«طهران صارت تتحكم في أربع عواصم عربية هي: بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء»، و «بغداد عادت لتكون عاصمة الإمبراطورية الفارسية»، و«الإمبراطورية الساسانية وعاصمتها المدائن ستعود».

وبينما بدأ تطييف الصراع الإقليمي يتخذ بعداً دولياً بعدما أثير الملف الطائفي في الشرق الأوسط داخل مجلس الأمن الدولي الذي عقد جلسة على المستوى الوزاري مطلع العام ترأسها وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس للبحث في حقوق الأقليات في الشرق الأوسط وسبل حمايتها، مؤكداً مسؤولية المجلس في هذا الخصوص، تعززت مخاوف دول عربية من أن يأتي التقارب الأميركي الإيراني على حساب مصالحها، واستندت المخاوف تلك إلى مساعي أوباما لاسترضاء إيران بطرق شتى، أبرزها غض الطرف عن تغلغل النفوذ الإيراني في دول عربية بغية تعبيد الطريق لإبرام اتفاق نووي مع طهران يضع نهاية لأزمتها النووية، علاوة على توظيف الدور الإقليمي الإيراني المتصاعد في إطار استراتيجية أوباما الرامية إلى إعادة التموضع الاستراتيجي الأميركي من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا لمواجهة الصين وروسيا، على أن تعتمد واشنطن على طهران من بين وكلاء لها يضطلعون بدور الشرطي في المنطقة عقب إتمام عملية إعادة التموضع. ولا ننسى أن أوباما لم يتورع عن التصريح ذات مرة بأنه «يمكن إيران أن تكون قوة إقليمية متعاونة وناجحة جداً».

 

 

* كاتب مصري

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان