رئيس التحرير: عادل صبري 12:39 مساءً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

النهوض في ظروف صعبة: اليابان في تجربتها الثالثة

النهوض في ظروف صعبة: اليابان في تجربتها الثالثة

جميل مطر 14 مايو 2015 11:17

تعددت أخيراً الزيارات الآسيوية إلى واشنطن. ففي خلال بضعة شهور زار العاصمة الأميركية رئيس وزراء الهند نارندرا مودي والرئيس الأفغاني أشرف غاني ورئيس وزراء اليابان شينزو آبي. ويتوقع المسؤولون الأميركيون زواراً آخرين من هذه المنطقة خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي. ليست مصادفة أن يهتم المسؤولون الآسيويون بالولايات المتحدة في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل تطور السياسة الخارجية الأميركية خصوصاً، وتطور السياسة الدولية عموماً.

أستطيع، من موقعي في عاصمة من عواصم الشرق الأوسط، أن أفهم ربما أكثر من شخص آخر له التجارب والخبرة نفسها، ولكن يعيش في منطقة أخرى خارج هذا الإقليم دوافع هذه الزيارات وخلفيات تطورات أخرى عدة. يزداد اقتناعي بفكرة صارت كثيفة التداول تقول إنه مع كل توتر جديد وحرب جديدة وصراع جديد في الشرق الأوسط، صارت تفاجئنا الدول الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة، بإجراءات وسياسات تعكس رغبتها في تأكيد عزمها على الرحيل من هذا الإقليم قبل فوات الأوان. أكاد أرى بالوضوح الممكن الولايات المتحدة وهي تستعجل الخطوات كافة التي يمكن أن تحقق لها الانتقال، بأقل كلفة وخسائر وعدم استقرار، من الاهتمام بالشرق الأوسط في السياسة الخارجية إلى الاهتمام بإقليم شرق آسيا «الأوسع»، أي المتمدد قليلاً نحو جنوب الشرق، حيث توجد دول شبه جزيرة الهند الصينية، وقليلاً نحو غرب الشرق، أي حيث توجد أفغانستان وباكستان وبعض دول وسط آسيا.

يشهد على ما أقول هذا النشاط الكبير في مختلف أجهزة إدارة الرئيس باراك أوباما من أجل التوصل بسرعة كافية إلى اتفاق مع الدول الواقعة على شواطئ المحيط الهادي، في ما صار يعرف باتفاق «الشراكة عبر الباسفيكي». لقد اكتشف المسؤولون الأميركيون أن فكرة «التحول» نحو آسيا التي أطلقها أوباما لن تصبح حقيقة واقعة إلا إذا أفلحت أميركا في غرس الاقتناع لدى النخب الحاكمة في دول الشرق الأوسط والصين وروسيا تحديداً بأهمية هذه الفكرة وجدواها والطاقة المساندة لتنفيذها. فمن ناحية كان لا بد من أن يؤكد لكل دول العالم، خصوصاً لحلفائه في العالم العربي ولقادة أوروبا الغربية، أن أميركا لن تتورط في عهده والعهود المقبلة في صراع شرق أوسطي أياً كانت أطرافه وأبعاده وعقائده. لن يكون طرفاً فاعلاً بقوة في حرب ضد عصابات وجماعات إرهابية غير معروف أصلها ولا أهدافها ولا مصادر تمويلها، وسيبقي كما بدأ، مجرد طوق مساند لقوى إقليمية تتولى بنفسها إدارة حروب الإقليم. يبدو في شبه المؤكد أن أميركا بدأت بالفعل رحلة النزوح من الشرق الأوسط، ولا تنوي أن تسمح لأي ظرف أو تطور إقليمي بالتدخل لتعطيل ترتيبات الرحلة أو بمحاولة فرض واقع ضرورة يمنعها من مواصلة النزوح نحو شرق آسيا.

من ناحية أخرى، شعرت واشنطن بأنه قد يكون واجباً عليها إرسال رسائل ملموسة إلى حكومات وشعوب شرق آسيا تؤكد فيها النية أو الأمل في إقامة أعظم «حلف» تنموي واقتصادي لا يقل في أهميته ودوره عن حلف «الناتو» الذي أقامته فور الانتهاء من الحرب العالمية الثانية. حلف يتفوق بإمكاناته وقراراته ومنافعه على أي تجمع اقتصادي - سياسي آخر في العالم. غير خافٍ أن السرعة صارت عنصراً ضاغطاً ليس فقط لأن علامات قلق عدة ومتنوعة ومتزايدة تخيم الآن على أجواء الكثير من دول جنوب شرق آسيا والعلاقات بينها. بل أيضاً لأن سياسات جديدة تنتهجها حكومة بكين تعبّر عن حال تعبئة استعداداً لمواجهة أي حصار يفرضه النفوذ الأميركي المتصاعد في الإقليم، والمتوقع أن يتضاعف بانتقال اهتمام أميركا وتركيزها إلى شرق آسيا. لم تعد الصين تخفي حقيقة أن نهوضها يفرض عليها الانتباه أكثر من أي وقت مضي إلى أمن حدودها وسلامة طرق تجارتها، ويفرض أيضاً ضرورة أن تنشط حكومة بكين في الترويج لمبادئ في الحكم والتنمية والنهوض عموماً كانت في الأصل صينية المنطلق والهدف، قبل أن تصبح نموذجاً يحتذى، أو على الأقل، نموذجاً يستحق الدراسة.

لم يكن هذا النموذج في الحكم وإدارة الاقتصاد والمجتمع يثير قلق الغرب، اقتناعاً من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين بأن نمط النمو الرأسمالي الليبرالي ما زال الخط المأمول انتشاره في المستقبل، خصوصاً في آسيا. ثم اتضح في السنوات الماضية أن النمط الصيني في التنمية، أي نمط رأسمالية الدولة، هو الذي يحظى بشعبية كبيرة بين النخب الحاكمة في كثير من الدول النامية. بمعنى آخر، صار للصين الصاعدة رصيد إضافي حين قررت القيادة السياسية الصينية تحويل هذا الإعجاب بالنمط الصيني ليصبح رسالة أو ايديولوجية «عالمية» التوجه تساعدها في بناء قاعدة نفوذ في الخارج ربما أشد صلابة وقوة من قاعدة نفوذ تقوم على التجارة والمشاريع المشتركة.

من ناحية ثالثة، بات واضحاً وصريحاً أن اليابان، النقيض التاريخي للصين، تقف عند مفترق طرق. لقد أدرك اليابانيون أخيراً أن أزمتهم الاقتصادية مرشحة للاستمرار فترة أطول لأسباب جوهرية. أهم هذه الأسباب شيخوخة الشعب الياباني، والنقص الشديد في أعداد القوى البشرية المنتجة، والنزوح الكبير عبر السنين للشركات اليابانية العملاقة نحو العمل في دول آسيوية أخرى عمالتها أرخص وأسواقها أكبر. كذلك، وكما أدرك بعض مفكري الولايات المتحدة، يبدو أن اليابان، تحت ضغط إلحاح الأزمة الاقتصادية وبطء الإصلاح وبزوغ الصين بزوغاً تراه مستفزاً، لجأت إلى «تنشيط» المشاعر القومية الكامنة دائماً وبعمق لدى أهل اليابان ليقدموا التضحيات ويضاعفوا الجهود لاستعادة مكانة لائقة لبلدهم، كما أن كل الأطراف تأكدت من أن اليابان التي اشتهرت بسمعة الدولة الصناعية الغنية التي كانت تعد بتقديم المعونات بصوت خفيض، وإن نفذت وعودها فبكرم فياض. لكن هذه الدولة لم تعد قادرة على أن تنافس الصين في تقديم المعونات وإقامة مناطق نفوذ خارجية.

حاولت قوى ضغط أميركية إقناع اليابان بانتهاز فرصة زيارة رئيس وزرائها إلى الولايات المتحدة ليعلن على العالم اعتذار اليابان عما ارتكبته قواتها المسلحة من جرائم على امتداد سنوات عدة في النصف الأول من القرن الماضي. لكنه لم يعتذر، ليس فقط لأنه هو نفسه أحد قادة التيار القومي الصاعد في اليابان، وليس فقط لأن الأجواء الشعبية في بلاده معبأة من أجل إدخال تعديلات على الدستور الذي وضعته أميركا لها، تعديلات تعيد إلى الإمبراطور هيبته وإلى الإمبراطورية مكانتها، وليس فقط لأن قوى عدة في المجتمع الياباني ما زالت مؤمنة بأن حروب اليابان التي شنتها في القرن العشرين في عدد الدول الآسيوية كانت من أجل تحرير هذه الدول وشعوبها من الاستعمار الغربي، لكن أيضاً لسبب مهم وجوهري وهو أن الولايات المتحدة لن تكون من الآن فصاعداً الحليف العسكري الأقوى والحيوي لليابان في مواجهة قوى ودول صاعدة، ولن تكون كالعهد بها الدولة المهيمنة أو الدولة القابضة على توازن قوى آسيوية جديدة. أميركا ستكون مجرد طرف في هذا التوازن. لقد استفادت اليابان أيما استفادة من هيمنة أميركا المنفردة في منطقة شرق وجنوب آسيا، ولكنها الآن لا تستطيع أن تطمئن إلى أن أميركا ستكون قادرة أو حتى راغبة في استمرار تحمل مسؤولية الدفاع عن اليابان، ولعله الشعور نفسه الذي تشعر به دول عربية عدة هذه الأيام على ضوء الاتفاق المزمع التوصل إليه خلال أيام بين أميركا والغرب من ناحية وإيران من ناحية.

لن يكون نهوض اليابان مرة ثالثة مهمة سهلة. لقد نهضت اليابان نهضتها الكبرى منذ عهد الميجي بينما كانت الصين في شبه غيبوبة وتحت غمامة استعمارية بشعة. الآن اليابان تحاول النهوض من جديد بينما الصين دولة قوية ومتحفزة ورافضة نسيان الماضي.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان