رئيس التحرير: عادل صبري 10:35 مساءً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

حدود الوطن وحقوق المواطن

حدود الوطن وحقوق المواطن

ماجد الشّيخ 14 مايو 2015 11:12

في عصر الدويلات الطائفية المتذابحة، وميليشيات الوكلاء المتصاغرين، صار المواطن بحاجة إلى «كفيل»، لدى هذه الجهة أو تلك ممن تحكم وتتحكم بهذه الناحية أو تلك، لم يعد من وجود للمواطن أو للوطن، فانتفاء الوطن يعني انتفاء وجود المواطن، أو الاعتراف بحقوقه فيه، لم يعد الوطن كياناً جامعاً، بل لم يعد الوطن وطناً، صار في عرف التيارات الدينية المتنازعة هلام لا حدود له، يوتوبيا من الأوهام المرضية، التي تتعيش تحت ظلال الشيزوفرينيا، وفي قلب بارانويا التصورات والتهيؤات التي لا حدود لها، عن عالم بلا حدود، وعن دين وتدين بلا حدود، وعن سلطة استبدادية لا حدود لها، وعن رب وزع سلطانه على أشخاص معينين ومحددين، اختاروا لأنفسهم «الهداية» و»الولاية»، ووصموا أنفسهم بكونهم «الأولياء الصالحين» و»الخلفاء الراشدين»، ومثال «الأسلاف المقدسين»، الذين لا يأتيهم الباطل من أي مكان، فهم المعصومون عن الخطأ والخطايا.

في هذا العصر الموصوم بـ «داعشية» بلا حدود، صار المواطن عبئاً على «دولة» تتخفف من كل الأعباء، فلم يجد «صناديدها» سوى القتل والنكاح والسبي والغزو، وتوزيع المغانم وتبادلها هدايا وأعطيات، فمن أولى بكونهن كذلك سوى النساء، عند من لا مهنة له، سوى هذا الهراء، باسم الدين والتدين.

الوطن كمعادل موضوعي للدولة، لا وجود له في عرف أو شرع أو فلسفة الأدلجة الدينية، التي تهرب وتتهرب من معايير القيم والأخلاقيات التي توجبها كل الأديان، وتصيغ منظوماتها الدالة الخاصة، بل هي جعلت وتجعل من الوطن حيزها ومرعاها الذي لا تعترف بحدوده، مثلما هي في الأصل لا تعترف بوجود مواطنين لهذا الوطن، بقدر ما تريد بالإجرام وبالإكراه والغلبة، أن تحولهم إلى مجرد رعايا وسبايا لدولة موهومة.

في هذه الحالة لا وجود للدولة في عرف «فقهاء» التدين المتطيفين والمتمذهبين، فالذين يزعمون أنهم في صدد إقامة «دولة الخلافة» لا ولن يجدوا السبيل لإقامة مثل هذه الدولة، في عصر تجاوزت فيه كل الصيغ الدولانية ومعاييرها الخاصة والعامة، ذاك الشكل البدائي التجريبي لتلك الدولة، التي قامت هنا أو هناك أو هنالك مما أطلق عليها «دولة الخلافة». كما أن الذين يزعمون إنهم في صدد بناء «دولة العدل» بعد أن امتلأت الدنيا ظلماً وجوراً، لن يجدوا السبيل إلى ذلك حتى لو انتظروا العمر كله، وقدموا من التضحيات ما لا حصر له ولا عد. فالدولة الموعودة لن تتعدى كونها دولة إمبراطورية قوموية، توسلت أو هي تتوسل الدين والطائفة والمذهب وتستثمر هذا كله، في خدمة أهداف شعوبية عنصرية خاصة، تهدف إلى بناء «دولة إمبراطورية» كان قد شع نورها فترة من الزمن وانطفأ. وفي ظل نشأة دول معاصرة مهما يكن مستوى تطورها، فهي تبقى رهينة أشكال وأساليب ما قبل الدولة الحديثة، الدولة المدنية أو دولة الأمة. وبالتالي لا إمكانية للعودة إلا إلى شكل من أشكال دولة الوكالات الميليشياوية التي لا تشبه الدولة الإمبراطورية القديمة، حتى لو بلغ النزوع الامبراطوري أشده، واضطر آخرو الهيمنة الامبريالية للاعتراف بطموحاتها الإقليمية.

أين حقوق المواطن، بل أين حقوق الإنسان في ظل هذه الأشكال البدائية، من دول لم ولن تبلغ الرشد، طالما استمرت واستمرأت إضفاء طابع قمعي ومسلكيات متوحشة، على مضامين هيمنتها وسيطرتها على شعوبها، وما يجاور شعوبها من شعوب ذاقت وتذوق الأمرّين، من قبل سلطات استبدادية حاكمة، وسلطات أهلية غير حاكمة.

باختصار، لا يريد البعض في تمذهباته الخاصة، ممن أعمته وتعميه السلطة الجائرة، لا وطناً بحدود، ولا مواطناً بحقوق، بقدر ما يريد للجميع، جميع الناس، أن يخضعوا مثل الرعايا والسبايا، لـ «معصومي» سلطة المطلق التي يتوهمون حلولها فيهم.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان