رئيس التحرير: عادل صبري 05:52 مساءً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

السعوديّة ومسؤوليّة القيادة الإقليميّة

السعوديّة ومسؤوليّة القيادة الإقليميّة

خالد بن نايف الهباس 13 مايو 2015 10:17

يحلو للبعض القول إن الرياض أصبحت «عاصمة القرار العربي»، ويأتي هذا التوصيف عطفاً على الحراك الديبلوماسي المحموم الذي تشهده العاصمة السعودية، وأنها أصبحت محطة لكبار المسؤولين في العالم، وتستضيف على أرضها اجتماعات ولقاءات سياسية مهمة يمكن لها أن تحدّد مصير القضايا والأزمات الإقليمية الراهنة ومآلها. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد، يدور حول ماهية الظروف التي قادت إلى ذلك، أو بمعنى آخر، ما هو نوع التغيير الذي حصل على صعيد السياسة الخارجية السعودية، ما جعلها أكثر انخراطا وحزماً تجاه التحديات الإقليمية القائمة.

كما هو معروف، يتم صوغ السياسة الخارجية للدول في ظل ظروف ومعطيات وقدرات تحدّد في شكل أو آخر، نوعية السياسات والبدائل التي ترسمها الدول لنفسها، والوسائل التي توظّفها لتحقيق سياسة أو أخرى. والواقع، أن السعودية كدولة مركزية في المنظومة العربية والإسلامية وجدت نفسها، ومنذ تأسيسها، أمام مسؤولية القيام بدور داعم لقضايا الأمتين العربية والإسلامية، لأن ذلك قدرُها التاريخي والطبيعي، من دون إغفال حقيقة أن هناك تغيرات نوعية في الدور السعودي في الآونة الأخيرة لأكثر من سبب.

أولاً، ثمة متغيرات نابعة من البيئة الداخلية لعملية صنع القرار السعودي، بما في ذلك هيكلة الأجهزة العليا للدولة. وعلى رغم أن التغير في القيادة لا يعني تحولاً جذرياً في منطلقات السياسة الخارجية السعودية وأهدافها، نظراً الى استمرارية الأسس والثوابت التي ترتكز إليها السياسة العامة للدولة، إلا أن وجود قيادات جديدة، وأفكار جديدة، تملك قراءة استراتيجية معيّنة في ما يتعلق بتطوّر الأحداث الإقليمية وسياقها، نتج منه توجّه جديد في كيفية تعاطي السعودية مع القضايا والأزمات الراهنة، مع التركيز على أن عامل الوقت مهم في تحديد مسار الأمور ونتائجها، وأن استخدام القوة العسكرية خيار غير مستبعد إذا اقتضت الأمور ذلك.

ثانياً، يمكن الإشارة هنا إلى خاصية «التموضع السياسي» التي بدأت تظهر في شكل أكبر على السياسة الخارجية السعودية، والمقصود بذلك عملية «التكيف» مع تقلبات السياسة الإقليمية والدولية. فتوازن القوى بدأ يميل في مصلحة قوى إقليمية غير عربية في شكل لم يعد مقبولاً، وإذا تُركت الأمور تسير في هذا الاتجاه فمن المتوقع أن تزداد التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي، وتضعف قدرة الدول العربية على مواجهتها والتعاطي معها بفاعلية، ما لم تسعَ إلى تبنّي سياسات جديدة في إطار عربي جماعي، أو إقامة تحالفات إقليمية أو دولية توسّع من هامش المناورة لديها. ولا شك في أن خروج العراق وسورية من معادلة توازن القوى الإقليمي، وانشغال مصر في الوقت الراهن بعملية إعادة البناء الاقتصادي والسياسي، مهما بقي دور القاهرة مهماً وكبيراً، استوجب أن تكون السياسة الخارجية السعودية على قدر كبير من البراغماتية من ناحية، والحزم من ناحية أخرى، أو ما يمكن تسميته «السياسة الخارجية الضاغطة». كذلك، وجدت الرياض نفسها في حاجة إلى أن تأخذ بالاعتبار بعض التطورات على المستوى الدولي، سواء ما يتعلق بالموقف الروسي تجاه الأزمة السورية وغيرها من التطورات الإقليمية الأخرى، أو تغيّر أجندة السياسة الخارجية الأميركية وتوجهاتها، وما ترتب على ذلك من تراجع ملحوظ للدور الأميركي في المنطقة، في اتجاه لا يتّسق بالضرورة مع المصالح العربية بقدر ما شكّل «استدارة نحو إيران»، الأمر الذي شكّل في محصلته النهائية تحدياً جديداً للسعودية وغيرها من الدول العربية. في مثل هذه الوضعية، بدأت السعودية تحاول إعادة صوغ أولويات سياستها الخارجية ووسائل تنفيذها، للحفاظ على مصالحها والدفاع عن المصالح العليا للأمة العربية.

ثالثا، هناك عامل «الحتمية السياسية» التي تنبع من حقيقة أن التحديات والمخاطر بلغت مرحلة متقدّمة من الخطورة، لم يعد بوسع صانع القرار السعودي تجاهل تداعياتها، وأن عامل الوقت أصبح مهماً في كيفية التعامل مع القضايا الإقليمية والتأثير في مخرجاتها النهائية.

وغني عن القول هنا، إن منطقة الشرق الأوسط إحدى المناطق الساخنة في العالم، وأكثرها اضطراباً. وكلما تعاظمت «السيولة السياسية» في المنطقة، استوجب ذلك تبني سياسات «استباقية» و «وقائية» هدفها منع تطور الأحداث في اتجاه لا يتماشى مع مقتضيات المصلحة الوطنية السعودية، ولا يخدم المصالح العليا للأمة العربية. ولعل الدور الحوثي - الإيراني في اليمن، وما شكّله من تهديد مباشر لوحدة اليمن واستقراره، وما ينطوي عليه من تهديد صريح للأمن القومي العربي نظراً الى أهمية اليمن الجيوستراتيجية، يُعتبر مثالاً واضحاً على أهمية لعب دور فاعل وحاسم لأن البدائل الأخرى تكاد تكون غير مجدية أو غير ملائمة.

بقي أن نؤكد أن «سياسة الحزم» لا تعني بالضرورة «سياسة الاندفاع»، لتجنّب الدخول في الصراعات الإقليمية على جبهات عدة، لما قد يترتب على ذلك من استنزاف لموارد الدولة المختلفة، كما لا تعني التحرك الفردي بقدر ما تستوجب التعاون الوثيق مع الدول العربية في سياسة جمعية تكون أبلغ أثراً في نتائجها، وأقوى تأثيراً في الرسالة التي تبعث بها للقوى الخارجية الطامحة إلى إعادة رسم مستقبل الوطن العربي ومناطق النفوذ فيه، وفق خطوط جغرافية ومصلحية تهدّد في شكل كبير الوضع العربي القائم.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان