رئيس التحرير: عادل صبري 12:46 صباحاً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

عن صورة المنطقة المشوهة... في الغرب

عن صورة المنطقة المشوهة... في الغرب

محمد مشموشي 13 مايو 2015 10:16

يقدم الغرب، وإعلامه في شكل خاص، صورة للمنطقة العربية في أوضاعها الحالية، إما تبسيطية ومشوهة بسبب إساءة القراءة، وإما ساذجة نتيجة سوء الفهم. ومن دون الدخول في نفق النوايا، كما هي عادتنا، يبدو أن الغرب يتعامل مع هذه الصورة وكأنها الحقيقة التي لا حقيقة قبلها أو بعدها، إذا لم يكن البعض منه يضع على أساسها خططاً أو حتى يرسم سياسات للمنطقة ولعلاقاته معها.

جانب من هذه الصورة، تحدث عنه مراسل «الاندبندنت» البريطانية في بيروت روبرت فيسك قبل حوالى أسبوع تحت عنوان «من يقصف من في الشرق الأوسط؟ «رسم فيه ما وصفه بـ «واقع المنطقة» انطلاقاً من التبسيطية أو السذاجة السالفة الذكر.

ملخص هذا «الواقع»، كما كتب فيسك، أن من يتقاتل في العراق هم السنة والشيعة، فيما يقف السنة الأكراد ضد السنة العرب، فيما يقاتل فيه سنة العشائر سنة «داعش» على الأرض ويقصفهم من الجو سنّة كل من السعودية والإمارات وقطر. أما في سورية، فيتقاتل السنة مدعومين من أبناء طائفتهم في لبنان والسعودية وقطر والإمارات، مع العلويين الذين يساندهم الشيعة في العراق وإيران ولبنان وباكستان. وفي اليمن، قتال على الأرض بين السنة من المذهب الشافعي والزيديين الذين يساندهم شيعة إيران والعراق ولبنان، بينما تقصف مقاتلات السنة في دول الخليج مواقع الزيديين من الجو. وفي ليبيا، حرب بين أهل البلد وكلهم سنة، فيما تتولى المقاتلات المصرية مساندة بعضهم من الجو وتقوم قطر بدعم البعض الآخر بالمال والسلاح.

هذه الصورة المشوهة إن لم تكن مزيفة، والساذجة إن لم تكن غبية، أشبه ما تكون بصورة كاميرا فوتوغرافية لا ترى الأشياء إلا بأشكالها ومظاهرها الخارجية. والأخطر أنها، استناداً إلى ذلك وإلى ذلك وحده، تقرر وقائع سياسية ووطنية في المنطقة كلها وتبني عليها استنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان.

صحيح أن ما تشهده هذه البلدان حالياً يأخذ في جانب منه شكل تقاتل طائفي ومذهبي، لكن الصحيح أيضاً أن له أسبابه ودوافعه وجذوره السياسية قبل أي شيء آخر. وإذا كان من سبب لهذا الشكل الطائفي من التقاتل، فهو دخول عنصر خارجي (إيران تحديداً) إلى بلدان المنطقة بشعارات وتعبئة شيعية بحتة، تحولت مع الزمن إلى ميليشيات (جيوش حديثة التسليح) باتت موجودة وفاعلة في كل بلد من بلدانها تقريباً.

لا يعني ذلك أن المنطقة كانت في أحسن حال قبلاً. على العكس، لكن مشكلتها الأساس كانت، ولا تزال، أنظمة الحكم الاستبدادية والفردية والتوريثية، وما لازمها دائماً من تسلط سياسي ومالي وحتى ثقافي وديني. لإنهاء هذه الحال، سعت شعوب المنطقة بمختلف طوائفها ومذاهبها وإثنياتها، وإن من دون جدوى بسبب طبيعة الأنظمة القمعية، على مدى سنوات وعقود.

الجديد في تلك الفترة كان ظهور ما يسمى «الأيديولوجية الخمينية» في إيران، القائمة نظرياً على ما وصف بـ «تصدير الثورة»، لكن عملياً على بناء تشكيلات شيعية وتمويلها وتسليحها بانتظار إطلاق نفير التحرك عندما يرى «الولي الفقيه» في طهران أن لحظة التحرك حانت. أكثر من ذلك، نبشت الخمينية ما يسمى «المظلومية» من تاريخ يعود إلى 1400 عام، لتجعل منها رأس حربة في معركتها في المنطقة، وليس مثلاً «مظلومية» المسلمين عموماً، أو الشيعة خصوصاً، في الفترة الراهنة.

وعملياً، لم يكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982، ولاحقاً الغزو الأميركي للعراق وإسقاط نظام صدام حسين في 2003، وفي الفترة الأخيرة ما يسمى «الربيع العربي» في غير بلد، سوى تلك اللحظة المبتغاة.

هكذا أنشئ في لبنان «حزب الله»، وفي العراق «منظمة بدر» ثم «عصائب أهل الحق» و «لواء أبي الفضل العباس»، كما فتحت خزائن المال ومخازن الأسلحة الإيرانية لتتدفق على المعارضين (الشيعة) في البحرين، والنظام (العلوي) في سورية، وجماعة الحوثيين (الزيديين) الذين باتوا يحملون اسم «أنصار الله» في اليمن الخ... ولم يكن احتضان كل من حركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي» في غزة، كما أثبتت الأحداث خاصة في سورية أخيراً، إلا لتجميل لافتة «تحرير فلسطين» التي رفعتها إيران منذ البداية من ناحية، ولتغطية تسللها السياسي عبر «حصان طروادة» الشيعي إلى بلدان المنطقة من ناحية ثانية.

في حربها هذه على العالم العربي، استفادت إيران من دون شك من حال الوهن التي سادته طوال المرحلة السابقة، وطبعاً من فساد الأنظمة وكفر الشعوب بها، لكنها هيأت من حيث لم تدر (أو هي علمت مسبقاً!) تربة العديد من بلدانه لبروز أفكار وحركات تكفيرية وإرهابية مثل «داعش» و «جبهة النصرة» وغيرهما.

ثم ألا يشكل دليلاً كافياً على ذلك، أن تكون «الدولة الإسلامية في العراق» (نواة «داعش» الأولى) قد برزت بداية كتنظيم معاد لقوات الاحتلال الأميركية، وأن تكون قد عملت ضدها جنباً إلى جنب مع التنظيمات الشيعية في البلاد، ولم ترفع السلاح في وجه حكامها إلا بعد انسحاب هذه القوات وتأكد هيمنة إيران الكاملة عليها؟.

واقع الحال أن هذه هي دقائق الصورة الحالية لبلدان المنطقة، بحروبها الطائفية والمذهبية وحتى التكفيرية والإرهابية... وهي صورة آنية رسمتها وتحيك خيوطها جهة واحدة لا تخفي هويتها ولا أهدافها: «الامبراطورية الساسانية الإيرانية».

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان