رئيس التحرير: عادل صبري 03:24 مساءً | الاثنين 10 ديسمبر 2018 م | 01 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

لحظات في ضيافة معتقل

محمد يحيى يكتب:

لحظات في ضيافة معتقل

محمد يحيى 11 مايو 2015 20:26

مرة وراء مرة، قلّبت ناظريّ بين أسلاك القفص الكريه بحثا عن ذلك الوجه المنير، في كل مرة كانت عيني تصطدم بوجوه كالحة لا تشبه وجه صديقي الذي لم أره.. عيون الجنائيين قاتمة معتمة.. أما نظرات أمناء الشرطة الذين تكتظ بهم قاعة المحكمة فكانت أكثر شراسة، كانوا ينظرون للأهالي كما ينظر الذئب لضحيته بين فكيه ومخالبه.. كيف لا وهم يمثلون فريسة سهلة يمكن الخروج منها بأكبر قدر من "الإكراميات" في سبيل معاملة أبنائهم معاملة آدمية.

 

 

تأخر ظهوره كثيرا، ازداد توتري مع مرور الوقت، حاولت إظهار عكس ذلك خاصة مع ملامح القلق التي تعلو وجه زوجته، كل ما تأمله هو لحظات قليلة من رؤياه، ربما بسمة أو كلمة، هذا أقصى طموحها بعد عام من الفراق بغير ذنب أو جريرة.

 

على مدار عام كامل تمنيت هذه اللحظات التي أقابل فيه الصحفي الشاب عمر عبد المقصود، ربما لم أكن أتمناها هنا في قاعة المحكمة، ربما تخيلتها في رحاب وطن حر، سمعت عنه كثيرا وتمنيت أن ألقاه عن قرب لأعرف الشخص الذى أجمع كل من تعامل معه على احترامه وحبه والتعاطف معه فى محنته.

 

لم يكن الصحفي عمر عبدالمقصود -المحكوم عليه بالمؤبد- كغيره من الآف الشباب المعتقلين ظلمًا وجورًا فى هذا الوطن .. فقد تفّرد بصفات قليلٌ من حظي بها من سجناء الرأى في هذه الأيام بسبب حالة التجاذب السياسى الذي تمر به البلاد منذ الثورة وحتى الآن؛ فالإخواني و اليساري والسلفي وحتى مؤيدو السيسي ومبارك ممن خالطوه أجمعوا على سمو أخلاقه.

 

أعلم أنني سيئ الحظ لأنني لم ألتق به من قبل وعلى مدار عدة أشهر وأنا أحلم بهذا.. كنت أحوج الناس لرؤياه في هذه الأيام، قطعت عشرات الكيلو مترات من العاصمة حتى مجمع محاكم المنصورة لأحضر فصلا من فصول المحاكمات التى اهتزت صورتها وصارت جلساتها وأحكامها الغريبة كابوسا يطبق على أنفاس الشباب والشيوخ في هذا الوطن التعيس.

 

في قاعة المحكمة، القفص الحديدي ضيق كريه يحوي بين أركانه مجموعة من "المحبوسين الجنائيين" تعلو وجوهم علامات الإجرام وعلي الناحية الأخري يجلس أهالى المتهمين علي مقاعد خشبية تتعلق أبصارهم بذويهم من خلف القضبان، لعلهم يظفرون بكلمة أو نظرة ممن حال بينهم السجن ويقف بين الفريقين مجموعة ثالثة من أمناء الشرطة، تختلف أزياؤهم عن الجنائيين، ومدججون بالأسلحة.

 

كررت من جديد محاولات البحث عن عمر، لكن نظرات أمناء الشرطة ظلت تلاحقني من جديد، تعتقل حتى مشهد القفص المعتم، لاشيء يوحي بالأمل إلا والد عمر يوزع بسماته علينا.. نظرات واثقة راضية بقضاء الله تجرعت مرارة الظلم لكنها توقن أن نصر الله قريب وأن شمس الحق شارفت على البزوغ.

 

الوقت يمر ببطء شديد وعقارب الساعة تشير للحادية عشرة والنصف، دخان السجائر يملأ القاعة.. ضجيج المتهمين والأهالى وأصوات أمناء الشرطة المزعجة المطالبة بالإكراميات دون خجل أو حياء أطبقت على أنفاسنا و ألسنتنا حتى أصابنا الخرس.

 

فجأة وبدون مقدمات وأنا غارق فى هذا المشهد العبثي تدخل مجموعة من السياسيين ملامح وجوههم لا تتشابه مع من بداخل القفص أو من يشبهونهم بخارجه .. مجموعة من الورود الحمراء تخترق ثلاثيتنا لتستقر فى يد "أمنية" زوجة "عمر" علي ما يبدو أن الورود كانت تعرف طريقها جيدًا.

 

بوجوه جامدة، اقتاد الشرطيون أبطالنا رافعين رؤوسهم إلى داخل القفص الكريه، وأدخلوهم فيه تمهيدًا لمحاكمتهم .. بلادنا متفردة فى الظلم حتى أننا نضع الورود فى مقالب القمامة.. كيف لهذه الوجوه النضرة التى توضأت وسجدت لخالقها أن توضع مع المجرمين؟ .

 

لم يكن عمر يعرفنى من ذي قبل لكن وجودى بجوار زوجته وصديقه "إسماعيل" أوحى إليه أنى ثالث ثلاثتهم..

 

أنظر إليه وأبتسم فيبادلنى الإبتسامة كان كريمًا معي كما سمعت عنه من ذي قبل؛ أبتسم له فيرد الإبتسامة ويزيدنى إشارة بيده لم يستغرق هذا الموقف سوى ثوانٍ معدودة لكن نظرة واحدة فى وجه هذا الشاب وأخيه كفيلة بطرح الآف الأسئلة على كل صاحب عقل؛ فهؤلاء الشباب لا يبدو في ملامح وجوههم الإجرام؛ لماذا هم هنا فى هذا المكان؟ هل سرقوا؟ هل نهبوا؟ هل قتلوا؟ هل اقترضوا مليارات البنوك وهربوا بها؟ هل استخدموا نفوذهم لتحقيق مصالح شخصية؟ هل خنقوا المساجين بالغاز فى سيارات الترحيلات؟ .

 

دقائق و اُخرج الأبطال من القفص تقدموا ناحيتنا .. سلام وعناق وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد: "أنت محمد يحيى صح؟ أنا فرحان إنى شوفتكم النهاردة.. شدوا حيلكم إحنا طالعين لكم قريب بإذن الله" ، "زمايلنا عاملين أيه؟"، "فلان وفلانة كويسين؟ طيب سلمونا عليهم كتير".. عبارات سريعة من عمر وأخيه كانت تشبه إلي حد كبير صدمات الكهرباء التى يستخدمها الأطباء فى غرفة العناية المركزة لإنقاذ المرضى ربما حاول من خلالها هذا المظلوم أن ينقذ قلوبنا التى أوشكت على الموت من اليأس من حال هذا الوطن جئنا لنسعده فأسعدنا جئنا لنرفع من معنوياته فوجدنا همته تناطح السحاب .

 

كانت عبارت عمر و أخيه إبراهيم مفاجأة بالنسبة لى كيف لهؤلاء أن يثّبتوا من حولهم وهم أحوج الناس لمن يرفع معنوياتهم لمقاومة الظالم لم تستمر دهشتى كثيرا حتى جاء صوت والدهم يقوي من عزيمة أبنائه بعبارات بسيطة تعالى فيها على آلامه وعض فيها على جراحه بعد أن حبس أولاده الثلاثة فى جرائم لم يرتكبوها.

 

بعبارات بسيطة وعميقة وابتسامة الواثق فى نصر الله التى لم تفارق وجهه البشوش قال لأبنائه "استعدوا لما بعد خروجكم المجتمع بقى سيئ جدًا أخلاق الناس باظت استغلوا الوقت وارتقوا بأنفسكم فى كل شيء حتى تتحملوا المسؤولية قريبًا".

 

لم يستغرق الموقف بأكمله سوى دقائق معدودة لكن كم المعانى والدروس المستفادة كانت أكبر من أن تحويها مقالة واحدة مهما بلغت براعة كاتب المقالة .

 

عمر بطل وإبراهيم بطل وأنس أيضًا بطل لكن والدهم هو البطل الحقيقي فى هذة القصة .. هذه الثقة وهذا الثبات والصبر علي البلاء لا يصدر إلا من رجل بينه وبين الله حال خاص إختاره الله من بين كثيرين ليختبره فى اعتقال أبنائه الثلاثة.

 

عم "علي" كغيره من الآف الأباء الذين يعيشون مأساة سجن أولادهم ظلمًا دون وجه حق جميعنا يري أن المعتقلين أبطال وهذة حقيقة لكن الحقيقة الاكبر أن أهالى المعتقلين وذووهم هم الابطال الحقيقيون والجنود المجهولون ليمدوا هؤلاء الأبطال بهذا الوقود لنراهم وجوهًا منيرة تضيئ ظلمات السجون وستضيء ظلمات مستقبل البلاد قريبًا بإذن الله.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان