رئيس التحرير: عادل صبري 12:52 صباحاً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

... ويبقى المشروع الوطني السوري الحلّ الأمثل

... ويبقى المشروع الوطني السوري الحلّ الأمثل

مقالات مختارة

الجيش السوري - أرشيف

... ويبقى المشروع الوطني السوري الحلّ الأمثل

عبدالباسط سيدا 15 أبريل 2015 08:50

اعتمد النظام السوري، ومنذ اليوم الأول للثورة، سياسة إفراغ الثورة السورية من مضمونها، وترسيخ انطباع عنها في الإعلام المحلي والدولي بأنها لا تخرج عن نطاق هجمة سلفية جهادية، تستهدف النظام العلماني الحامي للأقليات الذي أثبت على مدى عقود قدرته على ضبط الأوضاع.

ولإضفاء شيء من القوة الإقناعية على دعايته التضليلية، لجأ النظام بكل قوّته لإبعاد العلويين والمسيحيين والكرد عن الثورة، بخاصة بعدما فرض عليها العسكرة، واعتمد خطة دفع المتطرفين المعتقلين لديه نحو مسرح العمليات وجذب الإرهابيين من وراء الحدود عبر خلاياه النائمة والفاعلة، مستفيداً من ردود أفعال الجماعات السنّية المتشددة.

وقد تنبّهنا منذ البداية لهذه الاستراتيجية القديمة - الجديدة. وكان اعتماد الخطاب الوطني من قبل الثورة، بخاصة في المرحلة السلمية، وتجلّى ذلك بإطلاق الأسماء بعناية على جُمع الثورة، ورفع الشعارات الوطنية التي تؤكد وحدة الشعب السوري وتنوّعه في الوقت ذاته. ومن هنا كان تأكيدنا المستمر على كون سورية لا تتحمّل التشدّد الديني أو القومي او الإيديولوجي.

ولكن العديد من الإخوة في المعارضة وقعوا بكل أسف في فخ النظام، متفاعلين مع استرتيجيته. ففي غير اجتماع، سمعنا من يقول: ما هذا الحديث عن حقوق الأقليات، علينا أن نعترف بأن الأكثرية هي التي عانت، وضحّت، وقد جاء الوقت لطمأنتها قبل الآخرين. كما أن بعضهم كان بالمرصاد لأي سعي الى الاعتراف بحقيقة التعددية القومية في سورية، مصرّاً على استلهام المنظومة المفهومية البعثية القائمة على فرض تجانس قومي غير موجود على المجتمع السوري. وكان العديد من التصريحات الإرباكية التي استفاد منها النظام بهدف دفع الأمور نحو صراعات مذهبية، قومية، ليغطي على مضمون الثورة الحقيقي وأهدافها: الحرية والكرامة والعدالة لكل السوريين من دون تمييز.

لم تكن الثورة ولن تكون ضد العلويين، ولم ولن نقبل بذلك أبداً. كما لم تكن الثورة ولن تكون بالسنّة وللسنّة وحدهم. الثورة كانت بكل السوريين، ولن تنجح إلا بكل السوريين.

ولعلّ من المناسب أن نشير هنا إلى ما سمعناه من ضابط صديق ورفيع من ضباط الجيش الحر ممن التقيناهم أثناء زيارتنا الأولى ضمن وفد المجلس الوطني السوري إلى الداخل السوري صيف 2012، وكان ما يلي: مخطئ من يرى أن النظام يعتمد على العلويين وحدهم، وأنا أؤكد لك أن عدد الضباط السنّة الذين هم الآن مع النظام ليس أقل من عدد الضباط العلويين. يومذاك كانت الثورة في عنفوانها، والانشقاقات في ذروتها، والنظام في أضعف مراحله.

لذلك كان علينا أن نؤكد أن الثورة ثورة السوريين في مواجهة النظام، بغض النظر عن القوى المتحالفة معه، المكوّنة لبنيته وأدواته. أما أن تنطلي علينا أحابيل النظام، ونعتمد التصنيفات المذهبية أو القومية، فهذا فحواه أن النظام نجح في استراتيجيته، ونحن قد أخفقنا، بخاصة إذا وضعنا في اعتبارنا تجاربنا السابقة، ومنها تجربة الثمانينات.

لقد عمل النظام منذ بدايات الثورة على تفجير الصراع الطائفي- المذهبي البغيض، وذلك بارتكابه المجازر العديدة في مناطق التماس المذهبي، في تلبيسة والحولة وتريمسة وغيرها. كما ساهم في ما جرى في سري كانيي/رأس العين واستفاد منه، كما استفاد مما جرى في كوباني/عين العرب، والأمر نفسه بالنسبة إلى الحسكة، وذلك من جهة توتير العلاقات بين الكرد والعرب، الأمر الذي أضعف موقف المعارضة، ووضعها أمام تباينات غير أساسية قياساً إلى الخلاف المحوري مع النظام. ولم يكن كل ذلك ليحدث لو التزمت المعارضة منذ البداية بالمشروع الوطني الذي توافقنا عليه في المجلس الوطني السوري، ثم كان أساساً لوثيقة القاهرة في 3/7/2012 التي وقّعت عليها سائر فصائل المعارضة من الداخل والخارج.

غير أن تعامل بعض الأطراف مع المشروع المعني، والوثائق المبنية عليه، تعاملاً سطحياً نفعياً، واعتباره مجرد موقف آني لإقناع المجتمع الدولي، أعطى المزيد من الفرص لجهود النظام وأتباعه، ولم نتمكّن من إقناع المترددين، وإعطاء الضمانات الحقيقية المطمئنة للمتوجّسين.

سورية اليوم أمام خيارات عدة منها: أن تعمل كل القوى على استعادة وحدة النسيج الوطني عبر مشروع يطمئن الجميع، وتلتزم به نصاً وروحاً وتطبيقاً. وبمثل هذا المشروع تغدو مختلف المكوّنات المجتمعية جزءاً من الرصيد الوطني السوري، وليس أداة في لعبة المعادلات الإقليمية.

أما الخيار الثاني، فالسعي لتشكيل كيانات تتميّز بالتجانس السكاني على صعيد الهوية المذهبية أو القومية، وهو خيار مستحيل في ظل المعطيات الحالية، بخاصة من جهة التداخل السكاني، ورفض غالبية السوريين ذلك، إلى جانب تعارضه مع توجّهات وحسابات القوى الإقليمية الأساسية في المنطقة.

أما الخيار الثالث، فهو الذي يجسّد الواقع الحالي، وهذا معناه استمرارية الصراع والانزياحات السكانية الكبيرة من مختلف المناطق، والانتظار ريثما يسود الإنهاك، وتقبل الأمزجة لحلول تُرفض اليوم أو بروز حلول أخرى جديدة بـنـاء على معطيات أخرى.

إننا نرى أن المشروع الوطني السوري ما زال يمثّل الضامن المطمئن للجميع، وامكانات نجاحه ما زالت موجودة. ولانتقال هذه الإمكانات من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل نحتاج إلى قوى تمتلك عقلية جديدة لديها مرجعية مفهومية تنسجم مع المشروع المنشود الذي لا بد أن يحترم سائر الخصوصيات، ويضمن الحقوق كلها على مستوى الجماعات والأفراد. ومن مصلحة الأكثرية العربية السنّية أكثرمن غيرها، إذا كانت معنية بوحدة سورية وتقدّمها، وملتزمة بمسقبل أفضل لأجيالها المقبلة، أن تحرص على طمأنة المكوّنات الأخرى، قبل أن تطالب هذه الأخيرة بضماناتها المشروعة عبر القوى الإقليمية والدولية.

إن مجتمعات الشرق الأوسط متنوعة بفعل عوامل التاريخ والجغرافيا، والاتفاقات الدولية، وهي غير قابلة للتكيّف مع الايديولوجية القوموية التي عانت منها على مدى نصف قرن، كما انها غير قابلة للتعايش مع النزعة المذهبية القاتلة لوحدة مجتمعاتنا التي تُعتبر التعددية من أهم سماتها، والحكمة تُلزم الجميع إعطاء الأولية للواقع العياني، وليس للتوجه الرغبوي الحالم.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان