رئيس التحرير: عادل صبري 06:13 مساءً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

تقرير الأحكام وتغيير الواقع

تقرير الأحكام وتغيير الواقع

مقالات مختارة

وليد أبو النجا

تقرير الأحكام وتغيير الواقع

وليد أبو النجا 12 أبريل 2015 11:04

اطلعت على بحثين لصديقين عزيزين مشتغلين بالعلم الشرعي، يحاولان فيه توصيف الحكم الشرعي للحالة المصرية، وتقرير الأحكام المتعلقة بها. ولا اعتراض لي على تحليل كل فئة للأوضاع بلغتها وأدواتها، فالسياسي يقول: هذا انقلاب عسكري مسلح، وإلغاء للحياة السياسية. والشيخ يقول: هذا نقض لبيعة الحاكم الشرعي الذي انعقدت ولايته بالشورى.

غير أنه ينبغي ملاحظة الآتي:

أن مجرد تقرير الأحكام،  بنقض العسكر للبيعة، وخيانتهم للقسم، وخروجهم على الحاكم الشرعي، وقتلهم الناس بغير حق، وترويعهم الآمنين، وإفسادهم في الأرض، لن يغير من الواقع شيئا، إلا على مستوى الوعي.

الحذر من الخلط بين ما هو واجب (كل فرد على حدته) - بتعبير الشيخ حسن البنا - وما هو واجب عليه باعتباره فردا من أفراد الأمة، يعمل مع من يعمل لتحقيقه، لكنه لن يستطيع القيام به وحده، حتى لو أراد.

خذ مثلا قضية فلسطين، ووجوب الجهاد لتحريرها وجوبا عينيا على كل مسلم، ذكرا كان أو امرأة، صغيرا كان أو كبيرا، فتخرج المرأة بغير إذن زوجها، والولد بغير إذن أبويه. وأذكر هنا قصة ذكرها العلامة القرضاوي قائلا: (جاءني أحد الشباب وقال: أريد أن أجاهد، أنت قلتَ: الجهاد أصبح فرض عين. وأنا أريد أن أُسقط الفرض عني. فقال الشيخ: هو فرض عين لمن يقدر عليه، ويستطيعه، أما أنت فستمنعك دول الطوق. قال: سأدعو من يريد الذهاب إلى الجهاد فليأتِ معي، وسنحاول. قال الشيخ: إذن لن تمنعك دول الطوق فقط، بل ستمنعك دول الطريق إلى دول الطوق، ولن تسمح لك بمجرد المرور من أراضيها)!!

فحين يقرر العالِم بأن العسكر خائنون للعهد، حانثون بالقسم إلى آخره، ومن ثم يجب العمل على الخلاص منهم ومن شرهم. فهذا الوجوب موجه إلى عموم الناس، وليس موجها إلى فرد من الأفراد، يذهب فيحمل سلاحا، ويقتل مسلما مثله، متصورا أنه أدى واجبا دينيا أو وطنيا.

 يجتهد الشرعيون في وضع ضوابط وشروط معينة للحكم الذي يذكرونه، مع علمهم أننا في عصر لا يلتفت الناس فيه كثيرا للمتن، وإنما يكتفون بالعنوان، ولا يقرؤون الخبر، ويكتفون بـ(المانشيت). فهل أخلى العالِم الشرعي عهدته بمجرد ذكر الضوابط والشروط، أم ينبغي سد الذرائع لا سيما في مسائل الدماء؟

أن الحكم الشرعي لا ينبغي أن يكون بمعزل عن التجارب البشرية لا سيما قريبة العهد منها والمعاصرة، (تجربة جماعات العنف في مصر، والعشرية السوداء في الجزائر، وتسليح الثورة في سورية)، وما أدت إليه هذه التجارب من نقيض مقصود من شارك فيها، ودعا إليها، وتحمس لها.

لقد رأينا مطالبات حثيثة لمشايخ الإسلام المعاصرين بضرورة إعلان الجهاد في سوريا، فما الذي حدث بعد إعلان الجهاد في مؤتمر دعم القضية السورية في القاهرة، لم يتغير الواقع على الأرض، وتحولت القضية من ثورة سورية يجب على العالم أجمع أن يساعد في حلها، إلى مشكلة عالمية يحرص العالم أجمع على أن تظل كما هي، حتى لا يعود (المجاهدون أو الإرهابيون) إلى دولهم مرة أخرى.

إن مسالة دفاع الفرد الشرعي عن نفسه أو عرضه، حق مكفول قررته الأديان السماوية، والمواثيق الدولية، لا يحتاج إلى بحوث شرعية مطولة، ولا يدخل فيه تنزيل الحركة الإسلامية بمنزلة الفرد، فنعتبر الحركة الإسلامية أو القوى المعارضة في حالة دفاع شرعي عن النفس، يجوز لها ما يجوز للفرد.

خطأ العالِم ألف مرة في الحكم بإتلاف الأشياء، أهون من أن الخطأ مرة في الحكم بإتلاف النفوس، فحياة إنسان أغلى من آلاف الأشياء مهما كانت قيمتها، تستطيع أن تشتري سيارة بدل سيارة، أو أن تعيد بناء بدل بناء تلف، لكن لا يستطيع أحد أن يعيد ميتا إلى الحياة.

 إن الحركة الإسلامية أو المفتي يملك فقط إعطاء إشارة البدء للدخول في دوامة العنف بحجج شتى، منها الدفاع عن النفس، والقصاص للشهداء، والانتقام من القتلة، لكنه أبدا لن يستطيع التحكم في مسارات هذه الدوامة، أو إيقافها ولو بمائة فتوى أو بحث، ولنا في خلاف الصحابة عبرة.

الفرق بين: "ورجل قام إلى إمام جائر فأمر ونهاه فقتله"، وبين: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". أن الأول قتل في حق ﻻ لبس فيه، والثاني قتل في التباس الحق بالباطل.

على الفقيه المسلم أن يحذر من التورط في إراقة دماء معصومة بغير حق، أو يتخذ كلامه ذريعة أو تكأة إلى غير ما يرضاه، وعليه ألا يعين على قتل من لا يستحق القتل - حتى لو كان ظالما - ولو بشطر كلمة.

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان