رئيس التحرير: عادل صبري 10:19 صباحاً | السبت 18 أغسطس 2018 م | 06 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

ما بعد سقوط الطائرة الألمانية...

ما بعد سقوط الطائرة الألمانية...

مقالات مختارة

نهلة الشهال

ما بعد سقوط الطائرة الألمانية...

نهلة الشهال 12 أبريل 2015 09:36

«ما بعد» سقوط طائرة «جيرمان وينغز» الألمانية قبل ثلاثة أسابيع فوق جبال الألب الفرنسية يشبه في وقائعه المتكشفة يوماً بعد يوم ما يحيط بمفهوم «ما بعد الحداثة» من نظريات وجدل، وينتمي ببساطة لعالمه!

 

هي ألمانيا المزدهرة، المتقدمة، المتماسكة، بينما سائر أوروبا مصطخبة بالتناقضات والإحباطات والبؤس والأسئلة حول الوجهة. ألمانيا التي تُقرِّع اليونان بسبب خفّتها، وتعاقبها حين يلزم، وتتحمل بصبر خفة من نوع آخر تمثِّلها فرنسا، وتُوازِن الانعزالية البريطانية... ولا تتورط في مواقف ومشاريع هوائية للهيمنة على العالم أو التحكم به، سواء سياسياً أو عسكرياً، بينما تبني بدأب اقتصاد قابل للحياة. لكان ماركس افتخر في سره بالمصير الذي آلت إليه بلاد «العبودية والقنانة» تلك، وإنْ لم تُحقق توقعاته لجهة الانتقال إلى «المرحلة العليا من تطور البشرية»، أي الاشتراكية والشيوعية، وهو توقع/منهج يشبه ذاك الذي نادى به بعد قرن أو يزيد فوكوياما، وإن مقلوباً على رأسه، حين اعتبر أن الرأسمالية المنتصرة نهاية التاريخ.
 

يُبجِّل العالم شركات الطيران الألمانية ويثق بها. ولذلك، افتُرض بداية أن حادث تحطم الطائرة الذي بدا منذ اللحظة الأولى غامضاً، قد يعود إلى عمل إرهابي. فأمسكنا قلوبنا بأيدينا لأن «11 سبتمبر» المشؤوم ما زال قريباً جداً، وما زالت آثاره وتداعياته ـ أو استثمارها ـ تضرب مجتمعاتنا في الرأس. ومع اللحظات الأولى لتبين ملامح الفعل الانتحاري لمساعد القبطان، جرى تداول اسم الرجل في شكل محرَّف، يوحي بأنه إسباني، لا سيما أن الطائرة تعمل على خط برشلونة دسلدورف. وهذا معقول أكثر (أن يكون الرجل إسبانياً، ينتمي إلى المتوسط والجنوب ـ حتى لو كان جنوب أوروبا ـ وليس من العرق الآري المتفوق). لكن الفرضية صمدت دقائق. وهي نُسيت بالسرعة نفسها التي ظهرت فيها، وبالسرعة نفسها التي تُكنس فيها الأخبار والأحداث وتُطوى واحدة إثر الأخرى لمصلحة الأكثر جدة، العابر بدوره، وفق منطق اللحظة الراهنة، بلا مراجعة ولا نظرة إلى الوراء وبلا ترابط ولا تقييم... حسناً، هو ألماني إذاً!

 

التكنولوجيا الرقمية الحديثة التي باتت في متناول الجميع بالمعنى الحرفي سمحت بأمرين مذهلين. أرتْنا أولاً شبكة الطيران فوق تلك الجهة من أوروبا في ذلك اليوم، وهي أشبه بخريطة طيران لغيمة عظيمة من النحل. هناك في العالم ما معدله ثلاثة ملايين إنسان في الجو في شكل دائم، وتقوم مراكز الأبحاث المختصة بالتكنولوجيات المتقدمة، وبعضها تساهم في تمويله شركات الطيران الكبرى، بدراسة كيفية تنظــــيم حركة أسراب النحل المرشحة للتزايد. هناك اكتظاظ في الفضاء يشبه الاكتظاظ المروري في المدن الكبرى. ومن يعرف ذلك يُدرك صواب ما قاله مدير الشركة الألمانية حين اعتـــبر أن حظاً مذهلاً قد أحاط بعملية إســــقاط الطائرة تلك، بحيث أنها لم تصطدم بسواها أثناء تغيير مسارها بلا إنــــذار، وتتســبب بكارثة مهولة تجعل رقم الـ150 ضحية يتضاعف.
 

ثم سمحت تلك التكنولوجيا المحمولة في جيوب الناس بالتعرف إلى مساعد القبطان في الثانية نفسها التي تلفّظ باسمه مدير «جيرمان وينغز». صورته (مع أخطاء وقع فيها البعض، بما فيه شبكات تلفزة عالمية، ولكن لبضع دقائق)، وتفاصيل حياته وهواياته وغرامياته... ثم مشاكله. وهذه الأخيرة عظيمة، وما زالت تتكشف عن المزيد يومياً. قيل بداية أن الرجل عانى من اكتئاب وإحباط نفسي جعلاه يوقف تدريبه لفترة أشهر في قاعدة بالولايات المتحدة تابعة لشركة لوفتهانزا. وقيل بعدها إنه نتيجة ذلك فقَد فرصة الالتحاق بالشركة الأم، حلم حياته، ولكنه نال شهادته والتحق بشركة تابعة لها، مما تسبب بموجة من... السخرية، عمت برامج الإذاعات والتلفزات الأوروبية، السجالية الجادة كما الترفيهية. ليتبين بعد ذلك أن الطيار الشاب لم يشفَ أبداً من مرضه ذاك، وأنه كان خاضعاً لعلاج ثقيل، وكان يحصل على تقارير طبية توقفه عن العمل عند الحاجة. ثم تبين أنه، على ذلك المرض الأول الذي يفترض أن يبعده تماماً عن تحمل مسؤولية أرواح المسافرين، فهو يعاني من مشاكل جدية في النظر، وأن شبكية عينيه تتهتك!
 

أين مسؤولية الشركة في السماح للشاب بالطيران، حتى لو افترضنا جدلاً أنه كان يخفي عنها بعض الوقائع عن أمراضه (وهي بالضرورة «بعض» وليس كل تلك الوقائع). قررت الشركة تقديم تعويضات كبيرة لعائلات الضحايا. فهل تُحل المشكلة بالمال؟ وأين مسؤولية عائلة الشاب وأصدقائه الذين يعرفون، وإنْ بعض (إن لم يكن كل) مشكلاته الصحية الخطيرة تلك؟ هل يطغى احترام الخصوصية الفردية، والخشية من الوشاية في شكل مطلق أعمى كما لو كانا دِيناً؟ أم هو تواطؤ أو عدم اكتراث؟ كل ذلك ليس عقلانياً بتاتاً! بل اشتكت عائلته من كشف ملفه الصحي، إذ لم يحترم ذلك السر الطبي. بينما ليس من المؤكد أنها ستخضع لاستجواب لإخفائها سراً خطيراً كهذا.
 

وفي آخر أخبار هذه القصة، معطى يشبه ما يقال له «حبة الكرز فوق قالب الحلوى»: الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران كانت قد نبهت ألمانيا مراراً إلى خلل في مطابقة إجراءات السلامة المعتمدة في شركاتها مع ما هو مطلوب في معايير الوكالة. كشفت ذلك بداية صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية التي قالت إن هناك نقصاً في عدد الطيارين في ألمانيا، ما يتسبب بهذا الخلل.
 

فهل تخضع هذه القصة لكل ما نعرفه عن المنافسات التجارية التي يمكن أن تصبح قاتلة أحياناً، وكل ما نعرفه عن لفلفة القضايا الشائكة وتحويرها. وهذا لا يحدث فحسب في بلادنا، بل قد يكون الفارق أنه يتم «عندهم» لأسباب «وطنية» عامة وليس خدمة لمصالح أشخاص. وبالطبع، يمكن هنا ملاحظة التداخل بين مصالح الشركات الكبرى أياً تكن ـ بما فيها البنوك ـ وما هو معتبر «مصلحة وطنية».
 

... لأن الأمر، وفي نهاية المطاف، يعود إلى الفلسفة، إلى مفهوم عن الحياة لا يحدده الورع المنافق أو السينيكية الباردة، وإنما الإدراك بأن المنظومة السائدة يمكن أن تتسبب بكارثة عظمى (وليس فحسب بترك مريض نفسي يقود طائرة ركاب). ولعل أفضل مثال على ذلك هو العمى الذي يلف المسألة البيئية، لا عيني الطيار أندريا لوبس فحسب.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان