رئيس التحرير: عادل صبري 09:28 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

في ضرورة استعادة الصراع السوري

في ضرورة استعادة الصراع السوري

عمر قدور 12 أبريل 2015 08:54

حتى الآن قدمت تجربة الصراع في سورية، خلال السنوات الأربع الأخيرة، نموذجاً في غاية الوحشية والسوء، بحيث بات وقف الصراع هو الشاغل الأساسي الذي يتفوق أحياناً على طريقة وقفه. الصراع السوري انضم إلى حالات مشابهة في بلدان مجاورة، ظهرت فيها استحالة الصراع السياسي الديموقراطي،

 

واتخذت جميعاً مسارب من العنف المفرط، وصولاً إلى تجلي الصراع بوصفه صراع وجود لا صراعاً وطنياً بالمعنى المتعارف عليه للصراعات الوطنية عموماً. في لبنان والعراق، والآن في سورية واليمن وليبيا، تجاوزت الصراعات الأهلية المستوى الوطني، أو تراجعت إلى ما دونه، العبرة الأهم كانت في هشاشة الإطار الوطني، وفي هشاشة الكيان الوطني أصلاً.

ذلك سيشجع دعوات إلى إعادة النظر في الكيانات «الوطنية» القائمة، لكن من دون وجود ما يدعمها من توجهات على الصعيد الدولي أو الإقليمي، بل على العكس تظهر التوجهات الدولية ميلاً إلى إبقاء الحدود الحالية، ربما باستثناء مراعاة المسألة الكردية الصاعدة. غير أن التوجهات الدولية تنزع إلى وقف الصراعات، أو تبريدها، في تعبير لا يخلو من انعدام الأمل بصراع مثمر في كيانات المنطقة. الحل المطروح أمام الصراعات الحالية هو الوصول إلى صيغة شبه مستدامة من تقاسم السلطة، والكفّ تالياً عن الصراع على السلطة باعتباره أحد أهم تعبيرات الصراع السياسي الوطني.
 

المشكلة في تبني معيار الأسف، وفق الاصطلاح الاقتصادي المعروف، هي في النظر إلى القضية الوطنية كمسألة خاسرة تماماً، والتعايش مع امتناعها، أو قوننة امتناعها كما حدث في لبنان والعراق. وثمة خلط لا يخلو من سطحية معرفية بين وقف العنف ووقف الصراعات، هذا الخلط يقتفي أثر أنظمة الاستبداد التي بقيت عقوداً طويلة على قاعدة منع الصراع في دولها. في الواقع، ما كانت تعاني منه دولة مثل سورية هو منع الصراع في داخلها، مع عدم القدرة على منع أسبابه القديمة والجديدة، أي مع عدم القدرة على منع مختلف أنواع الصراع المكبوتة التي لا يُسمح لها بالظهور والفعالية. ما لوّحت به أنظمة الاستبداد، طوال عقود من منعها الصراع، أن البديل الوحيد هو العنف وانهيار الكيان الوطني.
 

في سورية تحديداً، فرض النظام انهيار الكيان الوطني منذ انطلاق الثورة، فمع إطلاق أول رصاصة على المتظاهرين العزّل كان النظام قد منع الصراع من أن يأخذ مجراه الوطني، وحوله إلى صراع وجود، وإذا لم يكن متوقعاً منه ذلك الحجم الهائل من الوحشية فإن شراسته في منع الصراع هي من طبيعة بنيته وليست طارئة عليه إطلاقاً. وعندما نصِف النظام بعدم الوطنية فالأمر لا يتعلق بالشتيمة أو بنوع من الشعارات السياسية، هو توصيف لبنيته، وانطلاقاً من أن المسألة الوطنية عموماً لا تتبلور إلا من خلال مجمل الصراعات الداخلية، أما منعها بأي شكل فهو وصفة لإعاقة التحول الوطني.
 

سيكون ملحاً على هذا الصعيد التخلص من التصورات غير الواقعية عن مفهوم الدولة/الأمة، فغالبية الدول المستقرة في عالم اليوم وصلت إلى حالتها الراهنة بعد مسيرة شاقة من الصراع الداخلي، وبعضها اختبر حروباً أهلية، أي أن المسألة الوطنية لم تكن إطلاقاً معطى سابقاً ونهائياً، بل هي نتاج صيرورة من الصراعات الداخلية، وصولاً إلى مستوى من الديموقراطية والاستقرار تكاد تنتفي معهما المسألة الوطنية، أو لا تعود تشغل بال أهلها.
 

إذا لم يكن تقسيم سورية مطروحاً، فلن يكون اقتسام السلطة فيها (في أحسن ما يطرح من حلول) سوى وصفة لمنع الصراع الوطني ومنع تحولها في ذلك الاتجاه، أي إكمال ما فعله نظام البعث خلال خمسة عقود، ولو على قاعدة التحول من احتكار السلطة إلى المحاصصة فيها. منع التحول الوطني سيعني ضمناً إبقاء الصراعات الكامنة تهديداً للكيان السوري ككل، وتفخيخه ليكون دائماً على أهبة دورة جديدة من العنف. التعايش القسري غير مثمر بطبعه، بسبب التحاجز بين مكوناته، التحاجز الذي يحول دون الاختلاف والائتلاف، ويحوّل العيش المشترك إلى شعار يغطي على المضي في الانقسام.
 

إذاً، ليس حباً بالدولة الوطنية، ولا لأن السوريين يمتلكون مقوماتها، بل بالضبط لأنهم لا يمتلكون مقوماتها، وليسوا في وارد التقسيم أيضاً، ستكون استعادة الصراع السوري ضرورة للكيان السوري. وما لم يضمن الحل القادم ذلك، فهو لا يتمتع بمقومات الحل ولا الديمومة، إذ لا يمكن «ولا يجوز أخلاقياً» توليد رهاب من الصراعات السياسية، واعتبار كتلة من البشر قاصرة جوهرياً عن ممارسة السياسة؛ هذا ما أثبت فشله طوال حكم البعث ويدفع السوريون ثمنه اليوم. أيضاً، لا بد من الإقرار بأن المسألة الوطنية ليست ترفاً فكرياً، وليست حتى انعكاساً مباشراً لإرادة العيش المشترك، بل طالما فرضتها الضرورة والواقعية ومن ثم ترويض الذات على العيش المشترك.
 

المغامرة في الاستنتاج السابق تتدنى إذا أخذنا حصيلة السنوات الأربع الأخيرة، فبقدر ما كان الصراع عنيفاً للاستحواذ على سورية فهو ينفي الرغبة في تقسيمها أو إمكان حدوثه. على صعيد متصل، بقدر ما قفز إلى الواجهة الصراع على سورية (بدل الصراع فيها) سيكون من الصعب تخيّل إنهاء الصراع الداخلي فقط على وقع تسويات خارجية. تراجع الصراع على سورية شرط رئيسي لعودة الصراع فيها إلى مكانته، وهو أيضاً شرط أساسي لئلا يقع السوريون لاحقاً في مطب رمي أسباب الصراع على الخارج وتنزيه أنفسهم عن فظائعه، أي لئلا يبنوا تصوراتهم عن الصراع على قاعدة التكاذب الوطني.
 

إن بقيت سورية في حدودها الحالية فهي نتاج واقع ينبغي التكيف معه، أول ما يجب تمحيصه جيداً هو أن الكيان السوري شهد خلال عقد ونصف من استقلاله انقلابات عسكرية عدة، ما يستدعي تجريم العنف السياسي، والبناء على قاعدة تلازم المسألة الوطنية مع الديموقراطية والصراع السلمي، هذا أيضاً قطع ضروري مع «بيسماركية» فكرة الأمة لدى البعث. ثم، بناء على ما سبق وخلافاً لتصورات شاعت سابقاً لدى السوريين، سيكون ضرورياً الاعتراف بأن سورية لم تكن وطناً، ولن تكون ما لم يقرروا جعلها كذلك.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان