رئيس التحرير: عادل صبري 12:53 صباحاً | السبت 18 أغسطس 2018 م | 06 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

الربيع العربي ومتاهة الشرعية

الربيع العربي ومتاهة الشرعية

حسن شامي 12 أبريل 2015 08:52

الاعتقاد بأن سنوات الربيع العربي تمخضت عن فوضى عارمة بات أمراً راجحاً. ليس صعباً الإقرار بهذه الخلاصة، أو الحصيلة الموقتة إذا شئتم. مع ذلك يندر أن يأتي الإقرار مجرداً أو خلواً من العواطــف والانـــفعالات. من الطبيعي أن تكون هذه الانفعالات متباينة بالنظر الى سعة التوظيفات العاطفية والشعورية في الحراك الذي لم يترك لأحد من أبناء بلدانه أن يكتــــفي بحيــاد بارد، أي غير مصحوب بجــــرعات كبـــيرة من الخـــــوف والقلق. مثل هذا الترف ليس لنـــا.


فالفـــوضى الضاربة أطنابها في أكثر من بلد عربي تعد بالمزيد من التشـــظي ومن استفحال العصبيات على مختلف أنواعها، إتنية ومذهبية وطائفية وجهوية.

حتى البلدان المرشحة للعثور على بعض الاستقرار، مثل تونس وربما مصر، باتت أقرب إلى أن تكون استثناء نسبياً، مع التشديد على هذه النسبية.

لا يمنع هذا من أن يبقى باب التأويلات المتنافسة مفتوحاً على مصراعيه. فالإقرار بالطابع العـبثي الذي بلغته النزاعات بعد أن استنهضت كل ما يـــــدب في أحشاء مجتمعات مضطربة قد يصحبه تشدد في تعيين المسؤوليات وفي تحديد مداخل ومخارج الحراك الحارق. وقد يدخل في هذا الباب تفسير أشكال التشابك بين التطلعات المحلية والأجندات الإقليمية والدولية المتنافسة.
 

نشعر اليوم بما يفوق الحيرة واليأس والقنوط. نشعر بأننا ذاهبون نحو أقصى المتاهة، كي لا نقول نحو أقصى الظلام. مع ذلك يحلو لكثيرين، خصوصاً في أوساط الإعلاميين والمثقفين، أن ُيداروا قلقهم من مآل الثورات العربية عبر توصيف معين لدخول لاعبين طارئين أفسدوا ولوثوا الربيع الواعد. هؤلاء اللاعبون هم ضيوف ثقلاء وثقيلون. قد تكون حالة «داعش» نموذجية على هذا الصعيد. فهنا ما يشبه الإجماع على أن تنظيم «داعش» وأمثاله اقتحم المشهد اقتحاماً مشبوهاً كما لو أنه نيزك أو إنزال قادم من المريخ. والأمر لا يتعلق بمجموعة أو فصيل من الفصائل الصغيرة التي لا تضن الحروب والنزاعات الأهلية بتوليدها. فنحن حيال تنظيم استولى بقدرة قادر على مساحة جغرافية كبيرة وعابرة للحدود الوطنية المتعارف عليها، بين سورية والعراق في الأقل، إلى الحد الذي يجيز لزعيمه ان ينصب نفسه خليفة للمسلمين وأن يعلن نشوء دولة الخلافة. وهو، علاوة على طابعه الإسلامي المعولم المشتق من ظاهرة «القاعدة»، لجأ ولا يزال إلى أرقى تقنيات الاستعراض المشهدي للقتل العنيف.
 

من المؤكد أن التعتيم الإعلامي، والسياسي، على تنامي الظاهرة الداعشية يتحمل مسؤولية كبيرة عن الطابع المفاجئ لسطوع نجمها إلى الحد الذي استدعى تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لضرب التنظيم ضرباً مدروساً أقرب إلى التأديب واللجم منهما إلى شل القدرة والتدمير.
 

هذا التعتيم، على أهميته في زمن سياسات إعلامية تقرر، هي، ما يستحق صفة الحدث وما يبقى في حدود الحادثة العابرة، ليس موضوعنا الآن. ما يعنينا أكثر هو أن «داعش»، ومن قبله «القاعدة»، وأشباههما يحمل ظهورهما مؤشرات بارزة ليس على اهتزاز ركائز عمل السلطة فحسب بل على خواء مصادر الشرعية التي تحتاجها أي سلطة لإحكام سيطرتها. قد يكون مفيداً التذكير بنماذج السيطرة كما لخصها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر وتشديده على صعوبة العثور على نموذج صافٍ ومستقر أحادياً في مجتمع بعينه. لدينا، بحسب فيبر، ثلاثة أنماط كبرى للسيطرة والسلطان. السيطرة التقليدية المحتكمة إلى قوة التقاليد المتوارثة، والسيطرة أو الزعامة الكاريزمائية التي لعبت تاريخياً دوراً ثورياً يحتمل التحول إلى النمط التقليدي أو إلى العقلانية المصحوبة بتشكل طبقة إدارية نافذة ومستقرة، والسيطرة البيروقراطية العقلانية وهي الأكثر شيوعاً في الغرب. على ان الحدود بين هذه الأنماط التي يمكن معاينتها تاريخياً وفي مجتمعات مختلفة ليست قاطعة بالضرورة.
 

والحال أن تاريخ المجتمعات العربية الحديث، منذ أواخر العهد العثماني حتى أيامنا، حفل بأنماط من السلطة تتفاوت من حيث النمذجة بالنظر إلى تباين أشكال التنظيم الاجتماعي وعلاقته بالسلطة حتى داخل فضاء محلي بعينه. وأدت عمليات التحديث، على عشوائيتها والتباساتها في معظم الأحيان، إلى تحولات طاولت الملكية والمكانة وآليات عمل السلطة من دون أن يقوى المستجد على التبلور في صيغة واضحة وقابلة للترسخ.
 

هكذا أخذت تتآكل مقومات السلطة التقليدية وعائلات الأعيان والذوات في المدن والأرياف بوتائر متفاوتة داخل البلد الواحد احياناً بل حتى داخل فضاء جماعي محلي واحد. من هنا ضرورة عدم التعميم. وانفتحت في ظروف معينة فرص تشكل زعامات كاريزمائية تستند إلى الولاء الطوعي. العامل الأهم هو التدخل الأوروبي في تقرير مصائر السلطة بحيث أصبح أحد مصادر شرعنة السلطة. فلنتذكر مخاطبة بونابرت للمصريين: «... يا أيها المصريون قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلّص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضاً لهم، «إن جميع الناس متساوون عند الله، وأن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب. ماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم، ويختصوا بكل شيء حسن فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، فإن كانت الأرض المصرية التزاماً للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم». ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر من الدخول في المناصب السامية، ومن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقاً كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك [...]. طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم وتعلى مراتبهم، طوبى أيضاً للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين، فإذا عرفوا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقاً إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر».

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان