رئيس التحرير: عادل صبري 08:16 مساءً | الخميس 21 نوفمبر 2019 م | 23 ربيع الأول 1441 هـ | الـقـاهـره °

«أم الدنيا» لا تتّسع لابنتها ... فتدفعها إلى جلباب رجل

«أم الدنيا» لا تتّسع لابنتها ... فتدفعها إلى جلباب رجل

مقالات مختارة

بيسان الشيخ

«أم الدنيا» لا تتّسع لابنتها ... فتدفعها إلى جلباب رجل

بيسان الشيخ 29 مارس 2015 14:55

«حدوتة» إضافية تكاد لا تصدق، انضمت الى سجل الأخبار والروايات الغرائبية الواردة من مصر: سيدة من ناحية الأقصر، اضطرت الى العيش متخفية بزي رجل طوال أربعين عاماً لتعيل ابنتها اليتيمة، كي لا تتعرض للتحرش والمضايقة من الذكور المحيطين بها.

بالطبع، لم تنتشر «الحدوتة» بهذه الصيغة المباشرة، والتي قد يعتبرها كثر من المهللين محرَّفة أو منقوصة. فما أوصل صيصة أبو دوح، وهذا اسمها، الى صدارة العناوين العربية والدولية وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي، ليس السنوات العجاف التي قضتها في مسح الأحذية وصناعة الطوب، مختبئة تحت جلباب وعمامة، وإنما تكريم الرئيس السيسي واستقباله لها شخصياً. والأهم، إعلانها نموذجاً لـ «المرأة العاملة، والأم المثالية» ومنحها مكافأة بلغت 6500 دولار، أي مئة دولار تقريباً عن كل سنة من سنوات الشقاء.
 

هكذا، بين ليلة وضحاها، انتقلت أبو دوح من أكثر الهوامش الاجتماعية ظلمة وبؤساً، الى أكثر بقع الضوء إبهاراً. إنها، هي ماسح الأحذية و«صبي المعلم» على رغم سنواتها التي تجاوزت الستين، في حضرة الرئيس. وليس أي رئيس، فهو الذي سيقود مصر الى بر الأمان بعد أربع سنوات من التخبّط الثوري، وخطر الإسلام السياسي المتمثل بمحمد مرسي، وجشع رجال الأعمال وفساد إدارة حسني مبارك. ماذا يمكن أن تطلب بعد؟ ذلك أكثر مما حلمت به يوماً.
 

والسيدة لم تطلب شيئاً. بل عادت الى مزاولة عملها وارتداء لباسها الرجالي «لأنهما حياتها» كما قالت لقنوات التلفزة المتهافتة عليها، لتنقل قصة «بطولتها». فعلى بساطتها، وقلة تعليمها أو انعدامه، لخّصت معنى أن تكون للإنسان حياة، يعيشها ويركن إليها مهما بلغت قسوتها. فهي امرأة عاشت في زي رجل، وكان يمكن لتلك الفعلة وحدها أن تعرّضها لكم هائل من المخاطر ليس أقلها تهمة «التشبه بالرجال» التي شاعت أخيراً تحت تسميات كثيرة. لكن حياتها الغريبة، هي كل ما اختبرت وما تملك. ولا شك أن أي اهتزاز أو تعديل في تلك المعادلة، سينسف ما أنجزته في الماضي وفكرتها عن ذاتها.
 

والى تلك الفكرة الفلسفية غير المدركة، كشفت أبو دوح عن جانب آخر من مأزق الفرد، والأنثى تحديداً، في مجتمع يفرض قيوداً صارمة في السلوك والمظهر والتفكير... وحتى الأمل بالغد. فالحرمان لا يقتصر على افتقار فئات اجتماعية كاملة الى أدنى الحقوق ومقومات العيش الكريم، وهي مسؤولية الرؤساء المتعاقبين كلهم، بل يتخذ أحياناً كثيرة شكل مصادرة أحلام تلك الفئات. فيضطر الأفراد إذّاك الى اعتماد المواربة والتحايل على منظومة يحكم القوي بموجبها الضعيف، لا للترقي الاجتماعي، بل للبقاء فحسب.
 

هذا تحديداً ما قامت به أبو دوح غريزياً وتلقائياً، عندما أنكرت هويتها، وتبنت هوية الجماعة الأقوى لتحمي طفلتها. هكذا تفعل حيوانات الغاب عندما يحدق الخطر بصغارها، وهكذا أيضاً تفعل الأقليات عندما تواجه الإبادة والطرد، وهكذا تحتمي النساء عندما يهدَّدن بالتحرش والاغتصاب... أو ربما، هذا ما يجب أن تفعله النموذجيات والمثاليات منهن! ألم تكرَّس أبو دوح قدوة لنساء مصر؟
 

لكن الواقع أنها لم تفعل سوى نقل فكرة التقية وسلوكياتها من خانة الغريزة والدين والسياسة الى خانة الجندر. فجعلت العيش في هوية مزدوجة طوال أربعين عاماً، فعل بطولة وأمومة بامتياز... وفق معايير التكريم. لكنها بطولة لا يملكها ولا يطمح إليها إلا البؤساء مثلها. وفي ذلك قسوة وظلم وإهانة لإنسانيتها قبل أنوثتها، ما لم يستوقف المهلّلين لتكريمها. فهل لنا أن نتخيل مثلاً تكريم رجل عاش في ثياب امرأة؟
 

وللبعض أن يقول إن المسألة محيّرة. فإن كرِّمتْ على جهودها المضنية تذمرنا، وإن أُهملت تذمرنا أكثر.
 

لا شك أن قصة السيدة أبو دوح تحمل على الحيرة والتفكير، لأنها نموذج من ملايين المصريين الذين يعيشون مثلها بلا أدوار بطولة ونياشين. وليس الاعتراض على التكريم جوهر القضية، فهي تستحق كل احترام وإعجاب، لكن تحويل تلك المعاناة الى طموح للفتيات والنساء اللواتي انتفضن قبل 4 سنوات على الفقر والظلم والبطالة والتحرش وما عانته أبو دوح، هو ما يثير الذعر، فوق الحيرة.
 

فجوهر المسألة، ما تكشفه هذه القصة عن البيئة المحيطة بالمرأة والقيم الناظمة لها ولزمنها. وهو، مرة أخرى، ما تتشاطره مع ملايين غيرها من النساء والرجال المصريين. فأبو دوح امرأة ريفية حرمت التعليم وبالتالي الوظائف والأعمال التي قد يجلبها معه، ولا تملك تكويناً مهنياً يؤهلها لأكثر من مسح الأحذية وصناعة الطوب. كل ما تملكه هويتها الجنسية، أو بالأحرى جسدها الذي يؤهلها للزواج والإنجاب مجدداً بعد وفاة زوجها. وذلك ما قالته بنفسها من دون كثير تكلّف وتمحيص.
 

وقد يتساءل المرء: لماذا رفضت شابة في ريعان الشباب «ظل رجل»، وفضلت «ظل الحيطة» على ما يقول المصريون، وهي التي نشأت في محيط لا يمنحها الأمل بأكثر من ذلك؟ لنا أن نرسم السيناريو تلو الآخر من دون أن نصل بالضرورة الى إجابة شافية. هي قررت ونفذت وكفى.
 

ربما ساعدها في ذلك انتماؤها الى بيئة ريفية، لا يختلف فيها زي الرجل عن زي المرأة كثيراً، حيث الجلباب الطويل وغطاء الرأس وبعض التسامح الفطري الذي يتقبل أحياناً حالات نافرة فيه لأسباب غير واضحة. فلو أنها هبطت الى العاصمة، في السبعينات، لانضمت الى ملايين غيرها شكلوا لاحقاً أحزمة البؤس ومجتمع العشوائيات، ولما تمكنت من اعتماد خيارها وفرضه على محيطها. لكن سكان العشوائيات أيضاً، جلبوا معهم أنماطاً وقيماً طوروها بما تيسر من أدوات تعليم سيئ واحتكاك قاس بالمدينة، ودوني بأهلها أحياناً، فتحولت تلك القيم مع الوقت ثقافةً شائعة في القاهرة نفسها. وعوض أن يكون اكتشاف حالتها فرصة للبحث في مواطن الخلل والتقصير في التعليم، وإنماء الأرياف، وتمكين المرأة بعيداً من المؤتمرات الدولية وشعارات منظمات المجتمع المدني، والنظر في أسباب كل ذلك الاحتقان الجنسي وما يؤديه من رعب على الجسد الأنثوي، تم تكريس آليات الدفاع والازدواجية السلوكية بصفتها فعل بطولة. كأنها ببساطة دعوة للمصريات كافة إلى التشبّه بالرجال... درءاً للفتنة وحفاظاً على سباتها العميق.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان