رئيس التحرير: عادل صبري 08:10 صباحاً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

ثورات الربيع العربي بنتائجها المخيّبة لا بالتفاصيل

ثورات الربيع العربي بنتائجها المخيّبة لا بالتفاصيل

عزت صافي 26 فبراير 2015 18:59

إذا كانت الثورات بنتائجها، لا بتفاصيلها، فثورات العالم العربي التي بدأت في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010 هي الكارثة التاريخية المرشحة لأن تكون عنوان القرن الحادي والعشرين، وقبلها كانت الحرب العالمية الأولى عام 1914 فاتحة كوارث القرن الذي سبقه.

وإذا كانت الحرب العالمية الأولى غيّرت خريطة أوروبا، كما غيّرت خريطة الشرق الأوسط، ومن ضمنه الدول العربية، فإن الحرب العالمية الثانية (1940-1945) أتاحت لهذه الدول أن تتحرر من الاستعمارين الفرنسي والبريطاني بعدما تقاسما النفوذ في سياستها وقراراتها.

في ذلك الزمن كانت الولايات المتحدة الأميركية تراقب من بُعد وترصد حركة الدول العربية واتجاهاتها من خلال حكوماتها وأحزابها، وزعاماتها، وإداراتها المدنية والعسكرية، وقد اختبرت قدراتها، ومفاصل قوتها، ونقاط ضعفها، وهناك، في واشنطن، كما في لندن وفي غيرهما من عواصم أوروبا، كانت خريطة فلسطين مكبّرة على جدران غرف العمليات المشتركة بين جنرالات الحرب وقادة العصابات الصهيونية، وبينهم الخبراء اليهود من داخل فلسطين.

لم تكن قد مضت سنتان على نهاية الحرب الأولى حين صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بشبه إجماع على مشروع تقسيم فلسطين بين العرب واليهود. ومع أن حصة الفلسطينيين في بلادهم كانت أكبر من حصة اليهود المتجمعين من مختلف أقطار الأرض، فقد راهن اليهود والأميركيون على أن الفلسطينيين سوف يرفضون المشروع، وسوف تؤيدهم الدول العربية. وهذا ما حصل.

أكثر من ذلك، راهن اليهود والأميركيون على أن الدول العربية سوف تشن حرباً للسيطرة على الأراضي المقتطعة من فلسطين، وسوف تخسرها. وهذا ما حصل. فقد اندفع المجاهدون من كل أنحاء فلسطين ومن جميع الأقطار العربية للدفاع عن بيت المقدس، ثم لحقت بهم الجيوش، لتنتهي الثورة والحرب إلى هزيمة حملت لعنة 1948.

هذه خلاصة سريعة من تاريخ الكارثة العربية الأولى في منتصف القرن الماضي، وهي مطابقة تماماً لمقدمة الكارثة العربية الثانية التي بدأت في مطلع هذا القرن، مع اختلاف الأنظمة والحكام، وانقلاب موازين القوى والأسلحة، وتنوع تقنيات علوم الحياة والعيش في أمان وحرية واستقرار.

ما كان لهذه الكارثة أن تقع لو لم يُقدم ذلك الشاب التونسي محمد البوعزيزي على الانتحار بإشعال النار في ثيابه انتقاماً من السلطة الجائرة، وقد رآها متمثلة بشرطية تونسية منعته من جر عربته المخلّعة المحمّلة بالفواكه والخضار، وهي مصدر رزقه الوحيد.

«سبب سخيف...» هذا ما قيل يومها (17-12-2010) في ضاحية «سيدي بوزيد» التونسية. لكن السبب كان أكبر وأخطر من حدث عارض واجهه الشاب الضحية. كانت هناك ثورة شعبية مكبوتة في أعماق جيل الشباب التونسي، فانفجرت وامتد لهبها إلى مصر، ثم إلى ليبيا، فاليمن، وصولاً إلى سورية.

لكن بعد أن دخلت الثورات العربية عامها الخامس مخلّفة وراءها مئات آلاف الشهداء والضحايا بين خرائب المدن والأرياف. وبعد نزوح ملايين العائلات إلى حيث تيسرت لها الإقامة والأمان.

وبعدما استيقظت شياطين التكفير والذبح والسبي، واندفعت نحو مدن الحضارات والتاريخ، حاملة سيوفها وخناجرها وحرابها ومتفجراتها، وراحت تقيم أعراس الموت في بيوت الأطفال والنساء والعجّز.

وبعدما تلاشت هيبة بعض الجيوش العربية وقواعد الحلف الأطلسي داخل البلاد العربية وعلى أطرافها.

وبعدما استراحت إسرائيل واطمأنت على حدودها من كل الجهات المفتوحة على الفضاء العربي.

وبعدما انتقلت من مرحلة تأسيس دولتها ومؤسساتها العسكرية والصناعية على ثلثي فلسطين خلال ستة عقود مضت، ها هي تنتقل إلى المرحلة الثانية الجارية حالياً، وهي مرحلة الاستيلاء على كامل فلسطين...

بعد كل ذلك، راح المراقبون والمتابعون من العرب وسواهم، يستعيدون سيرة روّاد ذلك «الربيع العربي» الذي افتتحه الشاب التونسي «بوعزيزي»، وبعده انتفاضة الفتوّة في مدينة «درعا» السورية حيث راحوا يكتبون بطبشور المدرسة على الجدران: «نريد الحرية... نريد المستقبل... نريد العيش بكرامة»... فانهال النظام عليهم بالرصاص والقنابل.

هؤلاء الروّاد الأوائل الشهداء الأبرياء، يستذكرهم ذووهم وسائر العرب في مطلع السنة الخامسة من ثورة ربيعهم الذي تحرقه قنابل النظام السوري وبراميله المتفجرة، فيما أرتال التنظيمات الهمجية تسحق أحلامهم.

ولشدة الحسرة يسخر ذووهم، ومعهم الملايين من جيلهم، وهم يخاطبونهم وكأنهم هم كانوا «رأس المؤامرة».

ماذا فعلتم بهذه الأمة العربية الإسلامية والمسيحية؟

كانت هذه الأمة ساكنة هادئة، راضية، قانعة بما قسم الله لها من نصيب، وبما قسمت لها الأنظمة الجائرة من فقر وعذاب وذل، حتى جئتم وأشعلتم النار في هذا الهشيم العربي المتراكم عبر العقود، وفوقه القهر، والصلف، والكذب، والخنوع، والخيانة...

لقد وصل العالم العربي إلى حافة التفكك والاندثار. فالعداوات تطلع من أعماق التاريخ، وكأن الزمن يعود إلى القرون الوسطى، فمن بإمكانه أن يتخيّل كيف سيعاد تركيب سورية، أو العراق، أو ليبيا، أو اليمن؟

ولا بدّ أن الأميركيين شامتون بجميع العرب، وكأنهم يخاطبونهم من بُعد:

خلعنا ديكتاتوركم الطاغية صدام حسين، ثم تغاضينا عن محاكمته حتى إعدامه، وخرجنا من بلادكم تاركين لكم حرية قراركم بالانتخاب لتنشئوا ديموقراطية لطالما ناديتم بها وضحيتم من أجلها، فماذا فعلتم ببلادكم وشعبكم؟

ولا بدّ أن الفرنسيين يقولون لأهل ليبيا:

خلصناكم من معمر القذافي، وساهمنا في الحفاظ على ما تبقى من جيشكم ومؤسساتكم، وكنّا نتصور أنكم سوف تستعيدون حكمة أسرة السنوسي، وشجاعة عمر المختار، فماذا فعلتم ببلادكم وشعبكم وثرواتكم وأرصدتكم التي كانت في مرتبة الترليونات من العملات النقدية الصعبة، والآن خزينتكم شبه خالية وموازنتكم في حالة عجز، وسوف تلجأون إلى القروض الخارجية.

أما سورية فإنها في أتعس أزمنتها، ومع ذلك فإنها تسند ظهرها إلى جدار الحلف الأطلسي، والبرهان في صحيفتها الناطقة باسم نظامها، وهي «الوطن» التي صدرت بتاريخ 24/9/2014 وعلى صفحتها الأولى عنوان على عرض الصفحة، وبالخط العريض: «واشنطن وحلفاؤها في خندق واحد مع الجيش السوري لمكافحة الإرهاب»!

هذا هو الخطاب الثوري الجديد لنظام المواجهة والممانعة فيما واشنطن تغمض عينيها عن جحافل «داعش» وأخواته.

وأما اليمن فإنه يمر في مرحلة هي الأقرب إلى الأعجوبة. فلا هو دولة. ولا هو نظام. ولا هو قبيلة... إنه مزيج مركب من كل تلك المسميات.

هكذا تبدو المنطقة العربية المتوسطة متجهة نحو مصير غير محدد. فإذا كان العراق قد دخل في ذمة جورج بوش الإبن، فإن هذه المنطقة تبدو ذاهبة لتدخل في ذمة باراك أوباما. وليس مستبعداً أن تسقط أكثر من دولة عربية في صفقة تتم بين أوباما والإمام علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، وقد يكون الجزء الباقي من فلسطين ضحية في هذه الصفقة التي، إذا تمت، فسوف تكون المفصل التاريخي في مسار الشرق الأوسط والعالم.

 

 

* نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان