رئيس التحرير: عادل صبري 06:16 صباحاً | الاثنين 19 فبراير 2018 م | 03 جمادى الثانية 1439 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

فتور في مصر على أبواب الانتخابات

فتور في مصر على أبواب الانتخابات

مقالات مختارة

محمد شومان

فتور في مصر على أبواب الانتخابات

محمد شومان 25 فبراير 2015 19:47

هناك أسباب كثيرة تفسر عدم الاهتمام العام بالانتخابات البرلمانية في مصر، منها تحديات الإرهاب في الداخل و «داعش ليبيا»، ومشكلات الاقتصاد، لكن السبب الأهم هو تراجع المجال العام وتغييب السياسة في جمهورية 30 يونيو لمصلحة اعتبارات الأمن والاستقرار التي فتحت المجال لعودة القبضة الأمنية وتهميش الشباب والأحزاب، والتراجع عن آليات التفاوض المجتمعي وعدم الاهتمام بالمشاركة الشعبية واختزالها في التعبئة والحشد والتأييد لسياسات تتخذها الدولة من دون مشاركة الناس والأحزاب.

 

كانت الاعتبارات الأمنية والخوف من عودة «الإخوان» من بوابة البرلمان وراء الأخطاء والتشوهات التي شابت مواد قانون الانتخابات البرلمانية وتقسيم الدوائر، وجعلتها عرضة للحكم بعدم دستوريتها وبالتالي احتمال تأجيل الانتخابات إلى الخريف المقبل حتى يتسنى تعديل تلك القوانين وإعادة إجراءات الترشح، وحتى إذا أجريت الانتخابات في موعدها المقرر وتشكل برلمان جديد، فإن هناك احتمالاً بالطعن في سلامته ما يمكن أن يعرضه للحل، والعودة إلى المربع الأول، بالتالي ضياع جهد ووقت وأموال لا شك في أن مصر في حاجة إليها. هذه الاحتمالات، إضافة إلى تغييب السياسة، ربما تفسر الفتور الذي شاب التقدم لخوض هذه الانتخابات وتراجع أعداد المرشحين مقارنة بانتخابات البرلمان عام 2011 - 2012، والتي خاضها 10251 مرشحاً، بينما بلغت الحصيلة شبة النهائية لأعداد المتقدمين للانتخابات الحالية 5609 مرشحين في الدوائر الفردية، والتي خصص لها 420 مقعداً، و1290 مرشحاً في نظام القوائم، والذي خصص له 120 مقعداً موزعة على 4 دوائر فقط تغطي كل محافظات مصر ومدنها.

تراجع أعداد المرشحين ربما يرجع جزئياً لمقاطعة «الإخوان» وأنصارهم وهو مؤشر لاستمرار الانقسام والاستقطاب في السياسة والمجتمع، وعدم مشاركة كل القوى السياسية في الانتخابات، فقد أعلنت بعض الأحزاب والقوى المدنية مقاطعتها احتجاجاً على قانون الانتخابات واعتماد نظام الغالبية المطلقة في الانتخابات بالقوائم (50 في المئة + 1) والعودة إلى الانتخابات الفردية. لكن، يبقى القلق والفتور في الانتخابات المقبلة هما الدلالة الأهم لتراجع أعداد المرشحين لعضوية البرلمان. وبغض النظر عن الحكم القضائي المنتظر في دستورية قانون الانتخاب والدوائر، فإن هناك على ما يبدو إصراراً من الدولة على إجراء الانتخابات في موعدها، تحركه الاعتبارات الأمنية مرة أخرى (القدرة على تأمين وتنظيم انتخابات نزيهة) تضاف إليها اعتبارات اقتصادية تتعلق بأهمية وجود برلمان منتخب قبل المؤتمر الاقتصادي المقرر عقده في الشهر المقبل وذلك لاستكمال المرحلة الأخيرة من خريطة الطريق التي أعلنها الرئيس عبدالفتاح السيسي عند إطاحة حكم «الإخوان»، وبالتالي تعظيم الضمانات الجاذبة للاستثمارات العربية والأجنبية إلى مصر. هكذا يتحول انتخاب البرلمان إلى مجرد أداة لاستكمال مؤسسات الدولة أمام العالم الخارجي، أما عن مدى قدرته على التشريع والمراقبة، وتجسيد أهداف ثورتي 25 يناير و30 يونيو، أو تمثيل كل القوى الفاعلة في المجتمع... فهي أمور تبدو مستبعدة، وذلك بالنظر إلى مناخ وسياق الاستعداد للانتخابات، والذي شهد عودة قوية لرموز دولة حسني مبارك ورجال «الحزب الوطني» المنحل، وهم في الأغلب رجال أعمال ومحترفو سياسة وممثلون لعصبيات وأسر كبيرة في الريف، ما يرجح عودة هيمنة رأس المال السياسي ونواب الخدمات في الريف على تركيبة البرلمان الجديد، حيث تصدر هؤلاء أسماء المرشحين علاوة على رجال الدولة (الدولاتيين) العابرين لأزمنة حكم السادات ومبارك ومرسي والسيسي. ولعل ما يضاعف فرص نجاح هؤلاء مجموعة من الأسباب أهمها:

1- انحياز قانون الانتخاب وتقسيم الدوائر لمصلحة النظام الفردي الذي يسمح لرجال الأعمال والقادرين مالياً وأبناء العائلات وعصبيات الريف بالفوز في الانتخابات، سواء من خلال شراء الأصوات بطرق وأساليب غير مشروعة أو بالاعتماد على الولاءات الأسرية والقبلية والجهوية. وقد سمح قانون الانتخاب بإنفاق نصف مليون جنيه على الدعاية الانتخابية في الجولة الأولى و200 ألف جنيه في جولة الإعادة، أي بمجموع 700 ألف جنيه (حوالى 92 ألف دولار) وهو مبلغ كبير لا يتوافر لغالبية المصريين، بخاصة الشباب الذي أحجم عن الترشح على رغم خفض حق الترشح إلى 25 سنة بدلاً من 30 سنة في قانون الانتخاب السابق.

2- الطابع غير السياسي للانتخابات البرلمانية حيث تراجعت الأفكار والبرامج الانتخابية لمصلحة العلاقات القديمة والأشخاص، ومدى الاقتراب من الدولة أو تسويق هذا الادعاء. في هذا السياق أدى تقسيم مصر إلى أربع قوائم انتخابية إلى إرباك الأحزاب والقوى السياسية حيث دخلت في تحالفات انتخابية هشة سرعان ما انهارت، كما فشل اقتراح خوض الأحزاب الانتخابات في قائمة واحدة، وانتهى السباق الائتلافي الهش والمتحرك بين الأحزاب إلى تشكيل سبع قوائم لا تعتمد على أفكار أو برامج سياسية، ما أكد الطابع غير السياسي للانتخابات، والذي يرى البعض أنه جزء من السمة العامة لجمهورية 30 يونيو. وتتهم بعض الأحزاب أجهزة الدولة بدعم قائمة يتصدرها رجال دولة سابقون، والمفارقة أن حزب الوفد تحالف معها، والخوف أنه في حال نجاح تلك القائمة قد يلتف حولها نواب الخدمات والأسر الكبيرة التي تبحث دائماً عن الاقتراب من الدولة، ما يشكل نوعاً من إعادة إنتاج البرلمانات في عهد مبارك، بمعنى أنه عوضاً عن وجود حزب يقوده رئيس الجمهورية سيظهر حزب أو تجمع سياسي في البرلمان يقوده «دولاتيون» محسوبون على الرئاسة.

3- ضعف وتشتت أحزاب وائتلافات شباب الثورة، لأسباب تتعلق باختلافاتها تجاه الموقف من «الإخوان» والإرهاب، وأولوية الأمن والاستقرار أو الديموقراطية وحقوق الإنسان، علاوة على فشلها في تنظيم صفوفها والعمل في الشارع بين الناس، بخاصة بعد تعرضها لحملات تشويه من بعض رموز الإعلام الخاص واتهامها بالعمالة للخارج، ما باعد بينها وبين غالبية المصريين التين أصبحت أسيرة نظرية المؤامرة الخارجية التي تحيط بالدولة وتهدف إلى هدم أركانها بمساعدة شباب الثورة ودعمهم، وكل من يختلف مع توجهات السيسي وحكومته.

4- احتمال تراجع نسب التصويت في الانتخابات المقبلة في ضوء انحسار السياسة وغياب «الإخوان» ومقاطعة بعض الأحزاب والقوى المدنية، وتهميش الشباب حيث يتوقع ألا تزيد نسب المشاركة على 35 في المئة، ويسمح ذلك في ظل نظام النظام الفردي بتعاظم تأثير رأس المال السياسي (شراء أصوات الفقراء) والحشد الأسري والجهوي، وهي أمور تدرب عليها رموز نظام مبارك ومارسوها لسنوات طويلة.

5- ضعف أدوات الرقابة المجتمعية على العملية الانتخابية سواء من خلال الآليات التي ينص عليها القانون وتمارسها اللجنة المشرفة على الانتخابات، أو منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وثمة مخاوف متعاظمة من خلط الدين بالسياسة في الحملات الانتخابية للسلفيين، ومن تحيز التغطية الإعلامية للانتخابات في ظل نمط الملكية السائد في الإعلام المصري وقوة تأثير الإعلام الخاص الذي تملكه وتديره مجموعة من رجال الأعمال يخوض بعضهم الانتخابات أو يترأس أحزاباً سياسية تخوض الانتخابات، وبالتالي صعوبة الفصل بين المصلحة الحزبية الخاصة واعتبارات التوازن في التغطية الإعلامية. من جهة أخرى، فإن البيئة القانونية والتشريعية الحالية التي تنظم الإعلام قديمة، وعاجزة عن المتابعة والتقويم والمحاسبة، حيث لم تفعّل حتى الآن مواد الدستور الجديد التي أعادت تنظيم الهيئات المشرفة على الإعلام.

تركيب البرلمان المقبل في حال إجراء الانتخابات في موعدها سيعيد في الغالب إنتاج برلمانات نظام مبارك، بتحيزاته الاجتماعية وحرص أعضائه على الحفاظ على مكاسبهم، ما يجعله منحازاً إلى القديم وغير قادر على التشريع والرقابة والتغيير أو تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية والحرية وهي المطالب التي حركت الجماهير في انتفاضتها ضد نظام مبارك في 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وضد نظام «الإخوان» في 30 حزيران (يونيو) 2013، ما قد يضاعف من مشاعر الإحباط والتهميش لدى قطاعات واسعة في مقدمها الشباب الذين قد يتمردون على سردية المؤامرات الخارجية والداخلية لهدم الدولة وتقسيم مصر، خصوصاً إذا لم تنجح محاولات النهوض بالاقتصاد في إيجاد فرص عمل وتخفيف الأعباء الاجتماعية عن غالبية المصريين، الذين زادت معاناتهم في سنوات الثورة الأربع وارتفع أيضاً سقف تطلعاتهم. من هنا، قد نتفهم أسباب دعوة بعض أفراد النخبة السياسية والفكرية لتأجيل الانتخابات إلى الخريف المقبل، ولحين البت في دستورية قانون الانتخاب وتقسيم الدوائر، مع اقتراح إدخال تعديلات واسعة لضمان تمثيل الشباب والمرأة. لكن هذه الدعوة على وجاهتها تتعارض مع تأجيل الاستحقاق الأخير من خريطة الطريق والتي تأخرت طويلاً، وسمحت للسيسي بالجمع بين سلطاته وسلطة التشريع، وهو بلا شك عبء كبير قد لا يرغب فيه.

 

 

* كاتب مصري

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان