رئيس التحرير: عادل صبري 11:59 صباحاً | الأحد 25 فبراير 2018 م | 09 جمادى الثانية 1439 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الصين تنشأ قناة بحرية جديدة شمال ماليزيا

الصين تنشأ قناة بحرية جديدة شمال ماليزيا

علوان أمين الدين 25 فبراير 2015 19:25

في زيارة للصين آب/أغسطس 2014، سألت احد كبار المسؤولين في الخارجية الصينية: “ماذا لم تم اغلاق مضيق ملقا بوجه الصين ضمن الصراع الاقتصادي الخفي مع الولايات المتحدة خصوصاً وان المحللين الاستراتيجيين يتعبرون بأن المحيط الهندي سيكون مسرح للصراع العالمي في القرن الواحد والعشرين؟” اجاب وعيناه ممتلئة بالحذر “ان مثل هكذا خطوة ستكون ضربة في العمق الاستراتيجي الصيني”، واضاف بكل تأكيد “لن نسكت على ذلك.” من خلال رده الفعل هذه، تشعر لأول مرة بأن الصين ليست بعيدة عن استخدام جميع الوسائل، حتى العسكرية منها كآخر الخيارات، من اجل حماية امنها القومي والحفاظ على نموها الاقتصادي.


يعتبر مضيق ملقا ممراً اساسياً لطريق “الحرير البحري” نحو الغرب، منه تتجه الصين الى الدول المشرفة على المحيط الهندي مروراً بالخليج العربي والبحر المتوسط وصولاً الى اوروبا وشمال افريقيا. كما يعتبر ممراً حيوياً للوصول الى القارة الافريقية من جهتي الشرق والجنوب، حيث للصين مناطق تجارية كبيرة تتمركز على سواح الدول المتشاطئة.

برز اهتمام الصين في مشروع يقيها “شر” المرور في مناطق قد تصبح مقفلة عليها مستقبلاً حيث ابدت اهتماماً كبيراً بالاستثمار في “قناة سيتم شقها عبر (برزخ) كرا ايسثموس في جنوب تايلاند كقناة آسيوية على غرار قناة بنما، لتخفيف الضغط على مضيق ملقا ومشاريع ربط منطقة البحر الكاريبي بالمحيط الهادي. وبحكم التمركز الجغرافي للصين ومشاريعها العملاقة لربط قارات العالم لا محالة أنها قادمة بقوة مستخدمة سلاح الربط بين أسواق العالم بصورة خلاقة، وتطبيق القواعد الجديدة بلكنة صينية خالصة، وإن كانت القيادة ستبدو جماعية مع حلفائها في ظل تراجع الولايات المتحدة البطيء.”

ففي آذار/مارس عام 2014، ذكرت صحيفة ديلي الصينية أن شركتي LIUGONG وXCMG للمعدات الثقيلة قد استعدادتا فعلاً للبدء في المشروع غير ان الشركتين اعادت ونفتا الموضوع.

بالنسبة للمشروع، من المتوقع ان يستغرق، حال البدء بتنفيذه، بحدود 5 سنوات مع تكلفة اولية تقدر بـ 650000 مليون باهات تايلاندي اي ما يعادل حوالي 19.9 مليار دولار، فطول القناة وعرضها ومكانها حفرها لم يحدد بدقة بعد.

بغض النظر عما سبق، يبقى هناك سؤال محوري حول المشروع بشكل عام. هل سيكون ذو فائدة عملية؟ ام انه مجرد تخطيط ليس له قيمة؟!
من خلال المتابعات والدراسات، تتبلور العديد من الفوائد يتمثل اهمها في:

– فوائد عامة:

1. اختصار الوقت. ان السفن العابرة لمضيق ملقا ستوفر ما بين يوم الى ثلاثة ايام (حسب حجم السفينة) عن المسار البحري الذي تمر فيه. وبسبب جغرافية المضيق الصعبة، فان معدل سرعة السفينة هو اقل من 12 ميل بحري في الساعة اي ما يعادل 20 كلم؛

2. التوفير بمسافة القناة نفسها عبر المرور فيها (حوالي 800 كلم) من جهة، والدوران لجهة مضيق ملقا صعوداً الى الشمال لناحية بحر الصين الجنوبي من جهة اخرى حيث انها ستدور على شكل حرف “U” تقريباً. ان المشروع سيوفر مسافة تقدر بحوالي 1200 الى 1400 كلم من جهة مضيق ملقا وحده اذ تزيد المسافة اكثر بكثير حال المرور في مضيقي لومبوك وسوندا. للعلم، ان برزخ “كرا ايسثموس” يبلغ حوالي 44 كلم، عند انحف نقطة فيه؛

3. التوفير في الوقود الذي سينعكس ايجابياً لناحية التقليل من الاضرار البيئية لجهة انبعاثات الغازات الملوثة ام تلوث المياة من جراء العبور الكثيف للسفن يومياً؛

4. التوفير في مصاريف الشحن وهو انعكاس حقيقي يعود سببه للتوفير في الوقت والمسافة والوقود؛

5. من المتوقع ان تنخفض مبالغ التأمين على السفن المارة لتدني امرين: التصادم والقرصنة. ان مضيق ملقا ينتهي بمجموعة من الجزر الصغيرة وانتشار الضباب بشكل كثيف يزيد من امكانية التصادم البحري، علاوة على تربص القراصنة على مخرج المضيق. فعلى الرغم من “تأكيد كل من إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة على حقهم الأوحد في حماية المضيق وتأمين الأمن للملاحة عبره، فإن دولاً أخرى عرضت خلال مراحل مختلفة المساهمة في ذلك، من بينها:

أستراليا، واليابان، والصين والولايات المتحدة الأميركية والهند.” في هذا الخصوص، صرح مدير المكتب البحري الدولي بوتنجال موكوندان قائلاً “استهدفت هذه الهجمات الخطيرة حتى الآن الناقلات الصغيرة أثناء إبحارها بالقرب من السواحل، وننصح هذه السفن بالإبقاء على إجراءات صارمة مناهضة للقرصنة فى هذه المياه، والإبلاغ عن كل الهجمات وعمليات الاقتراب المثيرة للريبة من جانب المراكب الصغيرة”، واضاف “إن عدد حوادث القرصنة فى العالم انخفض من 116 من كانون الاول/ يناير إلى حزيران/يونيو الماضيين (2014)، مقارنة بـ 138 حادثاً جرى الإبلاغ عنها فى نفس الفترة من العام الماضي (2013).”

زيادة في الاحتياط، قررت قوات الدفاع من الدول العشرة الأعضاء لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) التخطيط لإجراء مناورات بحرية مشتركة الأمن في مضيق ملقا في عام 2015؛

6. هذا المشروع “سيهدئ من الاكتظاظ المروري” الذي يشهده المضيق؛

7. تحتاج السفن الضخمة الى عمق يزيد على العشرين متراً كي تستطيع المرور. حالياً، لا يمكن لهذه السفن المرور في ملقا اذ عليها الذهاب الى مضيق سوندا او لومبوك مما يزيد من الوقت المستغرق، والمسافة والكلفة. هذا الامر قد يكون من الاشياء التي يمكن لقناة “كرا” ان تستفيد منها ايجابياً؛
8. ان منسوب المياه بين مدخلي القناة مناسب جداً، اذا لا يزيد الارتفاع عن متر واحد ما يعطي ميزة اضافية للمشروع بحيث يمكن التخلي عن بوابات حاجزة للمياه الهدف منها رفع وخفض المنسوب على غرار قناة بنما.

– فوائد خاصة بتايلاند:

1. سيؤدي المشروع الى ايجاد دخل مادي كبير من جراء تقاضي رسوم المرور اذ يقدر عدد السفن التي ستمر فيها يومياً ما بين 300 و350 سفينة. مع العلم بأن المرور في مضيق ملقا هو مجاني، الا ان التوفير في المسافة والوقت والوقود وكلفة التأمين قد يدفع العديد من السفن من استخدام القناة كبديل عن المضيق؛
2. تشغيل عدد كبير من اليد العاملة في القناة والمرافق التابعة لها او تلك التي ستنشأ على ضفافها (مرافئ للصيد مثلاً)؛

3. ستصبح القناة محطة للمشاريع الاستثمارية مما يرفع قيمة الاراضي على ضفتيها، وسيجذب رؤوس الاموال العالمية، اضافة الى استفادة لتايلاند نفسها. على سبيل المثال، ستأخذ تايلاند مكان سنغافورا لجهة الخدمات التي تقدمها للسفن المارة بالمضيق حيث تزود الاخيرة السفن بحوالي 56700 طن من الزيوت يومياً. ان مبيع شهر واحد من الزيوت يوازي مبيع نفس الكمية في تايلاند ولكن خلال عام كامل؛

4. توفير الامن لتايلاند من خلال الاشراف الامني الكامل على القناة مما سيخفف من زيادة المخاطر؛

5. الاستفادة من المشاريع التي ستقوم بمناسبة القناة كالجسور والانفاق التي ستنشأ كونها ستفصل اقليم تايلاند البري الى قسمين: شمالي وجنوبي.

– فوائد خاصة بالصين:

1. الخروج من تحكم الدول المشرفة على المضيق. ففي حال كسبت المشروع، ستكون القيم المباشر على ادارة القناة كما هو الحال في مشروع قناة نيكاراغوا التي بدأت بتنفيذه. من هنا، تسعى الولايات المتحدة جاهدة الى ابرام العديد الاتفاقيات مع الدول المشرفة على المضيق من اجل تعزيز تواجدها العسكري فيه، مما قد يؤدي الى امكانية اقفاله بوجه بكين لعدم وجود اتفاقية دولية تنظم حركة المرور فيه (قناة السويس على سبيل المثال).

اضافة الى ذلك، يرى البعض بأن مضيق ملقا يحظى بأهمية اضافية للولايات المتحدة لكونه “يمثل الشريان الحيوي لواردات حلفائها في المنطقة لاسيما اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان من جهة، وكذلك بالنسبة إلى خصم هذه الدول والنجم الصاعد على المستوى الإقليمي والدولي، ألا وهو الصين.”

2. اقامة مناطق اقتصادية حرة صينية على ضفاف القناة مما يعطي دخلاً اضافياً لها، ويساعد في تنمية وزيادة صناعاتها ويخفف من كلفة الانتاج ما ينعكس على نمو وزيادة حجم الصادرات؛

3. ان وجود مناطق اقتصادية يستدعي تواجد عسكري في حال التوترات للحفاظ على المصالح، وهو امر طبيعي بالنسبة للعلاقات الدولية المعاصرة اذ تعتبر الدول الكبرى بأن اي مس بمصالحها التجارية في الخارج هو مس بأمنها القومي.

– استفادة لقارة آسيا ككل:

يرى مرشح الرئاسة السابق والباحث الامريكي لندون لاروش بأن هذا المشروع يعتبر حيوياً وسيشكل دفعة للامام فيما خص التنمية الاقتصادية وتحديداً لمنطقة شرق وجنوب آسيا. اضافة الى لاروش، يتمنى بعض الكتاب الاستراتيجيين “ولادة” هذه القناة لما فيها من خير كبير.

المراجع العربية:

– د‏.‏ أنور عبد الملك، من آسيا الوسطى إلى المحيط الهندي، جريدة الاهرام المصرية، السنة 133، العدد 44738 السنة 133، 2 حزيران/يونيو 2002؛
– العميد المتقاعد د. أحمد علو، نقاط الإختناق العالمية ، مجلة الجيش اللبناني، العدد 328، تشرين الأول/اكتوبر 2012؛

– عبد الجليل زيد المرهون، جولة جنتاو وتطلعات الدبلوماسية الصينية، جريدة الرياض (النسخة الالكترونية)، العدد 1829، أير/مايو 2006؛

– د. حسن فاضل، الصين تنهي مرحلة هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي، مركز الجيتار الذهبي، تاريخ 20 كانون الثاني/ديسمبر 2013؛

– المكتب البحرى الدولي يحذر من زيادة حالات اختطاف ناقلات النفط بآسيا، وكالة انباء براثا، 25 حزيران/يونيو 2014؛

– علي حسن باكير، تحولات الطاقة وجيوبوليتيك الممرات البحرية: “ملقا” نموذجًا، مركز الجزيرة للدراسات، 9 حزيران/يونيو 2014.
المراجع الاجنبية:

– Ankit Panda, How a Thai Canal Could Transform Southeast Asia, the Diplomat, December 1st, 2013.
– Economic Reasons that Thai Canal Will Eventually be Built, nextbigfuture.com, October 28th, 2014.
– ASEAN military chiefs plan Malacca Strait exercise, stratrisks.com, March 6th, 2014.
– Lyndon H. LaRouche, Jr., Executive Intelligence Review on Kra Canal Project, This interview appears in the May 16th, 2014.


نقلا عن مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان