رئيس التحرير: عادل صبري 09:57 مساءً | الأحد 15 يوليو 2018 م | 02 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الأوسكار ينسج خيوطاً مع جائزة «نوبل»

الأوسكار ينسج خيوطاً مع جائزة «نوبل»

أحمد مغربي 24 فبراير 2015 16:28

إنه حفل العام 2015 لجوائز «الأكاديمية الأميركيّة للفنون الصورة المتحركة وعلومها» American Academy for Motion Picture Arts & Sciences. وفي معنى ما، ربما ذلك الحدث نَبّه أدمغة كثيرة، بكلمة «علوم» المتضمّنة في عنوان تلك الجائزة السينمائيّة الرفيعة، إذ بدا الأوسكار كأنه يسبح في فيض من الأفلام المتّصلة بالعلوم وثقافتها وخيالاتها. لم يكن ذلك أمراً غريباً في بلد يعتبر محرّكاً أساسيّاً لمسار العلوم والتكنولوجيا المعاصرة، إضافة إلى كونه المهد الأساسي لثورة المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة.

وفي معنى متّصل، ذكّر حدث الأوسكار- 2015 بالعلاقة الوثيقة تاريخيّاً بين العلم والفن، أي كثيراً ما نظر إلى العلم بوصفه فنّاً أيضاً، وهي مسألة ثقافيّة تحتاج نقاش من نوع آخر.
 

«أليس» الفيلم... «أليس» العلم
 

مع الأداء المتألّق للفنّانة جوليان مور، نسج فيلم «ستِل أليس» Still Alice (هو شريط أشد تواضعاً من أداء مور نفسه)، خيطاً بين السينما والعلوم، يمتد من «ستل أليس» إلى جائزة «نوبل» للطب في السنة التي صُنع فيها ذلك الفيلم. ففي العام 2014، ذهبت جائزة «نوبل» للطب إلى أميركي وزوجين نروجيين، عن بحوث تتعلّق بقدرة الدماغ على تحديد الأمكنة والتعرّف إليها، مع ملاحظة أن فقدان تلك القدرة تعتبر من العلامات البارزة لمرض «ألزهايمر» الذي تناوله فيلم «ستِل أليس».
 

ويتكرّر في الفيلم ظهور الممثلة مور في مشهدية الأستاذة الجامعية «أليس» التي يتدهور أداء دماغها، فتغدو غير قادرة على توجيه نفسها في الأمكنة، كعدم قدرتها على معرفة المكان الذي تصل إليه يوميّاً أثناء ركضها الصباحي، وتوهانها خلال التوّجه إلى الحمام، وعدم تعرّفها إلى الجامعة التي عملت فيها شطراً كبيراً من عمرها. وفي الفيلم، تشديد على تقديم التفاصيل العلميّة، بدقة كبيرة، لنوع نادر من مرض «ألزهايمر»، هو ذلك الذي يظهر في سنٍ مبكّرة نسبيّاً لدى من يملك تأهيلاً جينيّاً عن المرض.
 

ومن الوجه العلميّ، أدّت الممثلة مور دور من فقد دماغه قدرته على التوجيه المكاني، بمعنى تآكل المناطق الدماغيّة التي تتولى توجيه الإنسان عن تنقله بين الأمكنة التي تحتفظ بنوع من خريطة عنها، ما يشبه عمل نظام الـ «جي بي إس» GPS للتوجيه بواسطة الأقمار الاصطناعيّة.
 

كيف يمكن عدم ملاحظة الخيوط الوثيقة التي تربط فيلم «ستِل أليس»، مع جائزة نوبل للطب - 2014، التي ذهبت إلى من تعرّفوا إلى المناطق التي تُشبِه نظام الـ «جي بي أس» في الدماغ؟ (أنظر «الحياة» في تشرين الأول- أكتوبر 2014). لا يعني ذلك أن الفيلم استند إلى جائزة «نوبل»، وهو أمر متعذّر من الناحية العملانية، بل يشير إلى نوعيّة الترابطات الضخمة المبثوثة في نسيج الحياة اليوميّة للمجتمعات المتقدّمة المعاصرة، بين المسارات المتنوّعة للعقل وأعماله وخيالاته.
 

وتذكيراً، ففي خريف العام المنصرم، أحرز الزوجان النروجيّان ماي- بريت وإدفار موسير جائزة نوبل للطب (كلاهما من «جامعة النروج للعلوم والتكنولوجيا» في مدينة تروندهايم)، مناصفة مع الأميركي- البريطاني جون أوكييف، وهو يدير مركزاً متخصّصاً بالعلاقة بين الأعصاب والسلوك في «كلية لندن الجامعيّة». وتركّزت بحوث الثلاثة على الدماغ، خصوصاً الخلايا التي تمكّن المخ من تحديد المكان الذي يكون صاحبه فيه، بمعنى أنها تشكّل ما يشبه نظام التوجيه الـ «جي بي إس». وتتصل تلك البحوث بالسعي للتعمّق في معرفة العلاقة بين التفكير والدماغ من جهة، وإيجاد علاجات لعدد من أمراضه، خصوصاً «ألزهايمر» الذي يشكّل عدم التعرّف إلى المكان والمحيط (وكذلك الزمان والأشخاص) إحدى علاماته البارزة.
 

حضور متنوّع لإشكالية الدماغ
 

يتبادر إلى الذهن أيضاً أن جائزتي الأوسكار و «نوبل» تفاعلتا مع أحد أقسى أزمات الأزمنة المعاصرة وأشدها عمقاً وتشعّباً، هي تلك المنعقدة بين الطب والعائلة من جهة، والدماغ من الناحية الأخرى.
 

وفيما نجح تقدّم علوم الطب الحديث في إحداث طفرة في معدلات الأعمار، أدّى ذلك الأمر إلى بروز ظاهرة «تشييخ المجتمعات»، بمعنى زيادة أعداد كبار السن فيها.
 

وعبر مسار استمر قروناً وتصاعد في المئة سنة الأخيرة، تنامت قدرة الطب على التعامل مع مجموعة كبيرة من الأمراض، ما رفع معدل عمر الفرد. في المقابل، أدّى الأمر إلى وصول مئات الملايين إلى أعمار متقدّمة.
 

ولأن الطب لم يجد حلاً لمسألة تقهقر أداء الدماغ مع العمر، تعاني «المجتمعات المتشيّخة» Ageing Societies من تكاثر أعمار من يعانون من الخرف في أشكاله المتنوّعة (أبرزها «ألزهايمر»)، مع ما يفرض ذلك من توفير رعاية مناسبة ومؤسّسات كفوءة في التعامل مع تلك الظاهرة التي تكاد تشكّل ملمحاً مميّزاً للمجتمعات ما بعد الصناعة والحداثة. واستطراداً، أدى تطوّر المجتمعات، خصوصاً في الدول التي تشهد ظاهرة التشيّخ، إلى انحسار دور الأسرة (أحياناً تلاشيها)، خصوصاً عدم قدرتها على رعاية من تقدّم به العمر وتدهورت قدرات عقله بأثر من «ألزهايمر» وغيره.
 

ولعله من اللمسات المؤثّرة في فيلم «ستِل أليس»، أن عائلة المُصابة بـ «ألزهايمر» تُظهِر تماسكاً كبيراً، خصوصاً الزوج (أدى دوره الممثل آليك بالدوين)، وهو أمر يتّصل بنقاش غربي واسع عن الأسرة وقيمها وعلاقتها مع الفردية في عوالم ما بعد الحداثة. هناك ملاحظة صغيرة، يحمل عنوان الفيلم نوعاً من التلاعب المضمر، إذ إن كلمة «ستِل» بالإنكليزيّة من الممكن أن تعطي عنوان الفيلم معنى أن الشخصيّة الرئيسيّة «إليس» ما زالت الإنسانة نفسها، على رغم معاناتها من «ألزهايمر» الذي دمّر قدرات دماغها. في ذلك الخيط، يظهر الفيلم أن تلك الأستاذة الجامعيّة حاولت الانتحار كي تحافظ على صورة «أليس» الأستاذة الجامعية المتّقدة الذهن. ومع فشلها في ذلك، بسبب «ألزهايمر»، تبقى المريضة مع أسرتها ومرضها، ولكن «أليس» - الشخص (بمعنى صورة الإنسان عن نفسه)، تتقلص إلى مجرد وجه يظهر في المرآة عند اختتام الفيلم، ما يعني أن ما بقي من «أليس» يشبه صورة ثابتة معلقة على الجدار أو شاشة الكومبيوتر!

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان