رئيس التحرير: عادل صبري 04:09 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

سلاح الدفاع عن العملة

سلاح الدفاع عن العملة

مقالات مختارة

علي بن طلال الجهني

سلاح الدفاع عن العملة

علي بن طلال الجهني 24 فبراير 2015 16:19

منذ الربع الأخير من عام 2014، رجح عدد من المضاربين في كل مكان أن قيمة الروبل الروسي ستنخفض، فبدأوا غارات مدروسة على الروبل ببيعه في أسواق العملات وشراء عملات صعبة أخرى يرجحون أن قيمتها لن تنخفض، وبعد أن يتحقق انخفاض قيمة الروبل، يتم الوفاء بالقروض التي صارت قيمتها أقل من قيمتها في وقت اقتراضها.

 

ولكن من أين يأتي المضاربون الأجانب بالروبل؟

ببساطة يقترضونه من المصارف التجارية الروسية، ومن الأسواق المالية إذا وُجِد من هو مستعد لإقراض ما لديه من الروبل، وهذا ما حدث فعلاً. اقترض المضاربون مبالغ هائلة من العملة الروسية ثم باعوها، على أن يفوا بقروضهم من الروبل في المستقبل.

وما توقعه المضاربون حدث، إذ انخفضت قيمة الروبل بنحو 50 في المئة في مقابل الدولار الأميركي، وبنسب أقل في مقابل عملات صعبة أخرى.

فلماذا؟

انخفضت قيمة الروبل لأن الكميات المعروضة منه في أسواق المال العالمية ارتفعت بنسب عالية خلال فترات قصيرة، وفي الوقت ذاته انخفضت الكميات المطلوبة من العملة الروسية، لأن الكثيرين ممن يحتاجون إلى الروبل لشراء صادرات روسية وأهمها النفط الذي انخفضت قيمته، أيضاً رجحوا تتابع انخفاض قيمة الروبل، فتعززت إمكانية شرائه في المستقبل بسعر أقل.

وكيف يضر روسيا ومواطنيها انخفاض قيمة عملتها؟

يضرها من ناحيتين، أولاهما ارتفاع الأسعار بسبب زيادة مستوى السيولة، وارتفاعها بدوره يؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم، كما حدث على أرض الواقع، والمصدر الثاني للضرر هو ارتفاع أسعار كل سلعة أو خدمة تستوردها روسيا من خارج حدودها بنسبة أعلى من ارتفاع أسعار السلع المحلية التي كان سبب ارتفاع أسعارها التضخم الداخلي فقط.

وبما أن ما عرفه المضاربون الأجانب عرفه الأثرياء الروس، فإنهم أيضاً حاولوا التخلص من ودائعهم بالروبل لاستبدالها بعملات أجنبية صعبة أخرى، وهو ما يسمى هجرة أو هرب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد.

فكيف دافعت الحكومة الروسية عن عملتها؟

باختصار برفع تكاليف الاقتراض إلى 17 في المئة في أواخر 2014، ثم خفضها إلى 15 في المئة بعد التحسن الطفيف في أسعار النفط، ورفع مستوى تكاليف الاقتراض يجعل اقتراض العملة لبيعها مكلفاً حتى لو انخفضت قيمتها، شرط أن يكون الانخفاض بنسبة أقل من نسبة ارتفاع تكاليف القروض.

وأخيراً (في مستهل 2015) حدث لليرة التركية ما حدث للروبل الروسي، ولو بنسبة أقل، فانقضّت ذئاب المضاربين على الليرة التركية باقتراضها من المصارف التجارية التركية، ثم بيعها بمجرد حيازتها على أمل شرائها في المستقبل بسعر أقل من سعر بيعها، فيحتفظ المضاربون بالفرق بين سعر البيع وسعر الشراء بعد تسارع تدني قيمة الليرة وحلول الأجل للوفاء بالقروض بالليرة التركية.

فلجأ المركزي التركي الى سلاح المركزي الروسي نفسه ورفع نسبة الفوائد، أي جعل تكاليف الحصول على قروض بالليرة التركية ما بين 7.75 في المئة و8.25 في المئة، وفقاً لأحوال سوق العملات.

فغضب رئيس الجمهورية التركية من رئيس البنك المركزي التركي (المستقل) بسبب رفع نسب الفوائد، لأن رفعها يقلل من النشاط الاقتصادي، ويعود السبب إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يقلل من القدرة على التمويل، أي يقلل من مبالغ الاستثمار، وانخفاض حجم الاستثمار يؤدي إلى انخفاض نسبة نمو الاقتصاد التركي الكلي. فمن الواضح أن ارتفاع تكاليف الاقتراض أيضاً يقلل من الطلب على أشياء مهمة كالسيارات والآلات والمساكن التي يتم بيعها وشراؤها بالتقسيط، فالمساكن والسلع المعمرة كالسيارات والثلاجات وغيرها الكثير تمثل قطاعات اقتصادية كبيرة ومؤثرة في مسيرة الاقتصاد الكلي.

ولكن البنك المركزي التركي وجد نفسه بين خيارين مرّين: إما أن يدافع عن قيمة الليرة برفع مستوى تكاليف اقتراضها، وبالتالي انخفاض الكميات المعروضة منها، ويتبع ذلك خفض نسبة التضخم، وإما أن يترك حبل قيمة الليرة على غارب الأسواق المالية فتتابع تدني قيمة الليرة نسبة إلى العملات الأجنبية الصعبة الأخرى، فترتفع نسبة التضخم بما معناه ارتفاع تكاليف معيشة المواطن التركي.

وبإيجاز، فإن نسبة تكاليف الحصول على القروض سواء كان المسمى «فوائد» أو «عمولات» أو «عوائد» أو «مرابحة» على صكوك، هي أداة مهمة جداً من أدوات السياسة النقدية للحفاظ على قيمة العملة ومقاومة استمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار (التضخم المالي)، وبما أنه لا يمكن الحصول على شيء مرغوب من دون دفع ثمنه، لا يمكن رفع مستوى تكاليف الاقتراض من دون دفع ثمن تباطؤ النشاط الاقتصادي، وأيضاً ارتفاع نسبة البطالة أحياناً.

والاختيار بين أدوات السياسة الاقتصادية عموماً أمر صعب، وليس بوسع السلطات المسؤولة إلا محاولة اختيار أقلها ضرراً بالنسبة إلى الآثار الجانبية غير المرغوبة التي يتعذر تحاشيها.

 

 

* أكاديمي سعودي

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان