رئيس التحرير: عادل صبري 04:49 مساءً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

لماذا تقتلون زينب المهدي مرتين؟

لماذا تقتلون زينب المهدي مرتين؟

مقالات مختارة

إيمان عبد المنعم

لماذا تقتلون زينب المهدي مرتين؟

إيمان عبد المنعم 23 فبراير 2015 17:39

 

قبل أيام  قليلة تعرفت على احدي الخادمات لتقوم بتنظيف المنزل ، هي فتاة في مقتبل العمر تغربت عن بيتها وأهلها من أجل لقمة العيش ، جاءت من قلب أفريقيا بحثا عن عمل في ديار الخليج ورغم أعوامها العشرون إلا أن عمرها في تلك المهنة ٥ سنوات كاملة،  لم تكن الفتاة كسابقتها من الخدم .

 


فهي ترتدي الحجاب وتؤدي الصلوات في أوقاتها في حين أن أغلب الخادمات هنا ليسوا بمسلمات  بينما يرتدين الطرحة من باب تقليد أهل البلد .


اقتربت منها لنتعارف اكثر …الفتاة تحمل  بقلبها الصغير الكثير من الحزن والالم والاشتياق للأهل، لكنها وسط هذا الحزن يعلو وجهها ذو البشرة السمراء نور، وتكسوه بسمة رضا عجيبة ،عندما تتحدث عن قصة دخولها الإسلام قبل ٧ شهور.


 كم هي سعيدة بتلك الخطوة التي غيرت أيامها وجعلتها تعشق الحياة وتعرف أن لها قيمة ، و كما تقول الفتاة التي اعتنقت الاسلام دون علم أهلها ولن تبلغهم حتي لا تذبح بالسكين الباردة ، تروي وتروي قصصا عن كيف لعبت الصدفة أو الملائكة كما تعتقد دورا في تعريفها بالإسلام .


فتقول أنها في احدى العطلات رافقت صديقتها إلي مركز التعريف بالإسلام في الدوحة وهناك جذبها الدرس الديني خاصة وأنه بلغتها المحلية، في نهاية الدرس الروحي حصلت على هدية غيرت مجرى حياتها رغم بساطتها، الهدية كانت مجموعة من الأوراق ضمهم كتيب صغير يعرف بالإسلام  .


تقول:  كانت أعظم  هدية، اخذت اقرأ واقرأ مرات عدة ، وعقب ذلك بأسبوعين ذهبت لإعلان إسلامي وسط فرحة وذهول من صديقتي، وأنعم ربي علي بصوم رمضان الماضي، الفتاة تتحدث عن الاسلام وكأنها تري الجنة أمام عينها، بأسلوب يجعلك تخجل من نفسك أين أنت من هذا الشعور الذى تعكسه كل جوارحها .
دون أن تطلب تراقب نطقك لكلمات القران، تكرر الأيات كما يقولها الشيخ عبر التلفاز ، تكمل القصة فتقول : رجعت إلي المنزل الذي أعمل به وسألتني سيدتي أين كنت فقلت لها "قررت خلع حجابي "بتلك الجملة المقتضبة هزت البنت كياني وتوقفت عند المعني كثيرا  قبل سؤالها عن مغزى هذا التعبير ، قالت:  شعرت عندما نطقت الشهادة أن هناك حجابا رفع عن قلبي  .


استعرت الجملة البلاغية وكتبتها عبر حسابي على الفيس بوك ، وشاء الانترنت أن يفصل دون توضيح للجملة ، فجاءت تعليقات الأصدقاء صادمة بل قاتلة في بعضها ، مما دفعني لترك البوست دون استكمال التوضيح رغبة في التعرف على تلك العقليات التي لم أكن أعرفها من قبل، بل أن هذا البوست الأول الذي كانت تعليقاته أكثر بكثير من الاعجاب به .


استكملت المداخلات التي قسمت الأصدقاء لثلاث ، الأقرب وهم من التيار الاسلامي وجميعهم تعاملوا مع البوست على أنه حقيقة ، بل الكارثة أن زملاء العمل وهم الأكثر ثقافة وادراكا للاختلاف ، بل وغالبتهم من المطالبين بالحريات وبعضهم من لام على زينب المهدي فعلتها ثم عاد وندم وبات الليل لا يقوى على النوم فشعوره بالذنب بأنه شارك في قتل  زينب بغضبته الجاهلية وتعصبه الاعمى وغفلته عن قول حسن في تلك اللحظة التي كانت تحتاجه زينب فيها.


تحولت صالة التحرير لهمسات وهناك من فضل كتابة تعليق استفهامي وبعضهم اتجه الي لغة الاستنكار، بل وصل الامر بصديقة ترتدي بنطال جينز ضيق وتي شيرت على الحجاب ، جاءت لتسالني عن حقيقة ما كتبت فسألتها وما المشكلة فيما كتبت ؟! فجاء رد الصديقة العزيزة هادئة الطابع ،على غير ما أتوقع حيث جذبت طرف حجابها ورمت به علي الجهة الأخرى في حركة تلقائية لستر الرقبة وقالت وهي تتحرك  "اللهم ثبتنا " وهي كلمة تقال عندما نعلم بخبر من خرج عن الملة أو ارتكب كبيرة من الكبائر.


هذا الأداء التمثيلي لحركتها أصابني بالصدمة بل والإحباط وتخيلت لو كان هذا قراري حقا ، وراودني في لحظة ضعف واتخذت هذا القرار ،  ستكون هذه ردت فعل الناس، ألست في حاجة لموعظة حسنة ويد حانية وكلمات طيبة ومحاولات احتواء واسعة دون  تهكم أو استعلاء ديني 
الست بحاجة لعلاج روحي من قبل من يتحدث ويدعو ويعمل باسم الدين؟  تخيلت لو كان هذا قراري حقا ونفذته في اللحظة، وساعدني الغضب الشيطاني في ارتكاب العديد من الحماقات  وما زاد من غضبي تهم البنات على والحديث عن الذهاب للكوافير والوان صبغات الشعر والملابس التي سأرتديها .


شعرت بلحظة عند ، وغضب فظيع من كل من يتحدث باسم الدين او يدعي التدين وجدت بداخلي مليون مبرر لمن يذهب إلي داعش.
 أو الانتحار فكلاهما هروب وردة فعل على فعل غير سوى.


تسآلت أين هم من التمس لأخيك سبعين عذر 
أين هم من ادعو الي ربك بالحكمة والموعظة الحسنة أين هم من قصة المنافقين الثلاث 
الغريب أن تعليقات اصدقائي الليبرالييون أو الموصوفون  بالعلمانيين واليسارين،  مالت  لتفسير أكثر تشددا وأقرب لشخصي،  حيث ذهبوا لاعتزامي ارتداء النقاب بدلا من الحجاب ولم يشككوا لحظة في خلعي له


بينما قررت فئة الوقوف على الحياد والترقب عسى الا يتعدى الأمر مزحه ، وتعجبت من تفسير المقربين الذي كان عنيفا ومشككا لدرجة جعلتني اشعر بان هناك من سيقول لي بصوت جهور " لقد صبأت عن دين محمد" .


الرسائل والتعليقات لم تتوقف ، بعضها على الخاص وأكثرها على العام بعضها ممن يعملون بمجال الدعوة ويرون أن الثلاثة كلمات التي كتبتها تدعو للفسق والفجور ويدعون لي بالمغفرة بل وصل الأمر لبعضهم بالقول" إذا بليتم فاستتروا".


مر علي يوم أمس وسط شعور بالغضب والالم والشفقة على هؤلاء السطحيين الذين يرتكبون الحماقات ويدفعون للناس للانتحارموتا او انضماما للجماعات التكفيرية،  دون أن يدركون أنهم  مجرمون في حق أنفسهم ودينهم واخوانهم .


 بالأمس عشت شعور زينب المهدي وتخليت كما شعرت هذه الفتاة الصغيرة من وجع و الالم ، و شعرت كيف امتزج الشعور بالإخفاق أمام طوفان مكاسب الثورة المضادة وسلب كل الاحلام من ايدينا دون أن نتمكن من الدفاع عنها، وكيف يصل بنا الاحباط لقرار طفولي مؤقت يحوله غباء المحيطين إلي عند وسلك طريق الانتحار للتخلص من الغمز واللمز والتكفير والاخراج من الملة والقلب والصداقة والدعوة .


شعرت بوجعها وهي تبحث عن من يمد يده ليردها للطريق القويم  توجعت لقوة هزتها وهي تبحث عن صديق صدقها القول و شد من اذرها، كمن وقعت في بئر عميق وكان صدى صوتها هو من يحدث فقط بينما كانت تتمني أن ينطق الحجر .


ماتت زينب وكان لها أن تموت ... وشعر من عرفها ومن لم يعرفها بالذنب بل والمشاركة في قتلها،  لكن مرت الايام والاسابيع ونسى الجميع جريمته، وها هو يكررها واضعا الحجاب فوق قلبه وعقله،  بينما الخادمة حديثة الإيمان أعلنت رفع الحجاب.
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان