رئيس التحرير: عادل صبري 03:43 مساءً | الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م | 07 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

ضرورة البحث عن أسباب العنف

ضرورة البحث عن أسباب العنف

عرفان نظام الدين 23 فبراير 2015 13:51

 أكثر ما يثير الغيظ والدهشة في عالمنا العربي، والعالم بأسره، الإصرار على تبسيط الأمور والاستخفاف بالعقول بالنظر إلى التطورات والحوادث بسذاجة، ربما كانت مقصودة في كثير من الأحيان لغايات في نفوس يعاقيب هذا الزمان من خلال التركيز على النتائج وما آلت إليه التطورات في شكل اعتباطي وتجاهل الأسباب الحقيقية والخلفيات ومسلسل الأخطاء والخطايا التي أوصلت البلاد والعباد إلى مثل هذه الأوضاع المأسوية. والأهم هو ما نشهده من إغفال للتدهور الحاصل في الأخلاق والضمائر والمشاعر الإنسانية والسياسات والأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية.

جحافل من المحللين والسياسيين والمسؤولين والخبراء العسكريين والاستراتيجيين ومنتحلي صفة الإعلام ومراكز الاستراتيجيات والبحوث الوهمية، وغيرهم من «نجوم» المرحلة السوداء، يتبارون في تحليل الحوادث منذ قيام ثورات «الربيع العربي» قبل 4 سنوات مع انتشار الدمار والعنف وامتداد نشاط التنظيمات الإرهابية واتساع نفوذها، من «القاعدة» إلى «داعش» وأخواتهما.

حرب كونية، ومؤامرة عالمية، ودعم من هذا الطرف أو ذاك، وتمويل من جهات وجهات مضادة لها، وفوضى خلاقة، وأحقاد وفتن طائفية ومذهبية وعرقية، وصراعات إقليمية ودولية وتنافس محاور، وإعادة رسم خرائط جديدة للمنطقة تحل محل حدود «سايكس – بيكو» المشؤومة، بعد قرن على فرضها على العرب لتصبح لاحقاً مقدسة لا تُمسّ ولا تُعدل، ولو بتجاوز شبر واحد منها.

كل هذه التحليلات والتوقعات قد تكون صحيحة، وقد يكون بعضها واقعياً، لكنها تتجاهل الحقائق وتشارك في تضليل الرأي العام، أو تتعمد التعمية وصرف الأنظار عن المنطق وتدرج الحوادث، إلى أن وصلت إلى الواقع المزري ضمن سياسة الإنكار المعمول بها في شكل فاضح، جنباً إلى جنب مع الأساليب البالية المتبعة منذ عقود طويلة.

فالنتائج ملموسة يعرفها القاصي والداني، ويطلع عليها لحظة بلحظة في عصر البث المباشر عبر الأقمار الاصطناعية، ثم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال الحديث في الإنترنت ومشتقاتها.

ولا بد هنا من الإيضاح بأن هذه المعضلة، أو السلبية، ليست حكراً على العرب وحدهم، بل هي متبعة في العالم، لا سيما في غياهب الدول الكبرى وأدبياتها وسياساتها، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إزاء قضايا المنطقة، وقضية فلسطين على وجه التحديد، وأزمة الشرق الأوسط، أو بالأحرى أزماته، في شكل عام.

ففي كل يوم نسمع تساؤلات عن أعمال العنف والإرهاب واتهامات للعرب بالقيام بها، ثم تتردد تساؤلات أخرى ساذجة ومستغربة، مثل: «لماذا يكرهوننا؟»، يتخذ مطلقوها من النتائج والممارسات الآنية مبرراً وذريعة لشن هجوم مضاد على العرب والمسلمين من دون أن يكلف أحد من القادة نفسه أن يسأل عن الأسباب والمآسي التي أدت إلى الوصول إلى هذه الحال وشيوع النقمة والأحقاد. 

وبالطبع، فما من أحد يسمح لنفسه أن يشجع العنف أو يقبل به وسيلة للرد بالقتل والذبح والتفجير والإرهاب، وما من أحد يبرر ممارسات المتطرفين وغلوهم وسلوكهم تجاه أي طرف، كما أنه بات معروفاً أن المنظمات المتطرفة تتخذ من قضية فلسطين «شماعة» لتبرير ممارساتها، مع أنها لم تقم بأي عمل إيجابي من أجل تحريرها، بينما حصدت أرواح الآلاف من العرب والمسلمين. بل يمكن القول أنها ساهمت في شكل ما بالإساءة إليها وتشويه صورة النضال الفلسطيني والعربي، كما أساءت إلى الإسلام والمسلمين وشوهت صورتهم وأعطت الأعداء ذرائع للمضي في غيهم في الترويج لـ «الإسلاموفوبيا» ونشر العداء العلني والمباشر والمكشوف.

لكن هذا لا يمنع من وضع النقاط على الحروف ووضع الإصبع على الجرح النازف لإلقاء الضوء على الأسباب، وليس على النتائج فقط. وأكبر مثل على هذا الواقع هو الظلم الرهيب الذي لحق بالشعب الفلسطيني، ومعه العرب جميعاً، منذ أكثر من 67 سنة، ولم نشهد له مثيلاً في تاريخ البشرية: احتلال غاشم لأراضي فلسطين ومقدساتها الإسلامية والمسيحية وتاجها القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، وتشريد الملايين من أصحاب الأرض والحقوق والشرعية والتاريخ والحضارة وحشرهم في مخيمات الذل والعار في ظروف لا إنسانية، وإمعان في الغي في ما تبقى من فلسطين من حصار وقتل وإفقار، وضغوط على السلطة الوطنية ونقض اتفاقات أوسلو وغيرها ورفض قرارات الشرعية الدولية وكل مبادرات السلام، واعتقال عشرات الآلاف من المواطنين وبينهم أطفال ونساء لسنوات طويلة من دون محاكمة ولا عدل ولا إنصاف، والمضي في إقامة المستعمرات الاستيطانية وتشويه معالم المدينة المقدسة وقضم الأراضي الفلسطينية قطعة قطعة.

كل هذا والعالم يتفرج والأمم المتحدة مشلولة والدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة إما منحازة أو متجاهلة التحديات الصهيونية وانتهاكات حقوق الإنسان العلنية والسرية، ووصل الأمر إلى إصرار بنيامين نتانياهو، رئيس حكومة الإجرام الإسرائيلي، على تحدي الإدارة الأميركية ورئيسها باراك أوباما بإلقاء كلمة أمام الكونغرس الأميركي بدعوة من الحزبين الديموقراطي والجمهوري عشية الانتخابات العامة الإسرائيلية من دون إبلاغ البيت الأبيض، كما تتطلب الأصول.

وحتى المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني تتقلص يوماً بعد يوم وتعلن وكالة غوث اللاجئين دورياً نضوب موازنتها، ما استدعى خفض تقديماتها لتتحول من «إعاشة» إلى «شحادة»، لتصبح مِنّة ومكرمة دولية تحرم الأطفال متطلبات الحياة. وهذا يدفع إلى الاستغراب لصمود الشعب الفلسطيني وصبره على هذا الظلم الجائر الذي فاق ظلم النازية وتعدى «صبر أيوب» الأسطوري.

هذا على  صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي. أما الأوضاع العربية فحدِّث عنها ولا حرج، خصوصاً في دول «الربيع العربي»، باستثناء تونس، صاحبة «ثورة الياسمين» التي نجت من محرقة العنف ومضت في نهج العقلانية والحكمة والخضوع لإرادة الشعب والامتناع عن سياسة الإقصاء والعزل والقبول بالمشاركة في الحكم مع الأمل باستمرار هذا النهج حتى لا تلحق بأخواتها وتقع فريسة الدمار والتطرف والفناء.

في المقابل، نجد في أماكن أخرى جنوناً وأوضاعاً مأسوية ورفضاً للآخر وإصراراً على ركوب الرأس واستخدام كل وسائل العنف مع التركيز في الإعلام والخطاب السياسي والدعائي على النتائج وتجاهل الأسباب والأبعاد والخلفيات وإنكار الواقع المرير. فالكل يرفض الآخر، والكل يسعى إلى استئصاله، والكل يسعى إلى الهيمنة والتفرد ولو على جماجم الضحايا وأطلال ما تبقى من الأوطان مع التراشق بالشتائم وتبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية عما جرى للطرف الآخر.

ولهذا لا بد من المصارحة تمهيداً لأي حل أو مصالحة، ولا بد من الحكمة والتضحية للخروج من هذه المِحنة الأليمة لأن البديل كارثي سيؤدي حتماً إلى دمار شامل، ومن ثم تقسيم هذه الأوطان وتفتيتها لتتحول إلى أشلاء هزيلة في وجه إسرائيل. وعلى رغم هذه الصورة القاتمة، ما زال هناك وقت متاح للنهوض وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فطريق الألف ميل تبدأ بخطوة تقوم على الاعتراف بأصل العلل ووجود أسباب وأخطاء وخطايا أدت إلى وصول الأوضاع إلى ما وصلت إليه. 

ولا بد أيضاً من الاعتراف بوجود أطراف في النزاعات لا علاقة لها بالإرهاب والتكفير والتنظيمات المشبوهة التي لم تهبط علينا بالمظلات، بل جاءت لأهداف خبيثة يُطرح ألف سؤال وسؤال حول مخططاتها الجهنمية.

فما جرى هو نتاج تراكم حوادث وخطايا وتفرد في الحكم وغياب المشاركة وتغييب دور الجماهير الفاعل والفساد المستشري في كل موقع، إضافة إلى الفقر والحرمان والحاجة والبطالة وإصرار على الهيمنة ورفض الآخر. ولو أخذنا تجربة مصر باختصار شديد لوجدنا أنه لولا استمرار الرئيس حسني مبارك في الحكم لسنوات طويلة وانتشار الفساد وتزايد الأحاديث عن توريث ابنه جمال، ثم تزوير الانتخابات العامة وإقصاء القوى الفاعلة لما حدث ما حدث. كما أن وصول «الإخوان المسلمين» إلى الحكم في المرحلة الأولى ما كان ليحصل لو مارس المصريون حقوقهم بالإقبال على صناديق الاقتراع. ولو أحسن «الإخوان» التصرف وعرف الرئيس المعزول محمد مرسي كيف يدير دفة الحكم بدلاً من الغرق في شهوة السلطة واللجوء إلى التشفي والهيمنة والإقصاء وارتكاب الأخطاء المميتة، لما وقعت ثورة ٣٠ حزيران (يونيو) 2013، ونجح الجيش في التحرك لإنقاذ البلاد التي كانت ستغرق في بحر من الدم والفوضى وتصل إلى حافة الانهيار والإفلاس المالي والاقتصادي. والأمل كبير بألا يقع الحكم القائم في ارتكاب أخطاء مماثلة ويمتنع عن سياسة الإقصاء والعزل عبر الحرص على النزاهة والشفافية في الانتخابات العامة المقبلة، ثم في العودة إلى فضائل الصبر والتسامح التي تتميز بها مصر.

أما في الدول الأخرى، فالأمور أكثر تعقيداً لأن الحكمة ما زالت مغيبة، علماً أن أية محاولة لفرض أجندات مشبوهة بالقوة، كما جرى في اليمن، ستكون نتائجها وخيمة على البلاد والعباد وعلى طابخ السم عاجلاً أم آجلاً مهما يملك من عديد وعتاد. وهذا ينطبق على سورية والعراق وليبيا ولبنان في حال عدم المسارعة إلى إيجاد صيغة سحرية لا تكتفي باجتثاث شجرة الإرهاب فحسب، بل تقضي معها على الأسباب التي أوصلت إلى النتائج القائمة وتضع لبنة خير في مسيرة إعادة بناء الوحدة والإعمار وضرب مؤامرة التقسيم بمشاركة جميع الأطياف والقوى الفاعلة، والاعتراف بالآخر مهما كانت مواقفه إذا كانت تنطلق من حب الوطن ونبذ العنف وردم الهوة القائمة ومعالجة الجروح النازفة.  

والأمل كبير بأن تشكل الحوارات التي يشهدها لبنان، على رغم تواضعها وعدم بحث القضايا الخلافية المهمة، بداية لوأد مؤامرة الفتنة الشيعية – السنّية. وهنا أيضاً لا بد من التعمق في الأسباب قبل الحديث عن النتائج، فقد عاش المسلمون أكثر من 1400 سنة في وئام وسلام من دون أن نسمع مثل هذه النغمة الخبيثة.

وحتى في لبنان، لولا الاستفزازات من هنا وهناك، وتصعيد لغة الخطاب السياسي والديني، لما تصاعد الحديث عن الفتنة. ولعل اللجوء إلى الحوار يشكل بداية العودة إلى الحكمة ورأب الصدع، وإلا فإن البديل مدمر في حال عدم اجتثاث الأسباب وإلغاء الفعل وردود الفعل. 

فلكل علة سبب، ولكل سبب نتيجة، والحل لا يكون إلا بالعودة إلى جادة الصواب والتواضع قليلاً، فالاعتراف بالخطأ فضيلة والعودة عنه شرف ونبل، وإصلاحه إنقاذ للبلاد والعباد وحقن للدماء البريئة وإلغاء للأسباب والخلفيات ومشاركة الجميع في تحمل مسؤولية النهوض بلا إقصاء ولا هيمنة ولا تجاهل لأي مكون، مهما بلغ الخلاف في الرأي والاختلاف في الاتجاه والانتماء.

*نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان