رئيس التحرير: عادل صبري 11:54 مساءً | السبت 26 مايو 2018 م | 11 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 39° صافية صافية

العواصف الثلجية يمكن ان تكون أيضاً عواصف سياسية

العواصف الثلجية يمكن ان تكون أيضاً عواصف سياسية

مقالات مختارة

روجر أوين

العواصف الثلجية يمكن ان تكون أيضاً عواصف سياسية

روجر أوين 19 فبراير 2015 17:29

بدأت أدرك أخّيراً أنّ التساقط القوي للثلوج ليس مجرّد مصدر إزعاج شخصيّ، بل هو حدث اجتماعيّ وسياسيّ على حدّ سواء. وقد انتابني القلق طوال أيّام في كامبردج، بولاية ماساتشوستس حيث أقيم، إذ ارتفع مستوى تراكم الثلوج الى مترين ونصف المتر تقريباً، أوّلاً، لأنّه تعذّر عليّ الخروج والتسوّق، وثانياً بسبب ثقل الثلوج المتراكمة على شرفتي الأماميّة. وكذلك، شعرتُ بالقلق بشأن سيّارتي المخبّأة تحت جبل أبيض كبير، وتنبّهتُ إلى أنّني لم أرَها منذ بعض الوقت، كما حاولت استشفاف ما أمكن من الطمأنينة من أخبار الثلوج المتساقطة بكثافة في مناطق من الشرق العربي، وهي ساهمت إلى حدّ كبير، رغم الإزعاج الذي سبّبته، في تلبية الحاجة إلى المياه التي تستهلكها العائلات وينتظرها المزارعون لضمان الموسم الزراعي المقبل.

بيد أنّ علاقتي بجيراني سرعان ما جعلتني أتنبّه إلى البعد الاجتماعي للتساقط الكثيف للثلوج، بدءاً بسؤال بسيط حول ما ينبغي فعله بالحدائق والأرصفة التي تحوّلت إلى جدران عالية من الثلج، ومروراً بما جاء بعد ذلك من اتصالات هاتفيّة ودّية للاطمئنان عنّي، كوني الأكبر سنًّا بين الجيران الذين يعيشون وحدهم. ومنذ أيّام قليلة، بدأت الأمور تتبلور فعلاً، إذ بدا التوتّر أكثر وضوحاً في أصوات الناس، وتفاقمت الخلافات على أماكن ركن السيّارات في الشوارع، في حين لفتت التقارير الإخباريّة إلى نوع جديد من القيادة العدائيّة التي باتت معروفة محلّياً باسم «الغضب الثلجي». وكذلك، كثّف آخرون زياراتهم إلى المحلّلين والمعالجين النفسيّين، وتحدّثوا عن أشكال جديدة من الإحباط الناتج عن حالة الطقس.

وعلى صعيد السياسة، بدأت الأمور تتبلور هي ايضاً على مستويات جديدة عدّة. وفي هذا السياق، لاحظتُ مقارنات سلبيّة مع جارتنا الشماليّة كندا، حيث جوبِهَت عواصف ثلجيّة أعظم بقدر أكبر بكثير من الفعاليّة، وإن جاء ذلك مقابل تكاليف أعلى بكثير. وقد تبع ذلك إدراك بأنّ كيفيّة تعاطي حاكم ماساتشوستس الجديد، ورئيس بلديّة بوسطن الجديد، مع الثلوج ستحدّد نجاحهما أو فشلهما. وفي حال كان هذا التعاطي سيّئاً، فقد يُفسد مسيرتهما السياسيّة إلى الأبد، كما حصل مع بعض القادة الذين سبقوهما مباشرةً.

وسرعان ما بدأ إلقاء اللوم على الآخرين. وعلى سبيل المثال، من كان مسؤولاً عن التوقّف والتأخير المتكرّرين لنظام الباصات والقطارات الباطنيّة، الذي يُعرَف باسم نظام «ت»، ويُعتبر وسيلة النقل الرئيسيّة في شرق ماساتشوستس، بسبب طاقم موظّفيه المسنّين، وبداية تراكم الثلوج والجليد على سكك القطارات الكهربائيّة الحيويّة؟ وأشار البعض إلى أنّ النظام المذكور مدين بمبلغ يناهز 9 ملايين دولار، وقد ازداد وضعه سوءاً بعد أن أضيفت إليه الديون الناتجة عن مشروع «بيغ ديغ» الذائع الصيت في ماساتشوستس، الذي يقوم على مجموعة منافسة من أنفاق الطرقات التي تصل المدينة بالمطار المجاور لها، وهو عرضة للتكاليف الزائدة، وعمليات الترقيع السريعة الهادفة إلى معالجة التسريبات المحرجة التي نتجت عن أخطاء هندسيّة. وأشار البعض الآخر إلى النفقات الناتجة عن تمديد غير مربح للنظام إلى مناطق جديدة في الضواحي، في حين أشار آخرون إلى فترات طويلة من نقص الاستثمار، نتيجة اهتمام السلطات المحلية وحكومات الولايات، على مرّ أجيال متتالية، بمهمّة رائجة في مجال السياسة، هي مهمّة خفض الضرائب، بدلاً من تلبية الحاجات الناتجة عن تدهور الخدمات العامّة.

ورهناً بتطلّعاتك السياسيّة وميولك، بإمكانك أن تختار ما تشاء من أخبار سترافق هذا النوع من المواضيع المثيرة للجدل. وفي هذا السياق، يعمل ناخبون جمهوريّون كثيرون على إدانة الديموقراطيين، باعتبارهم «ليبراليين على صعيدي الضرائب والإنفاق»، يُظهِرون استعداداً دائماً لمدّ أيديهم إلى محفظة الأموال العامّة. وقد يردّ الديموقراطيّون على ذلك بروايات عن الحاكم السابق المحبوب مايك دوكاكيس، الذي استقلّ نظام النقل العام «ت» بين الحين والآخر بعكس الحاكم الجمهوري تشارلي بايكر، الذي يستمع إلى ركّاب آخرين، يطلعونه على ما هو مناسب وغير مناسب في نظام النقل المذكور.

كما يمكن إلقاء اللوم على مجموعة الضغط النافذة التي تضمّ سائقي السيارات، وتفضّل إنفاق المال على الطرقات، أو حتّى على الطقس، وبالأخص في ظلّ التغيّر الظاهريّ الطفيف لحركة تيّار «غولف ستريم» في طبقة الجوّ العالية، إذ ينعطف الآن شرقاً بطريقة تجعله يختزن المزيد من الهواء الرطب أثناء اتجاهه شمالاً إلى ساحل المحيط الأطلسي. وبنظر البعض، يُعلَّل هذا التغيير بحد ذاته بالتغييرات الكبيرة في أنظمة الرياح وأنماط الطقس المرتبطة عادةً بالاحتباس الحراري. وفي هذا السياق، صحيح أن الوضع بات شديد التوتّر، حتّى أنّ مذيعي نشرة الطقس المفضّلين لدينا، من رجال ونساء، يظهرون ليلياً على القنوات التلفزيونيّة، بدأوا يعتمدون سلوكاً دفاعياً نسبيّاً، وكأنّهم يريدون تذكير المشاهدين بأنّهم ينقلون رسالة وحسب، وليسوا مسؤولين عن أحوال الطقس الرديئة بحدّ ذاتها.

وأخيراً، يُخفي هذا كلّه سؤالاً بعيداً حول ما إذا كان يجدر ببوسطن استضافة الألعاب الأولمبية في العام 2024، التي ستجري طبعاً في الصيف، رغم الاستنزاف الكبير لموارد محلّية كان يفضّل توظيفها لجعل المدينة مكاناً يحلو فيه العيش والعمل على أساس يومي، ناهيك عن منح الركّاب فرصة استراحةً أفضل. وهذه الحقبة غريبة وخارجة عن المألوف، إلى حدّ يصعّب علينا أن نعرف إن كان أحدهم قد كتب إلى رئيس تحرير «بوسطن غلوب»، وهي إحدى الصحيفتين اليوميتين المتبقيتين في المدينة، ليقترح عليه أن تستضيف بوسطن الألعاب الأولمبية الشتوية بدلاً من ذلك، من دون أن يكون قد اكتفى بإطلاق نكتة غير مضحكة.

*نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان