رئيس التحرير: عادل صبري 04:15 مساءً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

جعلونا دليفري!

محب عماد 19 فبراير 2015 15:21

لم أشهد عصر ازدهار الصحافة المصرية، ولا أعرف ميعاده من الأساس، فأقدم خبر وقعت عيني عليه ذكر: "وقد ارتسمت الديموقراطية على وجه جلالته"، وأحدثهم: "القبض على إرهابي اعتاد تفجير نفسه"، كما أني لا أتوقع ازدهارًا قريبًا للصحافة المصرية، ولا حال البلد عمومًا، لكن دعوني أطلعكم على هذه التجربة الصحفية الواجب تدريسها في مناهج "حرية الفكر والتعبير".

كان أول أيامي في عملي الجديد، بعد انقطاعي عن العمل الصحفي المنتظم لحوالي عام، كان اليوم موافق لذكرى(ثورة أو انقلاب أو أحداث)30 يونيو- اختار من بين الأقواس ما تريده- وقد شرعت أن أبدأ تحقيقاتي في عملي الجديد، بتحقيق يتناول طبيعة العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وقادة الجيش أثناء فترة حكم المعزول محمد مرسي.

كان التحدي صعبًا بتحقيق التوازن في مثل هذا الموضوع، وتناول وجهات النظر المختلفة، بدأت في جمع المعلومات ومطالعة الأخبار القديمة، ثم انتقلت للمرحلة الأصعب؛ التواصل مع المصادر.

بدأت بالمصادر المؤيدة للسلطة الحالية، وما أكثرهم!، حتى وصلت لمرحلة التواصل بالمصادر المعارضة، استعنت بقائمة مصادر محدثة من أحد زملائي، ثم قمنا بتنقيحها، فلم يبق من المعارضين في القائمة والذين لم يزج بهم في السجون سوى خمسة فقط!(أي والله).

كلمت الخمسة أفراد، فلم يرد على سوى اثنين، أحدهم رفض "الكلام في السياسة"، بينما كان الثاني يتابع مباريات كأس العالم، طالبًا مني التحدث إليه في وقت لاحق، فقررت تأجيل تسليم التحقيق لحين تحقيق التوازن المنشود، وكلمت كل من خيل لي من أصدقائي الصحفيين أنه قد يساعدني في الوصول إلى مصدر ينتمي للمعارضة ويرضى التحدث.

أتممت الموضوع بعد معاناة كبيرة، ولكن بعد تحقيق غايتي وتوصلي مع ثلاثة مصادر معارضة، استيقظت مبكرًا وذهبت للعمل لكن أحدًا من زملائي لم يكن قد أتى، فقررت تصفح الأخبار كعادتي.

 

وكانت الصدمة!

سُمرت مكاني عندما رأيت خبر القبض على اثنين من المصادر الذين كلمتهم، حتى بدأ الشعور بالذنب يتسرب لي، ولكني طردت ذلك الهاجس بعد دقيقة من التفكير الموضوعي، أخذًا في الاعتبار ما بات طبيعيًا في مصر هذه الأيام.

 

يقول البعض أن لكل قصة جوانب عديدة لابد من تناولها في المواضيع الصحفية، بينما أؤمن أنا هذه ليست جوانب بل حقائق، وقد يظن البعض أن هذا مجرد اختلاف في المسميات، ولكن الفارق هو أن كل منّا يظن امتلاكه للحقيقة المطلقة، دون محاولة للتطرق لباقية الحقائق، ومن هنا حولنا وجهات النظر لحقائق مطلقة.

وبالنسبة لي فالصحافة المهنية لابد أن تسعى للكشف عن الحقائق المختلفة، الصادمة منها، والمملة التي لا تحقق المشاهدات، ولكن في ظل سوق للصحافة لا يرحم، وقيود من قبل النظام، أصبحت الصحافة عبارة عن "ديليفري"، تقوم بتوصيل ما يريده "صاحب المِحل" أي السُلطة، أو ما تريد أن تقرأه انت، حتى وإن كان هناك حقائق أخرى تم الإغفال عليها، قصدًا أو تقصيرًا.

فكيف يأتي صحفي بحقائق غير المقرر الوصول إليها في عصر الحجر على الأفكار؟!، وإن أتى بها من سينشرها له؟!، وإذا تم نشرها كم من الوقت سيمضي حتى ضبط وإحضار الصحفي أو إغلاق الجريدة أو الموقع؟!، ومن سيبدي رأيه المعارض بدون السماح للصحفيين باستخراج تصريحات زيارة للسجون أو سفر للخارج؟!، ومن سينزل تحت التراب ليحاور أبطال الثورة الحقيقيون؟!، ومن يقدر على سؤال فرعون: ما كل هذه الدماء التي على يدك؟!.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان