رئيس التحرير: عادل صبري 05:42 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

حول الانتخابات البرلمانية القادمة

حول الانتخابات البرلمانية القادمة

مقالات مختارة

الانتخابات-البرلمانية-صورة-أرشيفية.

حول الانتخابات البرلمانية القادمة

تامر وجيه 11 يناير 2015 18:21

يرى البعض أن المشاركة في الانتخابات – أي انتخابات – وظيفة طبيعية، وضرورية، للأحزاب والقوى السياسية. “فمهما كانت الظروف، لابد من المشاركة”، هكذا يقولون.

هذا رأي غير صحيح.

ويرى البعض الآخر أن مقاطعة الانتخابات – أي انتخابات – في ظل الديكتاتورية السياسية وسلطة الثورة المضادة هي الموقف المبدأي الوحيد الذي ينبغي أن يتم اتخاذه. “فلن نغمس أيدينا في دم الشهداء لمنح صك الشرعية لنظام فاقد الشرعية”، هكذا يقولون.

هذا أيضا رأي غير صحيح.

فلا المشاركة مبدأ، ولا المقاطعة قيمة في حد ذاتها. كلاهما خيار تكتيكي يعتمد تبنيه أو عدم تبنيه على طبيعة وأهداف الحزب المعني، وعلى تقديره لكيفية تحقيق تلك الأهداف في ظرف محدد بعينه.

وبما أن حديثنا يدور بطبيعة الحال على القوى التي من المفترض أنها ترفض الحكم الحالي المضاد للثورة بشكل جذري، فإن ما يشغلنا ينبغي أن يكون كيفية استخدام المعركة الانتخابية كأداة تمهيدية لإحداث تغيير جوهري في طبيعة اللعبة السياسية؛ تغيير مضمونه كسر هيمنة الثورة المضادة وفتح الطريق أمام إحياء الحركة الديمقراطية في الشارع وفي المجال السياسي. بتعبير آخر: علينا النظر إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة كأداة من الممكن أن تلعب دورا، من ضمن أدوات أخرى، في تعديل موازين القوى الراهنة وتمهيد الأرض لبروز حركة ثورية ديمقراطية مؤثرة مناهضة لسلطة الثورة المضادة.

هنا لا تصبح المشاركة أو المقاطعة قيمة مجردة، ولا ينصب التفكير على تبرئة الذمم أخلاقيا، وإنما ينصب على الأثر العملي لأي من الاختيارين فيما يتعلق بتعزيز الثقة وبناء المرتكزات للقوى الثورية الديمقراطية الذي تناهض نظام الحكم الحالي.

وبتفصيل أكثر، فإن معيار الحكم على صحة أي من التكتيكين – المشاركة والمقاطعة – هو قدرته على توحيد قطاع مهم من الثوريين ورائه وعلى توفير الفرصة لهذا القطاع أن يقود حركة جماهيرية ذات شأن تنذر بميلاد شعبي لحركة – صغيرة لكن مؤثرة – مناهضة للسلطة الراهنة.

في هذا السياق، يمكننا ملاحظة أن هناك رؤيتين متناقضتين في الأوساط الثورية، إحداهما ترى أن المشاركة هي سبيل بناء البديل الثوري، والأخرى ترى على العكس أن المقاطعة – لا المشاركة – هي السبيل إلى ذلك.


أنصار تكتيك المشاركة يرون أن الانغماس بهمة في الانتخابات القادمة، عبر ترشيح شخصيات ثورية على المقاعد الفردية، أو ربما عبر القوائم، سوف يخلق مهمة لآلاف الشباب الثوريين الذين يفتقرون إلى البوصلة ولا يجدون مجالا للنشاط العملي بعد انسداد آفاق العمل في الشارع، وسوف يسمح لهؤلاء بالاتصال بالجماهير والتأثير عليها بالدعاية في مواقعها بشكل شرعي وطبيعي، ومن ثم فسوف يؤدي إلى بناء حركة ديمقراطية ثورية متماسكة لها جذور في الشارع يمكنها أن تمثل خميرة للمستقبل، حتى بغض النظر عن نجاح تلك الحركة في الحصول على مقاعد في البرلمان.

لكن الحقيقة أن هذا التصور – المثالي – يتعارض مع محصلة التجربة العملية خلال العام الماضي. فبين أيدينا خبرة المرحلة الفائتة، حيث شارك قسم مهم من “الثوريين” في الاستفتاء على دستور 2014، وفي انتخابات الرئاسة التي وصل بفضلها السيسي إلى كرسي الحكم رسميا.

في المرتين لم تؤت المشاركة أي ثمرة إيجابية. وكان هذا بسبب الحالة الإجمالية للوضع السياسي بعد 3 يوليو 2013؛ تلك الحالة التي أدت إلى إقصاء القوى الثورية خارج الشارع وخارج المشهد السياسي الرسمي.

وعندما نقول إن المشاركة كان أثرها سلبيًا، فنحن نعني أن نتيجتها كانت إضعاف أكبر للقوى الثورية التي اختارت هذا الطريق، إذ خرجت تلك القوى من المعركتين وهي تبدو في عيون الشارع السياسي والرأي العام، وفي عيون أنصارها، ضعيفة ومفككة وغير ذات تأثير، وبالتالي عززت المشاركة من حالة الإحباط واليأس من أي إمكانية للتغيير.

والسبب في ذلك أن التطورات، المؤسفة، على مدى 4 سنوات منذ اندلاع ثورة يناير بلورت كتلة جماهيرية واسعة معادية للثورة باعتبارها سببا للفوضى وانعدام الأمن والانهيار الاقتصادي وانقطاع سبل العيش. ومن ناحية ثانية فشلت قوى الثورة – المفتتة والمفتقرة لاستراتيجية صحيحة وواضحة – في كسب كتلة جماهيرية جماهيرية ذات شأن لمناوئة الكتلة المعادية الثورة وكسب المتذبذبين، وهو ما سمح لقوى الثورة المضادة بتعبئة حركة هائلة لقصم ظهر الثورة، فانطلقت كل قوى الرجعية من عقالها، بحيث أصبحت الثورة مطاردة ومظاهر الفاشية سائدة.

تلك كانت الخلفية وراء التهييج الواسع ضد الثورة ورموزها، ووراء تأميم المجال السياسي، ووراء الانتزاع الوحشي لأي أثر للمعارضة، سواء سياسيا أو شعبيا، وهو بالضبط ما سمح لنظام الحكم المعادي للثورة باستخدام الانتخابات والاستفتاءات كمناسبات لمطاردة وتجريس أي صوت معارض جاد. فهل كان ممكنا في ظرف كهذا أن تكون الانتخابات أداة لبناء جذور لمعارضة جدية؟ لا نظن.


السؤال المهم الآن هو: هل هناك ما يبرر الاعتقاد بأن الظرف في الانتخابات البرلمانية القادمة سيختلف عما سبقه؟ وهل هناك ما يدعونا إلى الظن أن الانتخابات البرلمانية تختلف في طبيعتها عن انتخابات الرئاسة واستفتاء الدستور؟


نظن أن الوضع لم يتغير. فلا زالت الثورة المضادة تمتلك قوة دفع وتأثير واسع في الشارع، وذلك رغم بروز مظاهر للتململ، وللصراع بين أجنحة نظام الحكم الراهن، على خلفية الفشل المستمر في تحقيق أي إنجازات ملموسة.

لسنا في معرض القيام بتحليل مفصّل لحال السلطة الحالية ولمدى استقرار أو عدم استقرار الثورة المضادة. لكن المؤشرات الواضحة تقول إنه رغم الضعف الاستراتيجي للسلطة (نقصد افتقارها إلى عوامل الاستمرار على المدى الطويل)، إلا أن استنادها إلى سياسات استقطابية، بالإضافة إلى إفلاس البدائل، يوفران لها قوة طاغية على المدى القصير.

ومن ثم فإنه من المتوقع أن يكون سيناريو انتخابات البرلمان تكرارا لما حدث في التجربتين السابقتين من حيث النزوع إلى الإقصاء والتهييج ضد الأصوات المعارضة الجادة.

أما من ناحية الطبيعة الخاصة للانتخابات البرلمانية، فمن الواضح أنها مصممة تماما لتناسب صراعات المال السياسي الممثل لأجنحة الثورة المضادة. فسيادة المقاعد الفردية، وصغر حجم الدوائر، ونهم وجموح أجنحة الحكم ورأس المال، بالإضافة إلى التواطؤ الصريح لأجهزة الدولة، يعنون جميعا أننا بصدد معركة نفوذ بين تيارات طبقة الفساد السياسي السائدة، وليس معركة بين سلطة ومعارضة جادة. فهل من المتوقع أن يحصل أي تحالف للمعارضة الجادة (الجذرية) على عدد من الأصوات يجعله كاسبا في المعركة؟ وأي تحالف جاد للمعارضة يمكن بناؤه في ظل تهافت أحزاب “الجناح الديمقراطي” على التحالف مع الفلول وأنصاف الفلول، وذلك مع الوضع في الاعتبار أن الكتلة الجماهيرية الثورية مفتتة وصغيرة وأغلبها سيقاطع إما يأسا أو رفضا؟

الانتخابات البرلمانية إذن ليست الحلبة المناسبة لبناء تحالف معارض جذري قوي، بل على العكس، فعلى الأغلب ستكون المشاركة أداة لإضعاف فرص بناء هذا التحالف في ظل ما سبق وأن شرحناه من سياقات.

وليست العبرة هنا بالنجاح في الحصول على مقعد أو مقعدين في البرلمان، وهو أمر غير متوقع باعتراف الكل. لكن العبرة بما سيستقر في وعي وإحساس التحالف الثوري المشارك، وجمهوره، والجمهور العام، بعد انفضاض المعركة الانتخابية. فأغلب الظن، في ضوء جموح الثورة المضادة، والمزاج الجماهيري المعادي، وضعف القوى الذاتية للثوريين، أن ما سيستقر في الوعي هو إحساس بالهزيمة والعزلة الجماهيرية، وهو ما سيصب مجددا في طاحونة الإحباط واليأس.

والسبب ببساطة، كما كررنا بصيغ مختلفة عبر هذه السطور، أن الوقت ليس مناسبا لخوض اختبار يخص العلاقة بين الثوريين والقاعدة الجماهيرية الأوسع، خاصة على خلفية نوع السياسة التي تفرضها العملية الانتخابية البرلمانية، وبالتالي فإن ما يمكن أن تكسبه بشكل محلي وموقعي من دعاية جماهيرية، هذا إن كسبته، ستمسحه النتائج المعلنة للانتخابات وأثرها العام الذي سيقول أنك “بره اللعبة”.

إذن فجموح سلطة الإنقلاب العسكري، والهيستيريا الشعبية المصاحبة له، لا يتيحان أي فرصة للمشاركة ذات الأثر الإيجابي. من هنا فإن هناك ضرورة للبحث عن تكتيك بديل يناسب الظرف الحالي.


هنا يقفز إلى الذهن خيار بناء حركة مقاطعة جماهيرية للانتخابات. لكن هذا الخيار هو الآخر صعب التحقق، للأسباب نفسها التي تجعل من خيار المشاركة صعبا.

فأيضا بسبب الظرف الذاتي والموضوعي، ليس من المتوقع تحقيق نجاح في حشد كتلة جماهيرية واسعة وراء حركة مقاطعة.

صحيح أن مزاج الجزء الأكبر من الكتلة الثورية يميل إلى المقاطعة، خاصة بعد تجربتي استفتاء الدستور وانتخابات الرئاسة، لكن رغم ذلك فإن الظرف بمجمله، بالذات بسبب هيستيريا الثورة المضادة وهرولة أحزاب “الجناح الديمقراطي” إلى المشاركة، سيعرقل بناء حركة واسعة ومنظمة في الشارع في لحظة الضعف الراهنة.

ولذلك فأنا أرى أن الممكن الآن، في ظل الظرف الصعب الراهن، هو تبني خيار المقاطعة، لكن من منطلق دعاوي أكثر منه جماهيري. أقصد بهذا تبني خيار المقاطعة دون توقع أنه طريق لبناء حركة واسعة في الشارع، ومع التركيز على دوره في بناء حركة صغيرة، لكن مؤثرة، توحد قطاع واسع من الثوريين، وتسمح لهم بتوجيه خطاب دعائي واضح إلى جمهور أوسع في الأغلب لن يشارك في الحركة، لكنه قد يتأثر بالخطاب، فينفتح أمامه بابا جديد يمكن أن يدلف منه لاحقا إن أحسن الثوريون الفعل.

هنا، وفي سياق هذا الخيار، سيكون الخطاب المقترح توجيهه للشارع ذو أهمية قصوى. فإن تقدمت الكتلة الثورية المقاطعة بخطاب طارد ونخبوي وعصبوي، فلن يكون لخطابها أثرا جاذبا. لكن إن تبنت في المقابل خطابا مؤثرا ومقنعا، يربط بين الانتخابات ومجمل الظرف السياسي والأهداف الثورية ومصالح الناس، فإن أثره سيسمح بتجسير الفجوة بين الثوريين والقطاع الميال إلى الثورة في الشارع.

اقترح هنا أن يبدأ خطاب المقاطعة الثوري المنفتح من وضع شروط للمشاركة، بعضها على الأقل ذو جاذبية في الأوساط الجماهيرية. مثلا: “لا مشاركة وآلاف المظلومين في السجون”، “لا مشاركة والشرطة تقتل أبناءنا في الشارع”، “لا مشاركة وإضرابات العمال تقمع”، “لا مشاركة ونحن محرومون من الحرية”.. إلخ.

الغرض من هذا النوع من الدعاية هو أن يوضح الثوريون للجمهور العام أن عدم مشاركتهم ليست موقفا ذاتيا لجماعة مصلحة خاصة لا تهتم إلا بنفسها وناسها، وإنما هي موقفا سياسيا منبعه أن الانتخابات ستكون كذبة سمجة إن دارت وشروط إجراءها لا تسمح للمواطن العادي بالاختيار المستقل الحر المعبر عن مصالحه الحقيقية. التحدي أن يقدم الثوريون نقدهم الجذري للوضع السياسي بلغة توضح للناس العادية القريبة من الثورة أن انسداد آفاق الحرية يضرهم في مصالحهم المباشرة. والغرض أن توضع السلطة المضادة للثورة في موضع المساءلة والإحراج؛ فالشروط المطروحة منطقية في عيون الناس، لكن السلطة القمعية لا تستجيب لها، ومن ثم فإن المقاطعة منطقية وضرورية.

انطلاقا من هذا التمهيد، ستكون المقاطعة – كما أوضحنا – خيارا منطقيا يستنتج بسهولة من رفض السلطة قبول أي شروط تعطي للانتخابات معنى. وهنا، وحتى تكون المقاطعة حركة منظمة، فإن المطلوب تحويلها من فعل سلبي يقتضي فقط الجلوس في المنزل، إلى فعل إيجابي يتضمن دعاية وتنظيم وفعل عملي محدد.

نرى – كطرح أولي – أن الاقتراح الذي قدمه البعض بإعداد قائمة للمعتقلين ربما يكون أداة طيبة للتجميع والتوحيد؛ قائمة افتراضية غير حقيقية، تُطرح في سياق استراتيجية متكاملة للمقاطعة. فنحن سنقول للناس ابطلوا أصواتكم بالتصويت لمعتقلي الثورة من كل التيارات غير المرشحين شرعا. ومن أجل كسب الناس لهذا الخيار سيتم تنظيم حركة واسعة للدعاية، تتضمن وضع الملصقات وتوزيع البيانات، والدعاية المحلية، وغيرها من الأدوات على الإنترنت وفي الشارع؛ حركة ليست مركزية، بمعنى أنها تشجع كل جماعة محلية أن تبادر بنفسها وتقوم بالدعاية للفكرة، ربما بمساعدة من مركز يبتكر الشعارات ويصمم الملصقات ويكتب البيانات، ولكن مع تطويع هذا كله محليا بشكل مبدع وخلاق.

وأحب أن أؤكد هنا على أمر أراه في غاية الأهمية، وهو أن الحملة المقترحة لابد أن تكون واضحة تماما في عيون الرأي العام، واضحة بحيث لا تترك مجالا للتأويل والفهم الخاطئ، فهي حملة للمقاطعة، تطرح قائمة من المرشحين غير المسجلين كمرشحين لدى الدولة، كفعل رمزي هدفه بوضوح إيصال رسالة مضمونها “لن نشارك، ومرشحونا هم من تضعونهم في سجونكم ظلما، فإن أردتم انتخابات حقيقية، أخرجوهم من السجون، وأطلقوا الحريات، ولن تفعلوا”.

ولهذا السبب فإن القائمة الافتراضية لابد أن تتضمن فقط أسماء مساجين سياسيين مظلومين من كل التيارات، أو حتى ليس بالضرورة أن تكون هناك قائمة بأسماء محددة، حتى لا يدور جدل عقيم بين الثوريين وجمهورهم الأقرب حول الأسماء، يكفي القول “ننتخب المعتقل المظلوم وشهيد الثورة”.

وأخيرا، فإن تجريب هذا الخيار، بعد تنقيحه وتطويره، يعد في نظرنا استثمارا في المستقبل، بمعنى شبيه بما حدث في انتخابات خريف 2010 البائسة، تلك الانتخابات الفضيحة، التي ساهمت، مع غيرها من العوامل، في إعداد الساحة لثورة يناير. فرسالة المقاطعين لابد أن تتضمن رؤية حول المستقبل: نقاطع اليوم حتى نشارك غدا في ظل أوضاع مختلفة، في ظل حرية حقيقية، وسياسات عادلة وإنسانية حقيقية.


ولهذا السبب، فإنه من المفترض أن يفكر المتبنون لهذا الخيار في كيفية بلورة حركة على أساس من تكتيك المقاطعة؛ فهكذا فقط يمكن أن تكون المقاطعة عملا إيجابيا. ومعيار النجاح هنا سيكون: إذا انضم مئات، أو آلاف، لحركة المقاطعة، كيف يمكن تنظيمهم بشكل لا مركزي (ولكن فعّال)؟ كيف يمكن مواصلة العمل معهم وبهم في اليوم التالي للانتخابات؟ فلا نريد أبدا تكرار فشلات سابقة، حين انفضت حملات ناجحة، فتبددت القوى التي عبأتها وأصبحت رمادا تذروه الرياح.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان