رئيس التحرير: عادل صبري 11:11 مساءً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (3)

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (3)

مقالات مختارة

طارق البشرى

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (3)

طارق البشرى 11 يناير 2015 13:07

(1)

يذكر الدكتور نادر فرجاني أنه يتعين النظر إلى «العلاقة بين ظاهرة الهجرة من مصر للعمل بالبلدان العربية النفطية خلال السبعينيات، وبين الانقلاب الذي أطاح بالتشكيلة المجتمعية التي كانت قائمة في مصر عند نهاية الستينيات».


وأن الهجرة كانت من أبرز عوامل دعم هذا الانقلاب «وأكثر من هذا أن للهجرة دوراً مهماً في توطيد أسس التبعية الاقتصادية ثم السياسية»، «بدرجة لا تسمح بالفكاك منها» (تقرير أول عن مسح الهجرة من مصر سنة 1985 د. نادر فرجاني، «المجلس القومي للسكان»). ويضيف أن الهجرة أدت إلى تفريغ مصر من طاقة إنتاج «فضلاً عن انفصال مَن كانوا يعملون في الخارج عن شؤون بلدهم وتخلخل مَن هم في الداخل» (ص 59).

وهو يشير إلى ظاهرة أخرى نتجت عن ذلك غير فقدان مصر هذه القوة العاملة ذات المهارات الكبيرة، يقول إنها أدت إلى توافر عملة أجنبية لدى المصريين في الخارج ثم لم تدخل مصر بطريق مشروع، وإنما حولت في الخارج عن طريق المستوردين إلى ما سمي وقتها «الاستيراد من دون تحويل عملة»، ما كانت له آثار سلبية جداً على الاقتصاد الإنتاجي في مصر. وقد فتحت هذه الهجرة الباب كذلك لانفصال المصري عن بلده كسبيل لحل مشاكله الخاصة (المرجع السابق ص 61 – 67).

ويذكر سعدالدين ابراهيم في دراسة له بعنوان «مراجعة نقدية لدراسات هجرة العمالة المصرية للخارج»، أن آثار هذه الهجرة لا تقل عن آثار أي من ثورتي 1919 و1952 في الأجلين المتوسط والطويل، وأن حجم من تأثروا بها على مدى 15 سنة تلت سنة 1973 يفوق من تأثروا بكل قوانين الاصلاح الزراعي والتأمينات خلال الخمسينيات والستينيات، وأنه إذا كان بلغ حجمها مليون نسمة من سنة 1975 إلى سنة 1985، يتبدل هؤلاء كل أربع سنوات، فإن ذلك يعني أن عدد المتأثرين بها يبلغ 4 ملايين أسرة تحوي نحو 20 مليون فرد، وقد تأثروا في «أسلوب الحياة وأنماط الاستهلاك والعلاقات الأسرية أثناء وبعد العودة» (ص 1-3). ويضيف أن مصر «تصدّر عمالة على أرقى مستوى للمهارة من أساتذة الجامعات وأطباء ومهندسين وقضاة ومحامين، مروراً بالعمالة الفنية الماهرة والوسطية».

وهو في دراسة أخرى عن «النظام الاجتماعي العربي الجديد، دراسة عن الآثار الاجتماعية للثروة النفطية»، يذكر أن غياب المعارضة في بلاد النفط عن الساحة المصرية أضعفت المعارضة الداخلية، وهذا الغياب جعل هؤلاء يركزون على جمع الثروة بدلاً من إشعال الثورة (ص 147) (والدراسة هي كتاب صادر عن «مركز دراسات الوحدة العربية» ببيروت).

 

وفي ظني أن هذا التصور يُظهر ضخامة الأثر الذي ترتب على هذه الهجرة، ولكن مقارنة المؤلف المذكور هذا الأثر بأثر ثورتين مجيدتين وتحريريتين في تاريخ مصر، تفيد كما لو أن المؤلف يرى أن هجرة الخبرات المصرية للخارج هي ظاهرة إيجابية نافعة لهم ولمصر، وهذا نظر لا يصدر الا عن اعتبار تصدير البشر كتصدير القطن والأرز، وأن البشر الحاملين للنهضة والحضارة والإنتاج هم من سلع التصدير، كما ذكر ذلك من قبل رئيس وزراء مصر عبدالعزيز حجازي. وهذا نظر لا يراعي حتى الناحية الاقتصادية البالغة الأهمية والظهور، وهي أن القطن والأرز سلعتان ينتجهما البشر، وأن البشر هم العاملون المنتجون، وبغير البشر لن تنتج سلع ولا غيرها ولن يكون ثمة قطن ولا أرز، والبشر هم السبب المنتج والسلعة المادية هي النتيجة، وبغير السبب لن يكون المسبَّب.

ويذكر إبراهيم في هذه الدراسة الأخيرة أن تصدير العمالة المصرية واجتذاب رؤوس الأموال من الخارج صار «جزءاً» لا يتجزأ من سياسة جديدة نشأت ونمت لتعالج أمراض الاقتصاد المصري»، ونظر إلى الفائض السكاني باعتباره من سلبيات الأوضاع المصرية ويؤدي إلى فائض عمالة وانخفاض المدخرات (ص 111).

لكنه يلاحظ بحق أن معظم المهاجرين من مصر إلى البلاد العربية لا يبحثون عن عمل لأن لديهم أعمالهم، ولكنهم يبحثون عن زيادة المرتبات والأجور (ص 135)، بما يعني أنهم يسببون نقصاً في العمالة العاملة والمنتجة في مصر، وأن أعمالهم في مصر تفتقد جهودهم بها. ويذكر أن العمالة المهاجرة اعتادت بالدخل المرتفع في عملهم بالخارج على أنماط استهلاك غير متوافرة في بلدهم، واعتادت بذلك على حجم دخل لا يستطيع به المهاجر أن يتكيّف مع أوضاع بلده عند العودة إليها، فتدهورت أخلاقيات العمل وتغيّرت المستويات الثقافية والتقليدية (ص 168).


وفي دراسة ميدانية لعبدالباسط عبدالمعطي عن خمسين حالة عمالة مصرية في الخليج، ذكر أن 98 في المئة من العينة تحول مدخراتها لمصر عن طريق السوق السوداء، فانتعشت بهذا التحويل تجارة الاستيراد إلى مصر من دون تحويل عملة من الداخل، وصارت مصدراً لتوظيف العملة للبنوك الأجنبية، وأفادت ما أسماه «الرأسمالية الطفيلية» غير المنتجة (كتاب في بنية المجتمع المصري سوسيولوجية ص 198-199). ولا شك في أن ذلك كان مما يضعف الخطط الاقتصادية للنهوض والانتاج التي كانت تتبعها الدولة المصرية من قبل، أو يقوّض من نتائج هذه الخطط.


ويلاحظ باقر سليمان النجار في كتابه «حلم الهجرة للثروة، والهجرة والعمالة المهاجرة في الخليج العربي. مركز دراسات الوحدة العربية» أنه «إذا قدر للمصريين أن يذهبوا (أي يتركوا الخليج)، لأغلقت الكثير من المرافق المدرسية أبوابها». وهذا يوضح حجم العمالة المهاجرة من المدرسين المصريين، بمراعاة أن الهجرة كانت من نصيب الأكثر مهارة وكفاءة منهم، سواء في المدارس أو الجامعات. ويذكر المؤلف أن الدخل الذي يكسبه أستاذ الجامعة المعار في ست سنوات، يساوي ضعف ما يتقاضاه في بلده خلال ثلاثين سنة (ص 39-43)، وأن الهجرة بالنسبة للدول المصدرة أدت إلى الاستقرار السياسي بها لهجرة المعارضين والساخطين، ولتهجير المشكل الاقتصادي للبطالة.


(2)

يكاد يتفق الكثيرون على أن ظاهرة العمالة في الخارج أفرغت البلاد المصدرة للعمالة الماهرة من قوى التغيير والنهوض والارتقاء، وأنها ظاهرة واكبت الدخول بالبلاد أو العودة بها إلى سياسات التبعية والإلحاق بالدول الخارجية الكبرى، والقضاء على مقومات النهوض الذاتي والاستقلال الاقتصادي. كما أنها أدت بجملة هذه المهارات من المواطنين إلى فك ارتباط كل فرد منهم بمصير جماعته الوطنية، فزادت الفردية بين المتعلمين والمهرة، وأفقدتهم إحساسهم بالانتماء إلى الجماعة، وبأن مصير كل منهم ومستقبله ونوع حياته مرتبط بمصير الجماعة من خلال النهوض الشامل، فانهار الجانب «الرسالي» في العمل المهني والأداء الوظيفي، وهو الجانب الذي يشكل المعنى القيمي والمثالي لأداء الانسـان في عمله، ومن دونه لا يُرجى بناء للجماعة وتنمية في عمومها، وانهار الأداء الوظيفي المجتمعي لحساب الخلاص الفردي ولو على حساب من يشاركون في الجماعة ذاتها.


وهذا الذي جرى، إن نظرنا إليه من حيث المصلحة العامة طويل المدى، نجد أنه كان عنصراً مهماً من عناصر تحطيم مشروع نهضوي استقلالي كان يشكل المطمع العام للمصريين، وتعمل له نخبهم الثقافية والمهنية والحرفية عبر سني القرن العشرين بثوراته ونهضاته. وجرى تحطيم هذا المشروع والكثير الذي أنجز منه وتراكم عبر عشرات السنين حتى سبعينيات القرن العشرين، مقابل ما يتمتع به أفراد العاملين المصريين في الخارج من ارتفاع في دخولهم الشخصية وإذا نظرنا على هذا المدى الطويل ذاته، نلحظ أن استفادة أفراد العاملين في الخارج لم تحقق لهم أكثر مما كانوا يحصلون عليه في بلدهم بزيادة إنتاجه من جهة، وبضغوطهم السياسية على القوى السياسية والحكومة في بلدهم مصر، فإن ما انكفل للنخب المهاجرة من عملهم في الخارج لم يؤد إلى نفع لم يكن متحققاً لهم في بلدهم. ومثال ذلك أن المهني صاحب الأجر المحدود يحتاج إلى مسكن ينشئ فيه أسرته الصغيرة، وكان إن عجز عن الحصول عليه لارتفاع الأسعار برغم مستوى دخل أمثاله، يرتبط مع غيره بحراك اجتماعي لخفض إيجارات المساكن أو لرفع الأجور، وكان يتحقق له ذلك على مدى عشرات السنين السابقة.

وهو الآن بعد أن جرى ما جرى، لا يستطيع أن يحصل على هذا المسكن ذاته الا بهجرة سنين، ليوفر منها ما كان يحصل عليه في بلده من قبل، سواء لنفسه أو لابنه عندما يصل إلى سن الزواج وتكوين الأسر. وكذلك بالنسبة للتعليم الذي كان مجانياً أو شبه مجاني، يوفر له أرقى المستويات التعليمية سواء في المدارس أو الجامعات، بفضل كفاحه في بلده وتوافر الخبرات العلمية ذات المستويات الرفيعة. وهو الآن لا يستطيع أن يكفل لأولاده المستوى التعليمي ذاته، إلا من يعمل في الخارج يوفر لأبنائه التعليم الخارجي، أو ما يتوافر لهم في مصر من تعليم خارجي أيضاً باهظ التكلفة.

هكذا ألحقت مصر وسياساتها الداخلية بالخارج وصارت جزءاً منه ولا تملك لنفسها قراراً مستقلاً عنه ولا وضعاً ذاتياً فيه، وهي متجرّدة من نخبتها الماهرة التي كانت تمكّنها من النهوض بهذه الذاتية.


(3)

إن هذا الذي يعتبر انهياراً أو تدهوراً فيما نسمّيه النخب أو الشرائح العليا والمتوسطة في الطبقة الوسطى، هو ما سهّل على نظام حسني مبارك أن يفكك الدولة وأجهزتها التنفيذية، مما كان سيواجه مقاومة من هذه الفئات المهنية في الدولة وأجهزتها، لو كانت هذه النخب بقيت في قوتها السابقة وتماسكها القديم، بدليل أن هذا الجهاز بما يحوي من نخب مهنية، واجه وعاصر ثورات سابقة وأعاصير سياسية عديدة، ولكن بقيت له قوة تماسك عبر السنين والثورات والمراحل التاريخية، وكان يزداد مع الوقت تماسكاً وقوة.

وبدليل أنه في ظل السنوات العشر الأولى لحكم مبارك، ظلت له قدرة على المقاومة والتماسك حتى في مواجهة السياسات التي تتخذ، ثم بدأت عوامل التفكك تظهر مع التسعينيات من القرن العشرين مع ضعف مقاومته لعمليات التفكك، ثم انهار وفقد المقاومة تماماً مع نهايات التسعينيات. ولا شك في أن الأثر البعيد المدى لهجرة العمالة المصرية الماهرة كان من أهم عناصر فقدان هذه المقاومة.

خلاصة هذه النقطة أن حسني مبارك خلال التسعينيات، بعدما استقرّ تماماً مركزه في الدولة، وضمن عدم وجود أنداد له في القوات المسلحة، وأمسك بنواحي الأجهزة السيادية، وعرف تماماً ما يمكن من السيطرة عن طريق مجموعة من رجال ارتبطوا به واستوثق من علاقاته مع الولايات المتحدة بعد حرب العراق في الكويت، أعمل معاول الهدم في جهاز الدولة ضماناً للتخلص من آثار السياسات الاستقلالية السابقة، واتباعاً لسياسة إلحاق مصر ذاتها بالمجتمع الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة.

وكان من وسائله في ذلك إدخال سلسلة من التعديلات في النظم الإدارية لأجهزة الدولة، أفقدت كبار رجالها ما كان لهم من ضمانات وظيفية وقانونية تمكنهم من قدر من الاستقلالية النسبية في الإدارة والتنظيم ورسم السياسات وتوجيهها. ولم يجد مبارك مقاومة تذكر في ما أفقدهم من ضمانات لأنهم كانوا فقدوا هذا الحس الجماعي الذي يربط بعضهم ببعض، ويصلهم بالشعور بقدر من المسؤولية الجماعية إزاء المجتمع. وذلك يرجع في ما يرجع إلى ما سبقت الاشارة إليه، لأن العمل بالخارج واحتمالاته وتجاربه الذاتية قد تحولت به الكثرة من هذه الفئة إلى الفردية في آمالها وطموحاتها، وافتقدت الشعور بالجانب «الرسالي» والجماعي في الأداء الوظيفي، وصار الخارج «محط آمال تحل محل التماسك الداخلي للنهوض أو بالأقل يشاركه.


ويمكن أن نضرب لذلك مثلاً من القضاء المصري والمؤسسة القضائية. فإن جمال عبدالناصر بكل ما كانت لديه من قوة سياسية وسيطرة مؤسسية على أجهزة الحكم، ومن حراك ثوري على نطاق المجتمع كله، لم يقتحم الهيئة القضائية ويعيد تشكيلها بما يناسب التغيرات الثورية العميقة التي كان يتخذها، لم يفعل ذلك الا في حادث واحد في مجلس الدولة في سنة 1954 ضد رئيس المجلس عبدالرزاق السنهوري والذي كان له وجه نشاط سياسي.

وكان عبدالناصر اعتاد في نظام حكمه أنه إذا اتصل شأن قضائي بسياساته وأراد له وجه تصرف قضائي محدد، أن يشكل محاكم خاصة من خارج رجال القضاء للنظر في ما يرى من قضايا سياسية ضد خصومه، أو أن يصدر قانوناً بمنع التقاضي في شأن سياسي يهتم به، وذلك من دون أن يتدخل في شأن داخل الهيئة القضائية برجالها ولا أن يُملي على أي متهم أمـراً.

وبقي القضاة بتربيتهم ورجالهم وأساليب عملهم على حالهم، ولم يقترب منهم عبدالناصر إلا بعدما ضعفت قوته السياسية بهزيمة سنة 1967 واحتاج في تنفيذ بعض سياساته إلى ساتر من قضاء، فضغط على الهيئة القضائية ليدخلها في تنظيمه السياسي أو ليفرض عليها عناصر من خارجها باسم «القضاء الشعبي»، فوقفت ضد هذا المسعى واستحال عليه تنفيذ مسعاه، برغم أنه فصل نحو مئتي قاض من القضاء ومجلس الدولة.

وهذا يوضح كيف كانت قوة المقاومة والتماسك لدى العاملين في جهاز الدولة. ويمكن أن يقارن هذا الوضع القضائي بهذه الدرجة المعتبرة من الحصانة، بما جرى ويحدث الآن بعد أحداث 3 تموز 2013. وهذا يرجع في ما يرجع إلى الظاهرة ذاتها التي سبقت الإشارة إليها.


(4)

هذا عن الآثار التي ساهمت بها الهجرة للخارج في تحقق تفكك أجهزة الدولة، على ما أجراه نظام حسني مبارك خلال السنوات العشرين الأخيرة منه، ولعل هذا التفكك هو ما تيسر به تحقق نجاح «ثورة 25 يناير» سنة 2011 في سرعة إزاحة النخب الحاكمة لحسني مبارك خلال ما لا يبلغ العشرين يوماً من بدايتها. فلم تكن قوة الحركة الثورية من حيث التنظيم والتدبر هي السبب الرئيس أو الوحيد في الإزاحة الحاصلة لقيادة الدولة، إنما شارك في ذلك مبلغ الضعف والوهن الذي كانت عليه أجهزة الدولة ومدى التفكك الذي كانت تعاني منه.


ولا أريد أن أزيد كثيراً في هذا الموضوع، ولا أن أكرّر ما سبق أن كتبته في مناسبات أخرى بعد الثورة عن مدى قواها وما أنتجت من آثار. وحسبي أن أشير إلى رؤوس موضوعات تتعلق بعناصر هذا الوضع وتكشف عن أثر العمالة المهنية والنخب المهنية الماهرة للخارج في سياق أحداث الثورة، وما أصابها من بعد شبوبها من وهن، وأن الإشارة إلى المقارنة بين ثورات مصر الحديثة توضح هذا الأمر.

إن كلاً من هذه الثورات السابقة، كان يسبقها ليس فقط الوضع الشعبي المتفجّر والسخط الشامل الذي ما يلبث أن يتجمّع ليودي بالنظام القائم، وليس فقط التبيان لفساد هذا النظام القائم وعيوبه ومشاكله، بل كانت تصاحب الحراك الثوري نظرة واعية للمشاكل المحدقة وبالأساليب الصحيحة للخروج منها وحلها، وكانت تصاحبها جهود مدروسة لوجوه النهوض والإصلاح التي يتعين تحقيقها بعد الإطاحة بالنظام القائم، وتقدير طيب للأساليب التي يتعين اتباعها لهذا التحقق الإصلاحي. وكاد بعضها أن يكون مشروعات محددة لوجوه التطوير في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.

ففي ثورة المصريين التي أنتجت حكم محمد علي في سنة 1805، اكتسبت مصر بعدها قدراً من الاستقلال الذاتي عن الدولة العثمانية، وكان واضحاً فيها هذا الهدف، فضلاً عن وضوحها في الإطاحة ببقايا النخبة المملوكية المشاركة في الحكم، وهذا ما صنعه محمد علي في سنة 1811، ثم بدأ تطوير نظامه وإنشاء دولته الإصلاحية من العناصر الأهلية، ببطء تفسره ظروف العصر، ولكن بإصرار ووضوح فكري وتحقق جاد وصحيح.

وفي «ثورة عرابي» سنة 1882، يكفي أن تقرأ برنامج الحزب الوطني الذي ظهر وقتها ونعرف منه بأي دقة متناهية وأي ذكاء وفهم وحرفية عالية كان هؤلاء القوم يفهمون ظروف عصرهم وقواه وقدراتهم الخاصة، وما كانوا يستطيعون بنظر واقعي دقيق لتحقيق ما يصبون إليه من نهضة واستقلالية وإصلاح، في إطار شعارهم الاثير الذي لخّص طموحهم السياسي وهو «مصر للمصريين»، ليربطوا بهذا الشعار مطلب الاستقلال الوطني مع التنظيم الديموقراطي.

وثورة 1919 بهدفيها المحددين عن الاستقلال ضد الاحتلال البريطاني وعن الديموقراطية ضد سيطرة الملك على السلطة، هذه الثورة كان سبقها في سنة 1911 مؤتمر سمي بـ «المؤتمر المصري» خصّ أهم جلساته ومعظمها لرسم برامج النهوض بالمجتمع المصري في جوانبه المختلفة، من اقتصاد وإنشاء للمصارف الوطنية وجمعيات تعاونية وتعلم وسياسات شتى، حتى صار هذا الصنيع من جانبهم يكاد أن يكون برنامجاً جرت به حركات الإصلاح الاجتماعية والاقتصادية لنحو ثلاثين سنة.

وكذلك ثورة سنة 1952، سبقها العديد من الدراسات الاجتماعية والاقتصادية ومنها مشروعات محددة كبرى مثل مشروع الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية وتوزيع الأرض الزائدة على صغار الفلاحين، فضلاً عن تطوير الصناعة والتعليم وغير ذلك، وفضلاً عن السعي لإنهاء الاحتلال البريطاني العسكري لمصر، واتخاذ سياسات للتحرر الوطني من نفوذ الدول الكبرى.

فكان الحراك الثوري الفعلي يسبقه حراك فكري لجماعات تشغلهم مشاكل بلادهم ويكرسون حياتهم وجهودهم الخلاقة لإدراك الحلول لها.

وفي الحقيقة، فنحن لا نجد أموراً على هذا المستوى فيما لابَسَ «ثورة 25 يناير» سنة 2011 من أحداث ووقائع سابقة أو لاحقة. لقد اجتمعت القوى السياسية والشعبية على إزالة نظام حكم ظهر فساده ووجبت الإطاحة به، وهذه القوى ذاتها لم يكن الكثير منها على تجمع ذاتي وتبلور وفقاً لأهداف أو برامج سياسية أو اجتماعية سابقة، تجمع حولها تكوينات تنظيمية ذات تشكل مؤسسي، وذلك فيما عدا جماعة «الاخوان المسلمين» التي يغلب على تشكلها النشاط الدعوي لا البناء السياسي، ولم تكن ذات برامج سياسية.

ولم يواكب الإجماع الشعبي على إزالة الحكم القائم أو سبقه نقاش وتداول لوجوه الاصلاح العينية الملموسة التي يتعين القيام بها في الوضع الجديد بعد إزاحة النظام القائم، وذلك حتى تمكن محاسبة القائمين على الحكم بعد الثورة على مقدار ما أنجزوه وفقاً لبرامج شائعة التداول، معروفة ومستقرة معرفتها لدى غالب الرأي العام السياسي الفعال.

هناك كتابات ودراسات لا شك في أهميتها الكبيرة ووجوب أن تكون موضع الاهتمام في تشكيل أوضاع البلاد في المستقبل، نراها في الجانب الاقتصادي وجوانب الأبنية الديموقراطية وغيرها، ولكنها بقيت تتداول في نطاق جد محدود من مثقفين، هم أقرب إلى الرهبان الفكريين المتخصصين في البحث العلمي، من دون اتصال سياسي بالرأي العام. وبقيت هذه الدراسات بعيدة عن أن تشغل الرأي العام السياسي، وبعيدة عن التشكيلات الحزبية الضيقة، ومحدودة التأثير في السياسات الجارية. وبقيت بعيدة تماماً عن الإعلام وأجهزة الدولة، وذلك مثل عدد من الكتابات تضمها مشروع «عشرين عشرين»، الذي يشير إلى مستقبل مصر ما يتعين أن يصبر عليه لــ سنة 2020.


(5)

والملاحظ أنه عندما بدأت تتجمع خيوط المعارضة العلنية لنظام حسنى مبارك وتعلن عن نفسها بوضوح وتتابُع في سنة 2005، ما مهد لما حدث بعد سنوات في سنة 2011 وأزال النظام القائم، يلاحظ أنه لم يتضمن الحراك السياسي الحاصل من وقتها أي مطالب سياسية واجتماعية تذكر، بما يتعين أن تكون عليه سياسة البلاد بعد إزالة هذا النظام، اللهم الا أن يكون مطلب تعديل دستور 1971 الذي طولب به وبقي الإصرار عليه، وهو مطلب سليم وصميم طبعاً، باعتبار ما كان يتعين من إدخال تعديلات على الدستور تنهي إمكانات الاستبداد والحكم الفردي.

لكن طرح مطلب تعديل الدستور أو إدخال دستور جديد قبل أن يتم الفعل الثوري ويؤتي نتيجته بالإطاحة بالنظام، وتتحدد به القوى السياسية التي ستحل محله، يكون ضرباً من المحال في ضمان وضع دستور جديد أو تعديل الدستور القائم بما يفيد القوى الثورية. ذلك أن الدستور – تعديلاً أو استبدالاً – هو وثيقة تتحدد بها سلطات الدولة وعلاقتها ببعض، وذلك طبقاً لما هو متحقق في الحياة السياسية من علاقات للقوى السياسية المنظمة المشاركة في الحكم والثورة التي تطيح بالنظام القائم. وقواه السياسية المسيطرة هي ما سيتحدد بها بعد نجاحها – لا قبل ذلك – ماهية القوى الثورية المنظمة التي قامت بالثورة وعلاقات بعضها ببعض، وهذا ما سيقننه الدستور الجديد بعد الثورة – لا قبلها – وفقاً لما أسفرت عنه الأحداث من توازن للقوى في ظل الوضع الجديد الذي نشأ بعد تمام الثورة. فالدستور يوضع بعد الثورة. والحاصل أن هذا المطلب الذي ركزت فيه قوى الثورة مطلبها وحصرته فيه قبل الثورة، قد أفاد نظام حكم حسني مبارك بما أجراه من تعديل للدستور لمصلحته ولمصلحة أولاده في سنة 2005. فلما أصرت القوى الثورية على بقاء مطلبها الوحيد السابق لأوانه بعد ذلك، أجرى تعديلاً آخر في سنة 2007 لمصلحته ولمصلحة بقاء حكمه ولمصلحة توريث حكمه لابنه.

كذلك، فإن هذا الزخم الثوري الحادث لم يطرح على الرأي العام ولم يتبن أي مطالب اقتصادية أو اجتماعية ورؤية محددة لتنظيمات ديموقراطية بشكل مدروس وتفصيلي. لذلك لما سقط نظام حسني مبارك في شباط 2011، صارت الساحة السياسية خالية أو تكاد تخلو من أي أهداف أو برامج يتحاكم الناس بها وإليها في تحديد صورة لبناء مصر بعد الثورة. ولذلك انقسم المجتمع المصري بواسطة نخبه السياسية، وانقسم الاعلام إلى قسمين في قضية صورية، حول هل تصير مصر دينية أم مدنية. وهي صورية بدليل أن الخلاف تركز في حكم المادة الثانية من الدستور، التي تعترف بأن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، وأن الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع.

وبعد خلافات حادة ومستمرة في هذا الشأن عند وضع دستور ما بعد الثورة، بقي النص على حاله في دستور 2012، كما بقي النص على حاله أيضاً في دستور 2014. وذلك ينبئ أن الخلاف في هذا الشأن كان خلافاً صورياً، تبدد به وقت وجهد، وشغل الناس عن حقيقة ما يتعين أن ينشغلوا به من بناء نظام مصري ديموقراطي بأجهزته ومؤسساته وبتشكيلاته الأهلية الشعبية، مع رسم سياسات خارجية استقلالية وسعي للنهضة بالاقتصاد، دعماً لاستقلال البلاد وتنظيم المجتمع على أسس من العدالة الاجتماعية، فتسترد مصر إرادتها السياسية الحرة المستقلة عن ضغوط القوى الغربية، وتسترد قدرتها على إعادة بناء اقتصادها وتأمين شعبها بما تتخذه من سياسات نحو الاكتفاء الذاتي بأكبر قدر ممكن منه، وتستقيم به سياساتها لتنظيم التوازنات الطبقية والاجتماعية بين أهاليها وفئاتها. وقد جرى تجاهل هذه الأمور الحيوية التي تشكل المضمون الحقيقي للمطلب الديموقراطي. وانحصر الحديث في الصراع الصوري حول الدينية والمدنية، برغم أنها محسومة في دساتير مصر كلها، وهي أن الإسلام دين الدولة الرسمي، وهذا يقتضي أن تكون مرجعيتها الفكرية آتية من الثقافة السائدة في المجتمع، وهي الثقافة الاسلامية بطبيعة الحال، ووفقاً للثقافة السائدة لدى جمهرة الشعب المصري، تماماً كما أن اللغة العربية هي لغتها الرسمية طبقاً للغة السائدة بين جماهير الشعب المصري. ولا يملك أحد تعديل أي من هذين الواقعين الحاصلين الثابتين.

وإن هذا الخلاف الحادث على مدى الفترة التالية للثورة هو ما أخفى حقيقة الصراع بين القوى الديموقراطية غير الواعية بحقيقة قضيتها وبين قوى الاستبداد التي كانت لا تزال مسيطرة على جهاز الدولة، فأدارت الصراع السياسي في اطار هذه الثنائية الخاصة بـ «هل الدولة دينية أو مدنية؟»، ودعمها في ذلك جمهور المسيطرين على وسائل الاعلام، و استردت الدولة بأجهزتها السابقة السيطرة على الحكم من جديد، واستعاد النظام السابق أسس وجوده المستبد القديم بدءاً بما جرى في 3 تموز 2013، وظهرت المعالجات للاقتصاد عن طريق الإعلان عن طرح أراضي مصر للاستثمارات العالمية والاستثمارات الخليجية لدول النفط بوجه خاص، وارتبطت سياسة مصر بسياسة دول الخليج النفطية احتياجاً للمعونات والقروض المالية.

هكذا، فقدت أجهزة الدولة أهم خبراتها الفنية وسلوكياتها المعنوية الرسالية في الادارة والحكم ورسم السياسات، وفقدت المعارضة والقوى الأهلية ذات الخبرات والسلوكيات، مما أفقدها إمكان الحلول محل الدولة.

لقد كانت نخب مصر المهنية والحرفية قد هاجرت تباعاً لدول النفط الخليجية على مدار ثلاثة أو أربعة عقود من السنوات على ما سبق ذكره، وظنت بذلك أنها تحل مشاكلها المعيشية والحياتية، وظنت حكومات مصر ذلك منذ السبعينيات أنها تحل مشاكل مصر بتصدير العمالة كما تصدر الأرز والقطن. ومع الوقت، فقدت مصر العنصر الفعال الأوحد الذي تبني به نهضتها واقتصادها واستقلالها، وغرقت في الديون وانحسر تصديرها تماماً من القطن ويتهدد أرزها بالمصير ذاته. إن كان الأمر كذلك، فإن الدولة الآن تسير في المسار ذاته، مسار العمل في دول الخليج النفطية. كما لو أن دولة مصر ذاتها قد هاجرت هي الأخرى لدى دول النفط لقاء أجر أنساها ما في بلدها من امكانات انتاجية كثيرة، وأولها وأهمها والذي يمثل العمود الفقري لها، هو عمالتها، التي كانت ماهرة، وندعو الله أن تعود إلى مهارتها وعلميتها وقدرتها على حمل بلدها في مستقبل آت بإذن الله.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان