رئيس التحرير: عادل صبري 02:56 صباحاً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

مساجد مصر بين عبد الناصر وعمرو بن العاص!

مساجد مصر بين عبد الناصر وعمرو بن العاص!

بقلم: عصام تليمة 11 يناير 2015 09:04

لا تزال نغمة التطبيل للعسكر مستمرة، ممن صدعوا رؤوسنا أيام مبارك بالتنديد بسياسته، وعسكرة الدولة، فإذ بهم في ظل الانقلاب يطبلون من جديد للعسكر، وكعهدنا بالعسكر وحكمه فإنه دوما يستخدم الدين لإسباغ هالة عليه، وأحيانا بالتجاوز على حساب الدين من باب تقديسه وتعظيمه، بل المقارنة بين العسكر والأنبياء والصحابة، وهذا ما رأيناه مؤخرا من إبراهيم عيسى حيث قال: إن جمال عبد الناصر بنى مساجد أكثر من عمرو بن العاص، وخدم القرآن أكثر من عثمان بن عفان!! فهل هذه المقولات صحيحة؟! أم أنها تدليس بمعلومات يوحي ظاهرها بالصحة، بينما باطنها يحمل إفكا وافتراء واضحا لمن يتفحصه بدقة؟!

اعتمد ابراهيم عيسى على عدد المساجد، وكأن التفاضل بين الناس سيكون ببناء المساجد، وسأفترض صحة ما ذكر من كلام بناء على أرقام، ولكن الأمانة العلمية والدينية والتاريخية تقتضي أن نقف وقفة منصفة مع علاقة عبد الناصر (الحاكم العسكري) بالمساجد والقرآن، في ضوء علاقته بالإسلام ذاته. فهل فعلا بنى عبد الناصر مساجد في عصره؟ وعلى نفقته أو نفقة الدولة؟ أم من بناها المصريون من أموالهم بعيدا عن رعاية الدولة؟ وهل هدمت مساجد في عهد عبد الناصر؟ وهل بنيت مساجد بنفس عدد بناء الكنائس؟

أولا: المساجد في مصر التي بنيت في عهد عبد الناصر لم تبن على نفقة الدولة، بل بناها المصريون من أموالهم، وهي مساجد أهلية، ثم كانت الدولة تضمها لها فيما بعد.

ثانيا: صادر عبد الناصر أوقاف المسلمين التي كان يبني منها المسلمون المساجد، ويعمرونها، وغيرها من وجهات الخير من الوقف الإسلامي، فالصواب أن عبد الناصر صادر وأمم أموال الأوقاف ومنها المساجد، ولم يبن مساجد.

ونموذج لذلك ما قامت به امرأة مصرية صالحة تسمى بالخازندارة، فقد رصدت ما تملك لمسجد وملجأ ومستشفى، ابتغاء مرضاة الله وطلباً لمثوبته؛ فجاء عبد الناصر فوضع مشروعاته لأخذ المستشفى وجعله عامّاً لا خاصاً بالمسلمين، ثم أخذ بعد فترة الملجأ، ثم جرد جهة البر الباقية مما تملك من عقار أو أرض. وكان وزير الأوقاف بصفته أميناً على أموال الأبرار من المسلمين، هو الذي يُعين مدير مستشفى (بولاق) للولادة مثلاً، وكان هو الذي يُسأل عن إمداد المستشفى بكل ما يحتاج إليه... فإذا الوزارة تُكلّف بترك جميع مستشفياتها، ويلغى القسم الطبي بها، وتضيع صلة الوزارة الدينية بمستشفى (قلاوون)، ومستشفى (الملك)، ومَبَرَّة محمد علي، ومستشفى الجمعية الخيرية الإسلامية، ومستشفيات ومستوصفات شتى في القاهرة والأقاليم، كل هذه مساجد وملاجئ ومستشفيات كانت من أموال المسلمين وأوقافهم، فصادرها عبد الناصر، أفبعد ذلك يدعي جهول أن عبد الناصر بنى مساجد، أم أنه صادر المساجد وأموالها، لتكون في جيوب العسكر؟!

ثالثا: لو قمنا بحصر المساجد التي حاول المصريون بناءها في عهد عبد الناصر مثلا، سنجد أنها مقارنة بتعداد السكان بين المسلمين والمسيحيين، بنى المسيحيون أضعاف ما بنى المسلمون، رغم فرق العدد بينهما،

يقول رحمه الله: (سر من ميدان التحرير إلى ميدان رمسيس، فلن يلقاك مسجد واحد، ويمكنك أن تحصى بين الميدانين سبع كنائس سامقة. وحسبنا أن نقول: إن فى (مصر الجديدة) وحدها 34 (أربعا وثلاثين) كنيسة لطوائف مختلفة وفيها سبعة مساجد للمسلمين!!!) انظر: كفاح دين 126.

ولما حاول الشيخ الغزالي ضم قطعة أرض في المحلة الكبرى حول مسجد، انظر ماذا فعل بالوزير الذي ساعده في ذلك، يقول الغزالي في مذكراته (قصة حياة):

الوزير أحمد عبد الله طعيمة، لم أر مثله حباً في الخير، ورغبة في خدمة الإسلام، وحماساً في فتح المساجد، ودعم الدعوة، وتذليل العقبات أمامها...
جئته يوما –وأنا معتزٌ بتقويته لي- وقلت له: قمت بعمل لله في المحلّة الكبرى لا يجيزه القانون، ولكني ثقة فيك، واطمئناناً إلى عونك فعلته! قال مبتسماً: ماذا فعلت؟
قلت: وجدت الكنيسة التي تقع أمام مسجد أبي الفضل الوزيري، يعاد تشييدها، ورفع أبراجها، وتجديد معالمها، وبدا المسجد أمامها قزما، وعلمت أن أرض الأوقاف حول المسجد سوف تباع بالمزاد، وقد يشتريها إخواننا الأقباط ويتم حصار المسجد، فأمرت الأهالي بالاستيلاء عليها وتوسيع المسجد فوقها، وأثبتُّ ذلك في دفتر الأحوال، وكلفت مدير المساجد بمتابعة التنفيذ وتلقي التبرعات لتجديد المسجد على النحو المعقول!

فأطال الرجل النظر في وجهي وسأل: باسم مَنْ مِنَ الواقفين يكون هذا العقار المراد ضمه إلى المسجد؟ قلت: لا أدري! قال: ابحث على عجل وتعال إليّ...
ولم يمض غير أسبوع حتى كان العقار قد ضًمَّ إلى المسجد ضماً قانونياً وصدرت الأوامر بجعل مسجد الوزيري مسجداً نموذجياً... وتمَّ ذلك كله بفضل الله...
وكوفئ الوزير الغيور على الإسلام بإخراجه من الوزارة، وإرساله سفيراً إلى أمريكا الجنوبية).

رابعا: هل يعلم إبراهيم عيسى وغيره، عدد المساجد التي هدمت وحولت لخرابات، في عهد عبد الناصر، حتى عام 1957م فقط؟! أحيله لتقرير ومعلومات أصدرتها بلدية القاهرة عام 1957م، وقد نقل الشيخ الغزالي رحمه الله هذه المعلومات في كتابه (كفاح دين) فصودر الكتاب ولم يطبع في عهد عبد الناصر، إليك بعضا من هذه المعلومات:

قام عبد اللطيف البغدادي بهدم عشرين مسجدا كبيرا في القاهرة، بهدف تجميل القاهرة. وفي محافظة القاهرة فقط وخاصة القاهرة القديمة، تم رصد مائة مسجد تحولوا إلى خرابات، ذكر القائمة كلها بتفصيل المسجد ومنطقته، معظمها مناطق قريبة من الجامع الأزهر، ومساجد ذات تاريخ عريق، انظر: (كفاح دين) للشيخ الغزالي ص: 134-136. فكم كنيسة، وكم معبد لليهود، هدم في عهد عبد الناصر، الإجابة: لم يهدم جدار واحد. أفبعد ذلك يدلس إبراهيم عيسى ويقارن بين عبد الناصر وعمرو بن العاص؟!!

أما عن علاقة عبد الناصر بالقرآن، وتملق الكتاب ورجال نظامه له، لدرجة وصلت بتشبيهه بالله، والرسل، فهو ما يحتاج منا إلى مقال آخر إن شاء الله.

 

Essamt74@hotmail.co

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان