رئيس التحرير: عادل صبري 06:36 صباحاً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

«إيبدو» بين الشافعي وفولتير

«إيبدو» بين الشافعي وفولتير

مصطفى زين 10 يناير 2015 12:48

من فولتير هذه العبارة: «قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لحقك في الدفاع عن رأيك». ومن الشافعي هذه العبارة: «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب».

 

لكن من فولتير إلى مواطنه قائد «الثورات العربية» برنار هنري ليفي مرت حرية التعبير بمراحل قمع وقتل وتشريد وتعسف ولم تأخذ الحكومات في الحسبان حكمة فيلسوف الأنوار، بل أخذت برأي ليفي وأمثاله. ومن الشافعي إلى «الخليفة» البغدادي مر العالم العربي والإسلامي بما هو أقسى مما مرت به أوروبا التي شاركت أيضاً في القمع والقتل، وما زالت، بحجة نشر فكر عصر الأنوار في ظلمات الشرق، ولم يأخذ حكام ولا رؤساء ولا غالبية برأيه، بل انتشر الإرهاب والاستبداد والقتل والتدمير.

 

بعيداً من الفلسفة والفقه، وحق الاختلاف وحرية التعبير. أمامنا واقع أضاءه الهجوم الإرهابي على «شارلي إيبدو» في باريس، وقتل صحافيين لا ذنب لهم سوى التعبير عن رأيهم بريشة ساخرة. وأمامنا واقع علاقة بين الغرب والعالم الإسلامي عمرها عشرات السنين، إذا لم نأخذ التاريخ القديم والمعاصر في الاعتبار، أي منذ تجنيد مسلمين لمحاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وانقلاب هؤلاء على الولايات المتحدة وأوروبا، ثم عودتهم إلى بلدانهم ليعرفوا باسم «الأفغان العرب»، ولتحتضن بعضهم عواصم أوروبية أسدوا لها خدمات خلال «جهادهم». لكنهم انقلبوا عليها وعلى بلدانهم، وعادوا إلى أيديولوجيتهم في محاربة «الكفار والصليبيين»، وأسسوا نهجاً جديداً في «جهاد» حكوماتهم ومجتمعاتهم، وكل من يخالفهم الرأي، وتحولوا من «مجاهدين» إلى «إرهابيين»، خصوصاً بعد الهجوم على البرجين في نيويورك، وبعد احتلال العراق وحلّ جيشه وتقسيمه (نعم العراق مقسم). وبعدما قرر الرئيسان جورج بوش وجاك شيراك (عام 2004) إسقاط النظام السوري، والتخلص من الأسد، وبدآ البحث عن معارضة قادرة على إطاحته فلم يجدوا أكثر جدارة من أصحابهم القدامى. ومن يفتقد الخبرة منهم فالاستخبارات حاضرة لتدريبه وتسليحه وإرساله إلى أرض «الجهاد».

 

هل كانت فرنسا، أو أميركا، تتصور أنها بعيدة على «الجهاديين»؟ (التعبير محبب لدى الإعلام الأوروبي والأميركي لأنه يستعيد حقداً تاريخياً). هل وصل الغباء برؤساء وسياسيين ومستشاريهم حد التصور أن «القاعدة» ستنتهي بقتل ابن لادن، وأن ليبيا، على مأ اعلن الرئيس الفرنسي، أو العراق، على ما أكد جورج بوش وساركوزي، ستتحول إلى واحة للديموقراطية؟

 

والطريف أن الحلفاء الغربيين الذين يشنون الحروب معاً، يعودون إلى السباق (إقرأ الخلاف) على استثمارها، إما عبر تجارة السلاح، أو إعادة البناء، بعد تدمير البلدان وإطاحة الديكتاتوريات. وغالباً ما تكون التجارة رابحة. أي أن قيم السوق تتحكم بالسياسة والحرب، أو هي قيم برنار هنري ليفي الذي أعلنها «حرباً»، بعد مذبحة «إيبدو». وليست قيم فولتير ولا فتاوى الشافعي.

 

في زمن الاستعمار القديم لم يكن في أوروبا مسلمون. كانت فرنسا أو بريطانيا ترسل أسطولها وآلتها الحربية، وتحتل بلداناً، من دون أن تخشى رد فعل في مدنها، فالحرب بعيدة في أرض الغير. أما اليوم ففي القارة القديمة جاليات مسلمة تتفاعل مع ما يحدث في بلدانها الأصلية. وأبناؤها يرسلون لـ «الجهاد» في تلك البلدان فيقتل بعضهم، ويعود آخرون ليستكملوا «جهادهم» الديني، بناء على فتاوى البغدادي، مستخدمين خبرتهم القتالية التي اكتسبوها في أرض المعركة أو خلال التدريب في معسكرات «سي آي إي» أو الاستخبارات التركية. مجزرة «إيبدو» تؤكد ذلك فـ «السوريون الفرنسيون» عادوا، مثلما عاد قبلهم «الأفغان العرب»، وسيمارسون الإرهاب الذي تعلموه.

 

هل تعيد فرنسا حساباتها، أم تستمر في استثمار دم أبنائها وأبنائنا في تجارة السلاح والحروب؟

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان