رئيس التحرير: عادل صبري 08:34 صباحاً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (2)

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (2)

مقالات مختارة

طارق البشرى

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (2)

طارق البشرى 10 يناير 2015 11:44

(1)

إذا كان مؤرخنا الكبير عبد العزيز محمد الشناوي في دفاعه النبيل عن الدولة العثمانية في كتابه المتعدد الأجزاء «الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها».

إذا كان قد أورد فيه أن علماء مصر وفنانيها ومثقفيها الذين أجبروا على تركها إلى اسطنبول مع السلطان سليم قد بدأوا يعودون إلى مصر بعد تولي السلطان سليمان الحكم هناك في سنة 1520، وأن ابن اياس ذكر أخباراً عن عودة هؤلاء في الجزء الخامس من كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لوصف دخول السلطان العثماني سليم الأول مصر، فإنه مع مراجعة هذا الأمر ومع صحة ما ذكره مؤرخنا، فإن أعداد العائدين لم تكن بالحجم الذي كان خرج منها (صفحات من 390 إلى 461)، وأن هؤلاء العائدين لم يعودوا إلى أعمالهم التي كانوا عليها بعدما ألغيت وظائفهم ودمرت صناعاتهم وتجاراتهم ومراكز نشاطهم المهنية، وأن العودة للبعض لم تُفض تلقائياً إلى وصل ما انقطع من سياق اقتصادي وثقافي وحضاري ومهني وحرفي سابق.

وهي تكشف أن هؤلاء العائدين بعدما فقدتهم مصر كمستوى حضاري، لم تكسبها عودتهم استعادة ما سبق فقده. ونحن هنا لا نتكلم عن الذهاب الجبري لهم ولا عن البقاء الجبري أو الاختياري لهم بالخارج، بل نتكلم عن فقد الأداء الوظيفي ودلالته وأثره الحضاري بصرف النظر عن مدى الجبر والاختيار فيه. ونحن هنا لا نتكلم عن الدولة العثمانية ولا نزن محاسنها وسيئاتها، ولكننا نتكلم عن مصر وما ألمّ بها بسبب هذا العامل من التهجير والبقاء هناك، جبراً كان أو اختياراً.


والمهم في مطالعة سريعة الإلمام بالواقع التاريخي، فإن مصر لم تستطع أن تنشئ لها قوة نخبوية حضارية بديلة بما يجعلها صنواً لاسطنبول أو غيرها من العواصم المهمة، لم تستطع ذلك بعد هذا التاريخ السحيق إلا في بدايات القرن التاسع عشر مع حكومة محمد علي لمصر التي تولاها وبدأ يشكل فيها هذه الاستقلالية النخبوية الحضارية، والتي كان لها من بعد فضل النهضة بمصر على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، برغم الصعوبات الهائلة التي مرت بها، وخصوصاً بالاستعمار البريطاني لها سنة 1882، والأطماع التي عانت منها قبل ذلك أيضاً منذ 1840 وحتى الآن. بمعنى أن مصر انتظرت نحو ثلاثمئة سنة حتى واتتها فرصة النهوض الحضاري بعد تلك النكبة القديمة.


(2)

على أي حال، فأنا لا أذكر هذا التاريخ البعيد لمجرد التذكير بواقعة تاريخية سابقة. ولكني أقصد بها أن أضرب المثل على الأثر الحضاري الذي تمثله هذه الفئات إيجاباً بتوافرها وسلباً بفقدانها، وأسوق هذا المثل مدخلاً للحديث عن مثيل جرى بمصر ويجري بمثيل له منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وهو أمر ملاحظ في وقائعه وكان متوقعاً في آثاره منذ هذا التاريخ من أربعين سنة مضت.

وما يثير إعادة الحديث عنه وتجديد هذا الحديث هو ما شعرنا به ونشعر، من ضياع جرى بعد «ثورة 25 يناير» 2011 وحتى الآن، حتى أننا بعد ثورة حقيقية اضطرب بنا الأمر، ولم ندر ماذا نصنع ولم يتقدم أحد بمشروع حضاري متكامل الأركان وطنياً واجتماعياً واقتصادياً، ووقعنا في دوامة صراع مصطنع عجيب عن «دينية الدولة أو مدنيتها»، ولم نجد سياسات نملأ بها طموحنا الوطني الديموقراطي، فغرقنا في الصراع المصطنع.


والحاصل أنه مع انتهاء حرب 1973 بنحو عامين، بدأ الاستعداد لعملية الصلح بين مصر وإسرائيل بقيادة الرئيس الأسبق أنور السادات، وكان ذلك مصحوباً بسياسات خارجية تخرج مصر من عداد دول عدم الانحياز المستقلة وتلقي بها في إطار الهيمنة الأميركية، وكذلك بسياسة تصفية البرامج الاقتصادية والاجتماعية لبناء مصر بناءً مستقلاً غير تابع للهيمنة العالمية، وإعادة التشكل الطبقي القديم لمصر بإعادتها لسيطـرة طبقة جديدة من الأغنياء الطفيليين الذين لا يكوّنون ثرواتهم من الإنتاج، بل من التجارة الخاصة ومناصب الدولة، وتتاح لها فرص السيطرة الاقتصادية على البلاد من خلال المشاريع الخاصة المرتبطة بالخارج.


(3)

ظهرت فكرة هجرة النخب من العاملين في هذا الإطار. ونحن نعتمد في ذكر ما سنذكره على كتابات ظهرت في هذه الحقبة، من عادل حسين رحمه الله ونادر فرجاني وسعد الدين ابراهيم وعبد الباسط عبد المعطي وماهر سليمان النجار، وهي كتابات ظهرت في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، وذلك عن سياسة قامت الدولة المصرية بنفسها بتنفيذها وتشجيعها.

وأول ما تظهر به سياسة تهجير النخب كسياسة ترسمها الدولة وتعمل على تنفيذها، هو تصريحات لعبد العزيز حجازي، الذي كان نائباً لرئيس الوزراء ثم رئيساً للوزراء في هذه الفترة، يقول «فالعمالة المصرية قوة تصديرية ضخمة بدأنا نصدرها فعلاً إلى بعض دول أوروبا، ولكن لكي أوجهها كقوة تصدير، لا بد من توسيع قاعدة التعليم والتدريب...» وقال كذلك «لا بد أن يكون هدفنا بالنسبة لتصدير العمالة واضحاً كهدفنا بالنسبة لتصدير القطن والأرز، وأن نكسر الكلام الخاص بقيد الهجرة وعـدم تصدير البشر، لأننا محتاجون لهذه الخبرات. بالعكس، فإن العمالة المصرية ضرورة لشعب ينمو ولا تتوازن إمكانياته مع النمو البشري المرجو (المرجع / عادل حسين: الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية. الجزء الثاني. ص 99 – 100).

وقد تضمن دستور 1971 نصاً جعل الهجرة حقاً لكل مواطن هو نص المادة 52 منه، وبدأت المصالح الحكومية تشجع الهجرة بالإعارات والإجازات. وصدرت قرارات جمهورية وقرارات وزارية تنظم هذا «الحق الدستوري»، مع جعل الحق للمهاجر في أن يعود إلى عمله الحكومي السابق خلال سنة من استقالته، وذلك تشجيعاً لهم على الهجرة بضمان إمكان العودة بعد التجريب.

أما عن حجم العمالة المصرية في الخارج، فقد ورد في التعداد الرسمي لمصر لسنة 1976 أنها بلغت 1,425 مليون نسمة، ويذكر عادل حسين أن الرقم ارتفع في سنة 1979 إلى 1,89 مليون نسمة (المرجع السابق ص561) بتشجيع الحكومة للهجرة من القطاع العام بطريق الإعارة، وأن الهجرة ذات طبيعة انتقائية، لأن أصحاب المهارات هم المطلوبون، وأن 90 في المئة كانوا من ذوي الشهادات من الإعدادية إلى الدكتوراه، وأنه في الكويت كانت نسبة ذوي المهن العلمية والفنية سنة 1965 هي 52 في المئة زادت سنة 1975 إلى 60,5 في المئة (ص562، 563).

ويستخدم نادر فرجاني رقم مليوني نسمة للعمالة المصرية في البلاد العربية، وأنها يمكن أن تصل إلى 3 ملايين نسمة، وأنه إذا كان تعداد مصر في سنة 1980 هو 42 مليون نسمة، فإن نسبة هذه العمالة تصل إلى 5 في المئة من السكان أي 10 في المئة من جملة الذكور و15 في المئة من ذكور في سن العمل، وأن الكثيرين منهم ينتمي إلى قمة السلم المهني فضلاً عن سُدسي الأعمال الكتابية (الهجرة إلى النفط، أبعاد الهجرة في البلاد النفطية وأثرها على التنمية في الوطن العربي - د. نادر فرجاني، «مركز دراسات الوحدة العربية» ص 56 – 58). كما يذكر فرجاني أن عدد العمالة في الخارج يؤثر في حالة 15 مليون مصري خلال الفترة من 1974 إلى 1984، أي يؤثر في ثلث عدد سكان مصر في بداية سنة 1985 (تقرير أول عن مسح الهجرة من مصر سنة 1985 د. نارد فرجاني. «المجلس القومي للسكان»).

كان عادل حسين، في ما يبدو لي، أول من لفت النظر إلى هذه الظاهرة في كتابه المهم السابق الاشارة إليه والصادر في أوائل الثمانينيات. وهو يعلق على فتح باب هجرة العمالة المصرية من بلدها فيقول «إن المهارات البشرية هي المحرك الأساسي لتسارع التنمية»، وإن عدد المؤهلين لذلك في بلادنا لا يزيد عن احتياجتنا، وإن ما بدأ «منذ سنة 1974 كان أخطر في آثاره من فتح الباب بلا ضوابط أمام استيراد الاستثمار الاجنبي»، و «إن أخطر من كل ما ذكرنا على المجتمع ككل فتح الباب بلا ضوابط أو ترتيبات لتصدير قوة العمل المصرية للخارج». وهو يعتقد أن ذلك كان مخططاً لوأد التنمية المستقلة في مصر (المرجع السابق ص 99 – 100). ثم يذكر أنه حتى زيادة الأجر للعامل بغير زيادة الإنتاج القومي يعود على سلع ترفيه لا يجدها في بلده، ما يفتك بالنسيج المجتمعي، وأن الهجرة قد أدت إلى أن دخل الفرد لم يعد مربوطاً بزيادة الإنتاج ولا بالتنمية الشاملة لمجتمعه، إنما صار ممكناً بمجرد الحصول على تذكرة سفر وتأشيرة سفر لقطر مجاور (ص566).

تنشر المقالة على ثلاثة أجزاء متتابعة


نقلاً عن السفير

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان