رئيس التحرير: عادل صبري 04:57 مساءً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (1)

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (1)

مقالات مختارة

طارق البشرى

مصر بين الأمس واليوم.. وداعاً للطبقة الوسطى (1)

طارق البشرى 09 يناير 2015 15:52

(1)


استعير هذا العنوان من عنوان لكتاب لرمزي زكي، أصدره منذ أكثر من خمس عشرة سنة.

وهو كتاب مع كتابَين آخرين له يعتبر موضوعهم من أهم ما يتلاءم مع وضعنا الحاضر على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة، والكتابان الآخران هما «الليبرالية المستبدة» و «الليبرالية المتوحشة» أصدرهما في تسعينيات القرن العشرين.

والطبقة الوسطى التي هتف بتوديعها الكاتب الجليل، ذكر أنه يعني بها مختلف الشرائح الاجتماعية التي تعيش أساساً من الرواتب المكتسبة في الحكومة والقطاع العام وفي الخدمات والمهن الحرة، حتى وإن كان يمتلك بعضهم دخلاً إضافياً من عقار أو من عمل آخر لديه.

وتتكون هذه الطبقة في نظره من شريحة عليا تضم علماء وباحثين وأساتذة جامعات وأصحاب مهن متميزة في الطب والهندسة والقانون والفن والجيش والشرطة، والشريحة الوسطى منها تتكون من أعداد أكبر من السابقين في الوظائف والأعمال الفنية والإدارية والإشرافية، مثل المدرسين وذوي الوظائف في المؤسسات المختلفة. والشريحة الدنيا تضم أعدادا كبيرة من صغار الموظفين وغيرهم ممن يعمل في الوظائف الكتابية والبيروقراطية.. هذه الشرائح متداخلة وليس بين بعضها البعض فواصل حادة واضحة.

هذه الشرائـح الاجتماعية من ذوي المهن المختلفة ومن ذوي الحرف كلها وما ينبثق منها جميعاً من ذوي الثقافة والفكر، ممن يعتمدون أساساً في حياتهم على ما يحصلون عليه من عرق عملهم المهني والحرفي، هم من ألقي على عاتقهم تغيير وجه مصر على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. وهم من قادت طلائعهم ثورات مصر وقادوا ما عرفت من حركات نهوض اقتصادي واجتماعي وعلمي وثقافي عبر هذه الأزمنة، ومنهم انبثقت الأبحاث والدراسات والمناهج والبرامج التي حددت تطور مصر في العصر الحديث. ومنهم ومن طلائعهم من قاد ثورات مصر منذ تكونت هذه الشرائح الاجتماعية الحديثة في عهد محمد علي منذ ثورة عرابي، مروراً بثورة 1919، ثم «ثورة 23 يوليو» 1952.

ولكي نعرف وضع مصر الآن بعد «ثورة 25 يناير» 2011، يتعين أن نعرف ماذا حدث لهذه الشرائح الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص الشريحة العليا منها وما تتداخل معه من شريحة وسطى بالتقسيم والتعريف الذي ذكره الدكتور رمزي، وهو التعريف الذي يتعين أن يعتمد في هذا الحديث.

ولكي تتضح لنا الصورة، ويتضح لنا سبب ما أدى بنا إلى الوهن الحاضر، الذي كشفت عنه سلبيات المجتمع المصري بوضوح بعد «ثورة 25 يناير» 2011. يستحسن أن نسوق مثلاً من تاريخ مصر طالما ذكره المؤرخون ورتبوا عليه النتائج على نحو ما سنرى، وهو يتعلق بما فعله السلطان سليم الأول، سلطان الدولة العثمانية، عندما غزا مصر في سنة 1517.



(2)


خصّ إبن إياس الجزء الخامس من كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» لوصف دخول السلطان العثماني سليم الأول مصر، بعد هزيمة المماليك في موقعة مرج دابق بالشام ثم واقعة الريدانية. وكان ابن إياس يطلق على المماليك الذين جاؤوا أساساً من أواسط آسيا، اسم «الأتراك»، ويطلق على العثمانيين الذين جاؤوا مصر فاتحين من الأناضول والآستانة (القسطنطينية سابقاً) اسم «الروم»، بما يميز الأولين بكونهم من أصل الشرق والآخرين بكونهم من أصل الغرب، برغم وحدة أصلهم الجغرافي السابق، وقد دخل السلطان سليم القاهرة من باب النصر في 3 محرم سنة 923 هجرية (26 كانون الثاني سنة 1517)، ومكث فيها ثمانية أشهر كاملة، ألحق بها مصر بالدولة العثمانية بعدما كانت عاصمة لدولة تمتد من الشام شمالاً إلى حدود اليمن جنوباً.

وما يهمني في هذا الحديث هو ما ذكـره ابن اياس مـن أن السلطـان سليم لم يلحق مصر فقط بدولته ويقضي على دولتها، ولكنه قضى على التشكل الحضاري الذي كانت تمثله في العلوم والفنون والصنائع، حتى أن رجاله خلعوا الرخام من مباني قصور القلعة وعواميد الأواوين. حتى «خيمة المولد» التي كانت حديث الناس في فخامتها بقاعتها الكبرى وأواوينها الأربعة وقبتها الشامخة، «لم يعمل مثلها أبداً» كما يصفها ابن اياس. وكذلك جمع العملات ذات الوزن الكبير من الذهب والفضة، فاستبدل بها أوزاناً خفيفة بما يقصد به إضعاف الاقتصاد. وكل ذلك عاد به إلى الأستانة عاصمة ملكه.

الأهم من ذلك كله ما فعله في النخب الثقافية والفنية والمهنية والإدارية والحرفية، أي ما نسميه «الطبقة الوسطى»، وهي كانت ما أوصل مصر إلى مستواها الحضاري بحسبانها دولة كبرى بمعايير ذلك العصر. يقول ابن اياس أن العثمانيين «شرعوا يطلبون أعيان الناس من القضاة والشهود والمباشرين والتجار وأعيان تجار المغاربة وتجار الوراقين وتجار الشرب والباسطية وجماعة البردوارية والرسل وطائفة من السوقة في المصانع وطائفة من البنائين والنجارين والمرخمين والمبلطين والحدادين وغير ذلك من المعلمين، حتى طلبوا جماعة من اليهود، وعينوا منهم جماعة يسافرون إلى اسطنبول فكتبوا أسماءهم في قوائم وألزموا كل واحد منهم أن يحضر له بضامن يضمنه» (ص 178 – 179) «ثم استدرجوا لأخذ الكتب النفيسة التي في المدرسة المحمودية والمؤيدية... وغيرها» (ص 179).

وقد وصف رحيل هؤلاء يوماً بيوم، فيذكر ما كان من ترحيل لبنائين ومهندسين ونجارين وحجارين وحدادين ومدهنين ومبلطين، و «منهم مسلمون ونصارى وحتى طائفة من الفعلة»، ومنهم «قضاة على مذاهب الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، وكذلك تجار الباسطة وخان الخليلي»، ويذكر، «وكانت هذه الواقعة من أبشع الوقائع المنكرة التي لم يقع لأهل مصر قط مثلها في ما تقدم من الزمان» (ص 152 – 183).

كما جرى ترحيل الخليفة أمير المؤمنين الذي كان مقيماً بمصر ويمنح ولاية السلطة شرعاً لسلاطين المماليك بحسبان مصر عاصمة لدولة الخلافة، وبهذا انقطعت الخلافة من مصر ونقلت إلى اسطنبول. «ومن حين فتح عمرو بن العاص مصر لم يقع لأهلها شدة أعظم من هذه الشدة» (ص 183).

وقد شمل الترحيل ناظر الجيش وموقع الدرج، أي قادة الجيش والشرطة، كما شمل قاضي القضاة ومستوفي ديوان الجيش وكاتب الخزانة وأمثالهم من كبار رجال الدولة (ص 187) وكذلك «بعض النصارى من كتاب الخزانة» (ص 188). ويذكر المؤرخ أن عدد من خرج من أهل مصر يبلغ ما يقرب من الف وثمانمئة، وأنه برحيل هؤلاء من القاهرة»، حصل لأهلها الضرر الشامل وبطل منها نحو خمسين صنعة تعطلت ولم تعمل.

كما أورد باباً خاصاً أشار فيه إلى ذكر من توجه إلى القسطنطينية من كبار من تولوا مناصب الدولة، ومنهم «أمير المؤمنين وامراء ومحتسبون وأولاد ناس ومعلمون ورجال فقه وقضاء على المذاهب الأربعة ورجال الخزانة وديوان الجيش ونظار للإدارات والمصالح والأوقاف وأعيان الناس والتجار والخدام والبنائين والنجارين والحدادين والمدهنين والمبلطين والمهندسين والحجارين والفعلة وهم آلاف «لم يقاسِ أهل مصر شدة من قديم الزمان أعظم من هذه الشدة ولا سمعت مثلها في التواريخ القديمة» (ص 229 – 232).


(3)


ولنا أن نتصـور ما حـدث لمصر وقتها وفي ما تلى ذلك من مراحل التاريخ، ما حدث من انهيار حضاري واقتصادي يشمل الانتاج والادارة والدولة والفنون والمهن والحرف. فهي لم تعد حاضرة دولة ذات مركز جاذب كما كانت في العهد الذي ولىّ. كما أنها بالاستيـلاء على مجمـل النخب المشار إليها، لم تعد مركز الاشعاع الثقافي والمهني والحرفي بما كان يجتمع لها من ذوي العلوم والفنون والمهارات.

ولنا أن نتصور كيف كانت ستكون مصر لو بقي فيها هؤلاء المشار إليهم آنفاً، بما يجعلها مركزاً حضارياً جاذباً ويعمل له كل الحساب، حتى أن فقدت مكانها كعاصمة للدولة، ومما يجعلها دائماً في مجال المنافسة للمركز الآخر المستجد. كما لنا أن نتصور ما كانت عليه اسطنبول قبل أن تفد إليها هذه النخب، برغم أنها كانت عاصمة عريقة في الحضارة الغربية منذ قيام الامبراطورية الرومانية الشرقية.

ولكن ما استطاع أن يكسبها ما بلغها من طابع شرقي، هو هذا الوافد إليها من خبرات ومهن وحضارات، أتى بها السلطان سليم من فتحه مصر والشام أيضاً.

تنشر المقالة على ثلاثة أجزاء متتابعة

نقلاً عن السفير

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان