رئيس التحرير: عادل صبري 01:51 صباحاً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

صراعات النخبة ومعضلة الحرية في المجتمعات العربية

صراعات النخبة ومعضلة الحرية في المجتمعات العربية

مقالات مختارة

صلاح سالم

صراعات النخبة ومعضلة الحرية في المجتمعات العربية

صلاح سالم 07 يناير 2015 15:12

أفلت العالم العربي من قبضة المد الديموقراطي الذي فاض على التاريخ الحديث في موجات عدة: أولها هي التي وضعت أسس الحداثة السياسية في نهاية القرن الـ18 من خلال الثورتين الفرنسية والأميركية. وثانيتها هي التي أنضجت تلك المثل في معظم أرجاء أوروبا في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر. وثالثتها هي التي أعادت صوغ العالم عقب الحرب العالمية الثانية.

أما رابعتها فهي التي هبت على العالم في نهاية الحرب الباردة في العقد الأخير من القرن الماضي، لتقتلع معظم النظم الشمولية سواء الأيديولوجية ضمن الكتلة الشيوعية المهترئة، أو التسلطية الفجة المهيمنة على بلدان العالم الثالث، تلك القائمة على النظم الأبوية والعسكرية.

أخفق العالم العربي في مراكمة تراث ديموقراطي، رغم الاختراق الموقت الذي حققته مصر في الحقبة الليبرالية بين عشرينات وخمسينات القرن العشرين، لأن معظم النخب الوطنية/ العسكرية التي قادت عملية التحرر من الاستعمار، والتي تبنت خطاباً تحديثياً بصور مختلفة، فشلت في إقامة الدولة الحديثة عملياً، لأسباب شتى، ربما كان الظاهر منها يتمثل في رفضها ما اعتبرته النموذج الديموقراطي (الرجعي) الذي جسده المستعمر، حيث تحول الموقف النقدي المتصور أن تمارسه إزاء الغرب (المستعمر)، إلى موقف نقضي كامل لكل ما يمثله ذلك الغرب الحضاري من حرية وتقدم. أما الخفي منها، وربما كان الأهم، فهو الرغبة العميقة لدى تلك النخب في وراثة نموذج السلطة الرعوية، والحلول بديلاً من النخب (التركية/ العثمانية)، ولذا أسست نظم حكمها الجديدة على قاعدة العسكرة المجتمعية والشمولية السياسية وتمدد الجيش في الحياة المدنية، وإجمالاً من خلال الدمج الشديد بين المجتمع القاعدي والوظيفة العسكرية التي تمت استعادتها تدريجياً من العناصر غير العربية‏.

وهنا أخذ الكثيرون داخل العالم العربي، وخارجه يتحدثون عن الاستعصاء الديموقراطي العربي، أي استمرار العالم العربي خارج إطار التحول في التاريخ العالمي. وحتى عندما هبت عاصفة الربيع العربي، وتفاءل كثيرون بكسر حال الاستعصاء والدخول إلى فلك الإطار العالمي، سرعان ما استحال الربيع خريفاً غاضباً في كل حين، دموياً في أغلب الأحيان، لم تنج منه سوى تونس حتى الآن، ومصر بالكاد، حيث وقعت مجتمعاتنا العربية في قبضة نخبة دينية أكثر رجعية من سابقتها العسكرية، فرضت على الأمة جدول أعمال لا ينتمي لزمانها الحاضر، ولا يجيب عن أسئلتها المطروحة، ولا يلبي مطامحها إلى التحرر والتقدم، بل يطرح عليها ميتافيزيقية حول الهوية الدينية التي لم تتهدد يوماً، والخلافة الإسلامية التي لم تتحقق يوماً، ساعية إلى فرض أسئلتها ومطالبها بالكيد حيناً، والعنف أحياناً، ما أوصلنا من جديد إلى مأزق تاريخي أكثر شراسة، تتأرجح فيه أقدارنا بين نخبة عسكرية شمولية، ونخبة دينية رجعية، وتحتبس حريتنا خلف الصراع بين جنرالات السلاح، وجنرالات الإيديولوجيا. عادة ما يعشق جنرالات السلاح نمط الحياة العسكري، ذا البنية الصارمة القائمة على تراتبية القيادة من القمة إلى القاعدة، أي على الانضباط الشديد الذي يرتبط لديهم بالقدرة على الإنجاز والحسم وسرعة اتخاذ القرارات، وهو النمط الذي لم يعرفوا غيره، ولا يستطيعون، بسهولة، التكيف مع سواه.

وفي المقابل فإنهم عادة لا يستسيغون نمط الحياة المدنية، القائم خصوصاً على أساس ديموقراطي، وإن اضطروا إلى قبول هذا الأخير فإنهم غالباً ما يختزلونه في الشكل الإجرائي، تجنباً لجوهره الليبرالي، الحاضن السياسي للشخصية الإنسانية بكل مقومات تفردها وتمايزها، رغباتها وجموحاتها، نزقها وجنونها، الذي يستعصي على التحكم والسيطرة، ولا يقبل الخضوع والإذعان، فهذه المفردات تتبدى لجنرال السلاح نزعات عبثية، حاملة بذور تفسخ اجتماعي، أو فوضى سياسية، يتوجب تنظيمها كي يصير المجتمع متماسكاً غير منقسم بين فرقاء متصارعين، ويصير الوطن آمناً ومستقراً، غير مخترق من قبل أجانب متآمرين. غير أن الأخطر من جنرالات السلاح، الذين ينطوون جزئياً على حقيقة ما للقوة، وقد سادوا الزمن العربي لأكثر من نصف قرن، إنما هم الجنرالات الجدد، جنرالات العقائد والطوائف، الذين استولوا على لحظتنا الراهنة، وسدوا أمامنا أفق التاريخ، أولئك الذين ينطوون فقط على أوهام قوة، تغذيها قسوة شديدة تصير ضرورية للتعبير عنها، مطلوب إبرازها لدى الجنرال المفترض، سواء كان حامياً للفكرة الأيديولوجية/ البعثية على النحو الذي يتمرغ فيه، الرئيس السوري، المنتخب أخيراً بأغلبية ساحقة، على أجساد مئات آلاف القتلى، وجماجم عشرات آلاف الأطفال والنساء. أو كان حاملاً للفكرة الطائفية المذهبية على النحو الذي جسده بإتقان يحسد عليه، رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الذي أنفق ثمانية أعوام من حكمه في تغذية الروح الطائفية، وتمتين المكاسب الشيعية على حساب السنة من العرب والأكراد، بل تمكين حزبه وأنصاره في الحلقة الأضيق من رقاب الطائفة الشيعية نفسها، حتى تهلهل نسيج الوطن، فإذا به يتمزق أمام «داعش»، ذلك التنظيم التعيس الذي صار يتحكم بأقدار دولتين كانتا موطناً لخلافتين إسلاميتين عزيزتين، ومهداً لحضارتين قديمتين، بل وصاحبتي جيشين وطنيين حديثين، تمكنا حيناً من هزيمة الاستعمار والحصول على الاستقلال، ولكنهما انقلبا بعد ذلك ليستحوذا على كل شيء، ويهزما كل معارض، حتى هزما نفسيهما، قبل أن تهزمهما «داعش» أو غيرها.

يسعى الجنرالات، سواء بقوة السلاح أو سحر الإيديولوجيا، إلى التحكم في الطبيعة الإنسانية تقليصاً لعوامل تفردها، وتنميطاً للكتلة البشرية التي يحكمونها، والتي تتأسس لديهم جميعها على وعي بالتجانس لا يأبه بالاختلاف، ينكره أو يرفضه، تحقيقاً لأهداف كبرى للجماعة الإنسانية برمتها، أهداف من ذلك النوع الكلي الذي يتصوره الحاكم المستبد ضرورة لشعبه، من غير أن يستفتي فيها هذا الشعب، بذريعة أنها أهداف عليا، تحكمها اعتبارات السيادة، فلا يفترض أن يعارضها أحد، وإلا فهو شخص شاذ، غريب الطور، مواطن غير صالح، فاقد للشعور الوطني، يجب اجتثاثه أو قهره كي يختفي من الصورة، فلا يعدي الآخرين، حيث الجمع هنا يسبق الفرد، والوطن يعلو على الشخص، وإن صار الوطن في النهاية هو ذلك الشخص نفسه، الذي امتطى المقعد، وراودته الأحلام، فقام بنفي الجموع لأنه هو الوطن، والوطن يجبّ ما سواه ولو كانوا أهله.

أما الخبر العظيم الذي يزفه إلينا التاريخ، فهو أن كل المستبدين الذين توهموا قدرتهم على التحكم بالطبيعة الإنسانية، أو على إعادة صياغتها كلية، فشلوا في إنجاز مهمتهم النهائية، حتى لو تحقق لهم بعض النجاح في لحظة البدايات. حدث ذلك للشيوعية السوفياتية التي اعتقدت في قدرتها على كبح الروح الفردية للإنسان، وتحويله إلى ترس يعمل بانتظام في آلة جماعية، عضو يتحرك في سياق كتلة لا ملامح لها.

هكذا تم دمج أفراد الشعب الروسي ضمن الشعوب السوفياتية، عبر التهجير القسري، وصبها في كتل تعمل بانتظام وظيفي رهيب يبدأ في المزارع الجماعية والمصانع الكبيرة، وإلا فهي المنافي والسجون السيبيرية، مروراً بما يشبه الورش الأدبية التي تدافع عن الواقعية الاشتراكية، وفرق الباليه ومعاهد الفنون أو حتى الألعاب الرياضية، التي خضعت جميعها لقوة ضبط ونظام عمل صارم رتيب، تحقيقاً لرفعة الدولة ومجد الأمة، وليس بوازع من رغبات البشر، ولا تحقيقاً لذواتهم واستثماراً لنبوغهم، وكأن الخيال الأدبي والإبداع الفني والموهبة الرياضية يمكن توزيعها وفق بطاقات الرقم القومي، أو حتى البطاقات التموينية.

غير أن ذلك لم يدم طويلاً، فلا الناس كانوا سعداء حقاً، ولا الأمة السوفياتية موحدة فعلاً، ولا الدولة استمرت في تحقيق النجاحات الأولى، حيث أرهق البشر في النهاية، وخفتت دوافعهم، وهرم الحزب الذي أشرف على تنظيمهم، وإن ظل واقفاً مستنداً إلى منشأته، مثل سليمان الحكيم، قبل أن تسقط العصا وتتفكك الدولة، وينطلق الناس في كل حدب وصوب.

وحدث مثل ذلك للنازية، التي سارت أيضاً إلى إهدار قيمة الفرد، ولو عبر طريق مختلف، يتمثل في تضخيمها بالنفخ فيها حتى تنفجر من داخلها، عبر النفخ في الأمة الألمانية ذاتها. فكما أن تلك الأمة عظيمة منذ البداية، خلقت لرسالة كبيرة تعتلي بها قمة الأعراق، وتسعى من خلالها إلى ريادة الحضارات، فإن الفرد الألماني هو أعظم الذوات الإنسانية بشرط وحيد هو أن يكون لبنة أولى طيعة في عظمة الوطن الآري، ومن ثم يتوجب عليه التضحية باستقراره وأمانه، ليحارب الأمم الأخرى خارج هذا الوطن، تلك التي تنفي عظمته، وليضطهد الأعراق الأخرى داخله، تلك التي لا تحمل دماءه الصافية وعرقه النقي، حتى كان ما كان من شوفينية واستبداد ومعارك دامية لأسباب واهية، أتت على تلك المدنية الكبرى، التي أنتجت سلفاً بعضاً من أعمق الأفكار التنويرية، واحتضنت يوماً تيار الفلسفة النقدية، قبل أن تقتل هي ورثته الفرانكفورتيين أو تسجنهم أو يهجروها، هروباً من جنونها الذي دمر كل شيء.

لقد تجاوزت أوروبا شموليتها، واستعادت نفسها، ولكن بعد طول معاناة على طريق الآلام، وكبير ثمن من أرواح ودماء، وهي سنة تاريخية سوف تطالنا يوماً، ولكن بعد أن ندفع أثمانها، التي ربما كان ربيعنا المضطرب مجرد دفعة منها، فيا ويل مجتمعاتنا من تلك الأقساط المؤجلة، حين بيأتي أجلها، مهراً للخلاص من استبداد غاشم أحاط بها دوماً، فرضه عليها جنرالات السلاح حيناً وجنرالات العقائد أحايين.

* كاتب مصري

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان