رئيس التحرير: عادل صبري 02:21 مساءً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

هكذا يُبحر دي ميستورا بين الألغام السورية

هكذا يُبحر دي ميستورا بين الألغام السورية

إبراهيم حميدي 07 يناير 2015 15:06

ستيفان دي ميستورا الذي يجمع البرودة السويدية بالحرارة الإيطالية، قرر الإبحار بين الألغام السورية. حط به الرحال مبعوثاً دولياً إلى سورية، حيث سبقه فشل مخضرمين، الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان والوسيط المحنك الأخضر الإبراهيمي.

دي ميستورا، يعرف أن عليه تفكيك لغز معقد بمستوياته الداخلية والإقليمية والدولية. سمع نصائح قبل قبوله «مهمة مستحيلة». ما يريده الآن «مدخلاً صغيراً». تكرار تجربة السلفادور وسط الحرب الباردة الأميركية - السوفياتية قبل ثلاثة عقود: وقف إطلاق نار لثلاثة أيام يسمح بمرور الأطباء واللقاحات. لقاح أطفال أبناء أطراف النزاع. لا يمكن أحداً أن يكون ضد تلقيح أبنائه وإنقاذهم من أمراض قاتلة. من يقتل بالنار قلبه يرق للموت على فراش المرض. أراد فقط أن تبدأ الأطراف المتحاربة باختبار معنى اللاحرب. أن يصمت صوت البندقية، أن يكتشف كل طرف حجم الدماء المسالة، أن يسأل مؤيدو كل طرف عن قادتهم عن المستقبل. أن يرى كل الناس ثروات «أمراء الحرب».

إذاً، هذا ما يريده دي ميستورا. «تجميد» القتال بدءاً من حلب. من أعقد نقطة. المدينة التي تشكل نموذجاً لمستويات الصراع الأربعة: المحلي، الوطني، الإقليمي والدولي. هو يرى أن هناك فرصة أو نافذة مفتوحة. بعد فشل مفاوضات جنيف بداية عام ٢٠١٤، نسي العالم طيلة العام المأساة السورية على رغم مراراتها ودمائها. تعايش الجميع مع «أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية»، وفق تقارير الأمم المتحدة. جاء تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) ووضع هذه المأساة على الطاولة الدولية والإقليمية: لا يمكن بقاء العواصف السورية داخل جدران سايكس - بيكو. لا يمكن ألّا يفيض الدم النازف إلى ما وراء الصحن السوري. لا يمكن أن تبقى أنهار الدماء في مجاريها.

هناك فرصة، ليست أبدية مثل أشياء أخرى في سورية. فرصة عمرها أربعة أشهر. أراد دي ميستورا اقتناص الفرصة. ذهب إلى الأطراف المتخاصمة وباع لكل منها بضاعته. بالمعنى الديبلوماسي، أظهر حرفية عالية. قدم إلى كل طرف في «تجميد» القتال بعضاً من هواه. في دمشق، استبقت وسائل الإعلام الرسمية أو القريبة من السلطات وصوله بحملة ذكرت بالحملة ضد «الإرهابي» الإبراهيمي. يعتقد المسؤولون أن القوات الحكومية «تربح» في حلب لذلك كانت لديهم شكوك حول «طرح تجميد القتال في بيدر يريح فيه الجيش السوري» وأسئلة عن الأجندة التي يعمل لمصلتحها دي ميستورا: لماذا حلب في وقت يتحدث الأتراك والفرنسيون عن «إنقاذ حلب»؟ لكن دهاءه، وضع «تجميد» القتال في هذه المدينة في مكان آخر، في إطار جهد يقطع الطريق على دينامية وخطط لإقامة منطقة حظر جوي شمال خط العرض ٣٥.٥ يظل مكاناً آمناً قرب الحدود السورية - التركية. يعرف دي ميستورا أن النقاش بين تركيا وفرنسا وإلى حد ما مع مسؤولين أميركيين وصل إلى وضع كل الخطط على الورق لإقامة المناطق الآمنة ومنطقة الحظر الجوي.

لذلك، فإن نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد قال إن «الانفتاح» على قبول الخطة مرده إلى «مقاومة» مساعي الرئيس رجب طيب أردوغان لـ «تسويق إنشاء أي منطقة عازلة أو حظر جوي». أيضاً، استثمر المبعوث الدولي في القلق الذي زرعه وجود التحالف الدولي - العربي في شمال سورية.

 

بين طهران وأنقرة

في طهران، يمكن اعتبار «التجميد» ترجمة لخطة النقاط الأربع التي كانت إيران اقترحتها قبل الانتخابات الرئاسية: وقف إطلاق النار ثم انتخابات محلية وبرلمانية برقابة خارجية وصولاً إلى «مراجعة» الدستور وصلاحيات الرئيس، لكن بعد «اعتبار بشار الأسد رئيساً شرعياً». على عكس الإبراهيمي، غازل النظام وحلفاءه، بل التقى نائب الأمين العام لـ «حزب الله» نعيم قاسم. وهذا الديبلوماسي المحنك، في موسكو، يتحدث الروسية، إذ إن مصطلح «التجميد» ولد من صقيع روسيا واقتراح كان قدمه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف للمعارضة بـ «نسيان» الحل الشامل والدخول في «مصالحات وطنية». نموذح تعرفه موسكو في جمهوريات إسلامية في حديقتها الخلفية. أيضاً، فإن «التجميد» يكمل الاقتراح الروسي بعقد لقاءات تشاورية في موسكو بين أطراف المعارضة ثم بينها وبين ممثلي الحكومة. أمور تعيد الدب الروسي إلى الغابة السورية التي انغمست فيها أميركا بترؤسها التحالف الدولي - العربي لمحاربة «داعش» وتجنب راهن لمراكز النظام.

دي ميستورا ذاته في تركيا حاجة ثانية. يتحدث «العثمانية». سيعطي «التجميد» إلى حكومة أحمد داود أوغلو بالسلم ما عجزت عنه بالحرب. يعطيها ما رفضه الرئيس باراك أوباما. الخطة تتضمن وقف القصف وإلقاء «البراميل المتفجرة» على مدينة حلب مبدئياً ويمكن توسيع ذلك إلى ريف المدينة. ماذا يعني؟ منطقة حظر جوي كأمر واقع كما تريد تركيا. أيضاً سيؤدي ذلك إلى إنعاش المدينة الأسيرة إلى القلب التركي، بضخ استثمارات مالية واقتصادية لإعادة إعمار العاصمة الثانية لسورية جنوب الفضاء العثماني بحكم الجغرافيا والتاريخ والهواء. هذا يعني «إنقاذ» نصف مليون سوري. إلغاء ضرورة الذهاب إلى تركيا ليضافوا إلى مليون ونصف المليون سوري.

موضوع إعادة الدورة الاقتصادية، كان أساسياً في حواراته مع الأوروبيين. يجب أن تستعد دول الاتحاد الأوروبي لتكون أكبر الدول المانحة في إنعاش ٩٠ ألف منشأة اقتصادية. ويجب أن تكون الممول الرئيسي لموازنة من بليوني دولار لإعادة إعمار حلب. أيضاً، مؤسسات المجتمع المدني الأوروبي يمكن أن تستعد لإدخال مساعداتها إلى هذه المدينة عبر الحدود عبر قرارات مجلس الأمن المخصصة لهذا الأمر.

دي ميستورا ثوري. مع المعارضة السورية، العسكرية بفصائلها الـ١٩ والسياسية بتكتلاتها الرئيسية. حواره لا يمكن أن يشمل «جبهة النصرة»، لكنه الأمل بـ «عقلانية» منها لأنها إذا خربت «التجميد» ستخسرها القاعدة الشعبية. أما «داعش» فهو خارج اللعبة. يمكن أن تعتبر المعارضة المعتدلة «التجميد» حلاً إنقاذياً من خطة قوات النظام والموالين لحصار المدينة وتكرار سيناريو حمص القديمة ضمن نهج «الجوع أو الركوع». أيضاً، قد يفتح هذا أفق الحل السياسي. و «ما لا يدرك كله لا يترك جله». أيضاً، فإنه في حال حاولت قوات النظام الانسحاب من حلب لشن معارك في أمكنة أخرى، ستكون فرصة للمعارضة للتقدم في حلب. أيضاً، «تجميد» القتال في حلب سينقذها من الوقوع في مخالب «داعش». يمكن القول لـ «الائتلاف الوطني السوري» المعارض الذي يرى في الاقتراح «حلاً ناقصاً» إن النظام «يدعو في سره ليلاً نهاراً كي ترفض المعارضة، كي يكون في حل من أي التزام» بعدما أعلن موافقته. بل إنه يتوقع أن تقول المعارضة له: «شكراً، أنقذت حلب من سيطرة داعش أو حصار النظام لها». وعلى المعارضة وحلفائها ألا ينسوا إمكانية صدور الخطة بقرار دولي وأن الأمل يحمل فكرة نشر مراقبين دوليين في حلب، لتكون نموذجاً. التعب في المفاوضات الفنية مع وفد الحكومة، مستحق. وثيقة حلب ستكون نموذجاً يتكرر في مدن أخرى.

بالنسبة إلى أميركا وحلفائها، يبيع دي ميستورا وقتاً للعمل على استراتيجيات أخرى وتمرير الوقت الضائع إلى حين قدوم رئيس جديد إلى البيت الأبيض أو يقدم «إدارة هزيمة المعارضة المسلحة» في سورية لتخفيف خسائرها إذا أراد أحد أن يكون متفائلاً. أو ربما، فرصة للنزول من فوق الشجرة أو شراء الوقت إلى حين تغيير الإدارة الأميركية بعد سنتين بعد تفعيل «برنامج تدريب وتسليح المعارضة المعتدلة» في السنوات الثلاث المقبلة.

دي ميستورا الذي جال في جميع العواصم، يعرف أن الجميع إما متعبون أو قلقون من صعود «داعش». «حزب الله» قلق من «جبهة النصرة» والانخراط العميق في سورية. تركيا لا تريد نصف مليون لاجئ إضافي. روسيا قلقة من الشيشانيين العائدين من سورية ومن الكلفة المالية وهي تمون على النظام. أميركا قلقة من «داعش». بالنسبة إلى أطراف أخرى، فإن «داعش» وحش تتقدم أخطاره على أخطار أخرى. هي على بعد ٢٠ كيلومتراً من حلب وقريبة من مدينة عين عرب (كوباني) حيث تدور رحى المعارك مع الأكراد.

منذ فشل مفاوضات جنيف، جرت محاولات لحسم عسكري. بقي التوازن المرن. لا النظام قادر على إعلان الانتصار وسحق المعارضة. ولا المعارضة قادرة على إسقاط النظام ودفعه إلى طاولة المفاوضات. طرف يتقدم هنا، وفجوة تفتح هناك. جبهة تهدأ وأخرى تشتعل. والنزف مستمر بالبشر والحجر. «أسوأ كارثة في العالم» من دون حل، ومن دون محاولة جدية للحل. إحباط شديد عند كل الأطراف. لم تصل إلى الإنهاك المحرك للتنازلات. تعب أطراف، فيما أطراف أخرى لا تريد أن تتعب. يتحدث البعض عن الحل السياسي ويعمل على الحل العسكري.

عندما جاء دي ميستورا خلفاً للإبراهيمي. قيل له أنه يحمل ورقتين، واحدة لقبول المهمة وثانية للاستقالة. جرب العالم حلاً من «فوق إلى تحت» بتشكيل حكومة انتقالية. جرب البعض الحسم العسكري. أمل البعض بالتدخل العسكري الأميركي. أمل البعض بتوسيع مروحة ضربات التحالف كي لا تقتصر على «داعش».

على هذه الخلفية، جاء المبعوث الدولي. وضع لعبة جديدة. ليكن «تجميد» القتال. تجميد القتال مثل طقس لندن. برد شديد. قد تعتريه بعض اللفحات الساخنة، بعض أشعة الشمس. لكنه جامد في شتائه. إذاً، هو ليس إطلاق نار. لا إهانة ولا منتصر أو مهزوم. ليس تكراراً لتجربة حمص القديمة التي يراها النظام «قدوة تحتذى» وتراها المعارضة لعنة يجب ألا تتكرر. وترى دول أخرى إمكانية الإفادة من أخطائها وتلافي عثرات انخراط الأمم المتحدة. إذاً، لتتوقف العمليات العسكرية. يتوقف المقاتلون في أماكنهم، من دون تقدم ولا عودة. ليست إعادة انتشار وليست عودة إلى الثكنات.

سياسياً، ليكن «من تحت إلى فوق». فقط، زرع بذور الحل السياسي. أما الشجر، فإنه ينبت من ركام الحجر. لا بأس في خفض التوقعات لدى المعارضين. إنه ليس تغييراً للنظام. ولا بأس من خفض طموحات النظام، إنها ليست إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

بيان جنيف، المصطلح الذي توصلت إليه الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن. فكرته جاءت من وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري مستفيداً من المجلس الانتقالي الذي تشكل في العراق بعد الغزو الأميركي ٢٠٠٣. ليكن بيان جنيف «مرجعية» للحل. نعم، لا أحد ينسى أن قرارات دولية كانت مرجعية لحلول وعمليات وبقيت الأطراف عقوداً تتفاوض حول تفسيرها. ومن هو أمهر من الحكومة السورية في التفسير. الفرق بين الديباجة والقرار. والنظر إلى البيان كسلة متكاملة. مع تطبيقه بكل صدر رحب، لكن بالتسلسل كما وردت فقراته. لا يمكن انتقاء عبارة واحدة تدعو إلى «هيئة حكم اننقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة بقبول متبادل» وترك الباقي المتعلق بوقف العنف ومحاربة الإرهاب. دي ميستورا نفسه، يقول أنه لا يمكن تجاهل صعود «داعش». أيضاً، هناك القراران ٢١٧٠ و٢١٧٨ المتعلقان بمحاربة «داعش» و «النصرة». هما أكثر إلزاماً من بيان رفض الروس مبكراً إصداره في قرار دولي. أكثر ما قبلوه به تبني القرار ٢١١٨ الخاص بنزع الترسانة الكيماوية له. هناك أيضاً القرار ٢١٦٥ الذي يتضمن وقف العنف وإيصال المساعدات الإنسانية والحل السياسي. هو مرجعية مثله مثل باقي القرارات.

دي ميستورا يعرض منصة أو منبراً أو فضاء سياسياً كي يبرز قادة محليون وأن يناقش ممثلو الحكومة والمعارضة في موسكو والقاهرة الأفكار الكبرى. كي يقرر السوريون مصيرهم ومصير نظام وأشخاصه. وفق بيان جنيف، أن تكون «عملية سورية بقيادة سورية وللسوريين». المبعوث الدولي كان واضحاً. قالها مرات عدة «لا شروط مسبقة». هو يعرف أن كل طرف لديه شروط مسبقة. البعض يقول أنه يجب أن يذهب الأسد غداً. والأسد يقول أن الذين أمامه هم إرهابيون. إذاً، دع السوريين في مصيرهم يتفاوضون. لا بأس بعملية، عملية سياسية، تعطي البعض راحة البال، وتخفف من عبء الأسفار العسكرية.

من يعرف دي ميستورا يعرف أن لديه إطاراً زمنياً وضعه لنفسه. ثلاثة أو أربعة أشهر. إذا لم ينجح لديه خطة بديلة. يلعب الأوراق قريباً من صدره. هو في سورية، يعرف المنطقة. ويعرف أن الشرق الأوسط يتغير. يريد نجاحاً شخصياً. يريد مساهمة في حل الأزمة السوررية ووقف إراقة الدماء. لا أحد يشكك في نياته. الأمل، أن يشفع له عمل ٤٣ سنة في ١٩ نزاعاً حول العالم، للمساهمة ليس فقط في تفكيك اللغز السوري، بل في وضع القطار على سكة الحل.

 

 

* صحافي سوري من أسرة «الحياة»

نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان