رئيس التحرير: عادل صبري 10:21 صباحاً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

أطفال ما بعد الاستعمار

أطفال ما بعد الاستعمار

06 يناير 2015 19:41

يمنحنا الروائي الإندونيسي أندريا هيراتا في العمل الأوّل له في عنوان «عساكر قوس قزح» (الصَّادر في ترجمة عربية عَن دار المنى في السويد بتوقيع سكينة إبراهيم)، جرعة من الأمل.

 

رواية تعد من الأعمال الملهِمة، تلهمنا معنى إيجابيّاً، ونظرة مختلفة إلى الحياة. إلى جانب الدروس التي يمنحنا إياها الروائي، والتي يمررها من دون خطابية فجة أو وعظيّة مدرسيّة، بل بخفة ورشاقة عبر السَّرد الغنائي، ينقل لنا أجواء هذه المنطقة المجهولة بالنسبة لنا قُرّاء العربيّة، فيحكي عن تاريخ المكان جغرافيّاً (جبل سوليمار والمنحدرات والأرض المنبسطة، والرمال المتحركة) وتاريخيّاً (عن نشأة الساوانج ويذكر أهم صفاتهم، وعن سببب تسمية الجزيرة بهذا الاسم بعد اكتشاف البيلتونيت حجر السطام الذي اكتشفه الهولنديون عام 1922) واجتماعيّاً (طبيعتهم وعاداتهم مثل إقامة طقس التخاطب المركزية وحرفتهم في صيد الأسماك، والحكايات الخرافية عن الشامان وعن عادات الملابس، وعن عادات العاشقين وهم يصدعون إلى جبل سوليمار، حيث شبان الملايو يحاولون إثارة إعجاب حبيباتهم فالصعود إلى قمته يعني البرهنة على صدق الحب)، وأيضاً عن نتائج ما بعد الاستعمار وكيف كانت شركة الـ «ب ن» تستغل أبناء المكان أثناء عملهم كحاملين في نقل القصدير.

 

وتمتد أحداث الرواية لتشير إلى أثر الأزمة الاقتصادية التي عمّت العالم في أوائل التسعينات، وتأثيرها في استخراج القصدير ومحاولات الشركة الرأسمالية التي عملت على خفض العمال وغيرها من الإجراءات التي تعرضت لها البلاد، حتى خروج تظاهرات الطلاب في 1998 المطالبة برحيل الرئيس سوهارتو، ثم ما أعقب هذه التظاهرات من ردِّ فعل السكان وهجمته على بيوت الملكية كنوعٍ من الردِّ على بقايا الاستعمار، المتمثل في هذه المساكن واستغلالهم للعمال. ثمة سخرية تسري بين أجزاء النص، من الأوضاع السياسة والطبقية الحاكمة في إندونسيا، والفساد المستشري في نظام التعليم والقائمين عليه، فالقانون لا يحمي سوى صور الرموز أما «أنْ تُدَكَّ مدرسة قرية فقيرة عمرها مئة سنة فلا قانون يعاقب... ولا قانون يحمي الأطفال» أو لا مشكلة على الإطلاق.

 

تُقدِّم الرواية درساً ليس وَعظياً بمقدار ما هو مُستشفٌ من سياق الأحداث، وهو أن الإيمان بالحقِّ، يضمن الحصول عليه، كما أن مقاومةَ الاستبدادِ لا تتطلبُ المواجهة بالسِّلاح، بل قد يكون الخصمان غير متكافئين لكن الإيمان بالحق يقوِّي صاحبه به، وهو ما أدّى إلى زيادة المتعاطفين مع أصحاب القضية، فبدأت المشاعر تجاه شركة «ب ن» التي دفنت طويلاً تفور على السَّطح أو مبادئ الشجاعة والمجازفة وفق القاعدة «ما لا يقتلك يجعلك أقوى».

 

تطرحُ الرواية عبر تنوّع شخصياتها أيديولوجيّاً وطبقيّاً وعلمياً، المدرسة تجمع شتاتاً من الأطفال المتنوعي المشارب، ما بين مسيحي ومسلم وبوذي ومالايوي صيني وفتاة ذات نزوع متفرّد بخصائص نديّة وطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى فتاة تنتمي إلى الطبقة البرجوازية وفقراء بملابس رثة، إمكان التعايش على رغم الاختلافات الظاهرية وهو ما تحقَّق بفضل قيادة الأستاذة الحكيمة التي استطاعت ترويض هؤلاء الأطفال، كما أن الرواية تناقش أزمة المجتمعات بعد التحرُّر من الاستعمار، حيث المحتل لا يترك البلاد بعدما يَرْحَلُ بل يخلق لها المشكلات، وهو ما يعنى أن الرواية تكاد تكون صراعاً ضد حقبة ما بعد الاستعمار فحلّت الشركات الكبرى التي تعكس توجهات رأسمالية محل الاستعمار، فاستعبدت العمَّال وحاصرت المدرسة التي لم يبق منها إلا «اللوح وخزانة العرض الزجاجية التي فيها الجوائز العظيمة». العجيب أن المدرسة كمنوذج استطاعت الانتصار على الاستعمار، ووقف الجرافات، إلا أنها سقطت أمام عدو خفي أقوى «نخر في التلاميذ والمعلمين وحتى في نظام التعليم نفسه... (إنه) المادية».

 

تتوّزع الحكاية على 47 وحدة جاءت معظمها قصيرة، ومعنوّنة بعناوين فرعية، جميعها تدور حول حكاية أطفال المدرسة «عساكر قوس قزح (لاسْكار بلانجي)» وأستاذيهم وصراعهم في مواجهة بقاء المدرسة، بعد تعدُّد محاولات إلغاء المدرسة من جانب المفتش صموديل ممثّلاً عن الفساد والبيروقراطية تارةً والرأسماليَّة الماديّة المتمثِّلة بشركة الـ «ب ن»، كل هذا جاء عبر راوٍ مُتكلِّم وإنْ كان يمتلك صفة العليم، يحيط بالشخصيات والأحداث المختلفة والأماكن بسرده، جاءت الوحدة الأخيرة المعنونة «لا تتخلوا عنها» أشبه بمقدِّمة وإن جاءت متأخِّرة عن الرواية يذكر فيها الرَّاوي - إيكال أسباب كتابة هذه الرِّواية بعد العَهْد الذي قطعه على نفسه عندما رأى معلمته تعبر الباحة وهي تحتمي بورقة شجرة موز قائلاً: «عندما أكبر سأكتب لمعلمتي هذه كتاباً» كما يقدِّم لنا تعقُّب لنهاية الشخصيات والتطوّرات التي لاحقتها بعد مرور الزمن، ومآل الأحلام التي تبعثَّرت في مَهبِّ رياح الفساد والاستعمار، والإهمال.

 

الحكاية التي ترويها الرواية بسيطة، لكن المعاني التي تحتويها عميقة وهو ما يعزِّز قوتها، فإصرار الطلاب على حقهم في التعلم، على رغم العوائق كافة التي أحاطت بهم، ثم نجاحهم وهم يواجهون مصائرهم، وهو بمثابة الحوافز التي تدفع إلى العمل والإصرار كدافع للتغيير، فأبطال الرواية العشرة الذين أطلقت عليهم معلمتهم بومس لقب عساكر قوس قزح نظراً إلى قدرتهم على تحمل العراقيل كافة للوصول إلى ما حلموا به، لكن أولاً وقبل كل شيء تشدِّد الرواية على قيمةِ المعلِّم الحافز والمرشد من خلال شخصيتي بومس وباك هرفان، ودورهما في دفع طلابهما إلى التعلم وانتشالهم من ظروف الفقر، وأيضاً العمل على تهذيب أخلاقهم، فالرواية كما في إهدائها رحلة وفاء من الطالب لأساتذته هي أيضا تشدّد على هذا الوفاء والإخلاص من جانب الأساتذة الذين بذلوا كل ما في وسعهم من أجل تعليم هؤلاء فباك كان متحاملاً وهو في مرضه ليعلِّم تلاميذه، كما أن مس بُومس كانت هي الأخرى حريصة على تعليم هؤلاء الطّلاب العلوم وأيضاً كانت بمثابة المُرشد النفسي والاجتماعي لهم فقوّمت سلوك مهار عندما غَرِقَ في عالم الغيبيات من المذاهب الباطنية، وعلوم الخوارق والمعتقدات الخرافيَّة كلها، وبالمثل هذبتْ سُلوك إيكال عندما انجرف في حُبه لفتاته وما صدر عنه من أفعال في سبيل تحقيق اللقاء، ووصل الاهتمام ليصبح بمثابة اليد التي انتشلتهم من الضياع كما تجلَّى في رحلة الأستاذة بومس بالدراجة عشرات الكيلومترات في أعماق الغابة بحثاً عن تلميذها شمشون الذي عمل حمَّال جوز هند، تارة ثم بحثاً عن شهدان في مناطق سهول نهر لينجانج، واضطرارها لمضاعفة عملها في الخياطة لتسد ما على شهدان من دين.

 

لا يقدِّم لنا الراوي أطفالاً مثاليين فقط، بل يقدِّمهم في صورهم كافة، مثالياتهم، ومشغاباتهم وأنانيتهم، وحدبهم على بعض وكذلك في لحظات ضعفهم وانكسارهم أمام عجز والديهم وفقرهم الشديد كما رأينا نموذج لينتانج وكما حدث مع إيكال وهو ما دفعه إلى رشوة أصدقائه ليحصل على أدوارهم في شراء الطباشير ليتلقي آلينغ، أو لوعات الحب كما أحسّها إيكال «أبقى بعد لقائنا أعاني أسبوعاً من اللّوعة، معاناة مشوبة بسعادة غريبة مبهمة، وممزوجة، بشوق يشرع في خنقي منذ أن تختفي يدها من الفتحة»، أو صعوباتهم أثناء مواصلة الدراسة كمشي لينتانج عشرات الكيلومترات إلى المدرسة، والمغامرات التي يفاجأ بها في الطريق، ولحظات الضعف البشري عندما يقع متلبساً بالجريمة على نحو المواجهة التي واجهته بها بومس عندما طلب منها أن يعلِّق صورة لجون لينون. أو التحدي كما في تحديهم مدرسة الـ «ب. ن» مرة وتحديهم المفتش مرة ثانية ثم تحديهم إدار شركة القصدير بجرافاتها مرة ثالثة.

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان