رئيس التحرير: عادل صبري 04:07 مساءً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

مصر والإلحاد.. نجحت السينما وفشل الأزهر!

مصر والإلحاد.. نجحت السينما وفشل الأزهر!

مقالات مختارة

عصام تليمة

مصر والإلحاد.. نجحت السينما وفشل الأزهر!

بقلم: عصام تليمة 12 ديسمبر 2014 11:05

أثار تقرير دار الإفتاء عن ظاهرة الإلحاد في مصر، ردود أفعال مختلفة، أقل ما يقال عنه: أنه تقرير سطحي بامتياز، من حيث الرصد، ومن حيث التحليل، ومن حيث التعامل مع الظاهرة سواء ثبتت أم لا، فقد بين التقرير أنه رصد حوالي (868) حالة إلحاد.

والمؤسسة الدينية دوما ما تقع أسيرة السطحية العلمية والدينية عندما يسيسها حكم العسكر، بينما نرى الحكمة والتروي في معالجة القضايا الشائكة جدا إذا ما كانت مستقلة، وبعيدة عن ضغط الحاكم العسكري، ففي السبعينيات من القرن الماضي رأينا وزير الأوقاف الدكتور محمد حسين الذهبي وهو عالم من علماء الأزهر في التفسير، وقت فتنة ما سميت بـ (التكفير والهجرة)، والذي سئل عن رأيه وكيفية التعامل معهم، فقال: يجب أن تتعامل معهم الدولة بكل حسم وقوة، ولا تأخذهم بهم رحمة أو رأفة، بينما صرح وزير الداخلية قائلا: علينا أن نتعامل معهم بالحوار، فاستبدل كل منهما مكان الآخر، الداعية الذي يحاور الناس يأمر باستخدام العنف، والعسكري الذي يتعامل بالسلاح يرى أن التعامل الأمثل هو الحوار!!

نفس الموقف نراه في بيان المفتي الحالي (شوقي علام)، وبيانات الأوقاف من قبل حول ظاهرة الإلحاد، وهذا ما جعلني أعقد مقارنة بين: السينما المصرية وتعاملها مع قضية الإلحاد، أو التشكك في الدين، فرأينا السينما المصرية كانت أعقل وأرشد في التعامل مع القضية عن المؤسسة الدينية المسيسة.

لقد اجتهدت في حصر أفلام سينمائية مصرية تعرضت للإلحاد، أو التشكك في الدين، وصدام الدين مع العلم، فوجدت ثلاثة أفلام تناولت بوضوح ظاهرة الإلحاد، والفكر المادي، والأفلام هي:

1ـ فيلم (الشحات)، بطولة: محمود مرسي، وأحمد مظهر، وهو أصله رواية باسم (الشحاذ) للأديب العالمي الأستاذ نجيب محفوظ، وقد صدرت سنة 1960م، وتحولت إلى عمل فني عام 1965م، والذي قال عنه ثروت أباظة: (أرى هذا التعبير عند نجيب محفوظ في رواياته التي أفردها البحث عن الإيمان والتي بدأت (بأولاد حارتنا)، واستمرت حتى أعلن إيمانه في رواية (الطريق). ثم أعلن إيمانه الإسلامي في رواية (الشحاذ).

وتدور قصة الفيلم حول (عمر الحمزاوي) والذي قام بدوره الفنان محمود مرسي، وهو محامي، وقد نشأ شابا مع مجموعة من الشباب في النضال الوطني المصري وقت الاحتلال الانجليزي لمصر، وقد اشترك في اغتيال أحد السياسيين، ونفذ العملية فرد منهم، وهرب الجميع، وحكم على منفذ العملية بالسجن عشرين عاما، فأخذتهم الحياة في خضمها الواسع، وظل طوال عشرين عاما يبحث بطل الفيلم عن سر الكون، عن الله سبحانه وتعالى، وكان يكتب الشعر، ورزق بابنة تكتب مثله الشعر، وفي حوار دار بينهما فوجئ بأن الاختلاف الذي بينه وبين ابنته في الشعر، كما في حوار بينهما، أنه يتساءل في كل شعره عن سر الكون، بينما ابنته تكتب عن جمال الكون، الدال على خالقه (الله) سبحانه وتعالى. ليتساءل في رحلته عن (الله) طالبا من الله علامة تدله على الإيمان، ثم ينكب على قراءة كتب التصوف، وتنتهي رحلته إلى الابتعاد عن الناس لفترة، خاليا بنفسه باحثا عن الله سبحانه وتعالى، وإيمانه به.

2ـ والفيلم الثاني هو: فيلم (غرباء) الذي أنتج عام 1973م، وهو قصة: سعد عرفة، ورأفت الميهي، وبطولة: شكري سرحان، وعزت العلايلي، وسعاد حسني، وتدور قصته حول الفتاة نادية يوسف التي تعيش في أسرة متواضعة الحال، ولها أخ (أحمد) متدين يميل إلى التشديد على أخته، تلتقي الفتاة نادية بأحد أساتذتها في الجامعة وهو الدكتور فؤاد عبيد العائد لتوه من أوربا، محملا بأفكار الغرب، ونظرته عن الدين وصدامه مع العلم، منبهرا بما رأى، ليعود بذلك شارحا لتلامذته ذلك، محدثا بذلك صدمة لتلامذته، وقد حضر معهم أخوها المتدين، والذي يبدو تدينه تدينا سطحيا.  

ثم يأتي الشيخ (الطيب) ومن سمته واضح أنه رجل يميل للتصوف، وقد كان يأخذ (أحمد) عنه التدين، وقد أوضح له الخلل الكبير في علاقته بأخته في نقاشه معها حول الالتزام، وأن عليه أن يكون مدخله هو حب الله والدين، لا الإجبار عليه، ولا القهر لها باسمه.

ويذهب الدكتور فؤاد إلى بلاد أوربا في زيارة جديدة، ليعود بصدمة كبيرة، فالعلم الغربي الذي أبهره، وجعله يتشكك في الدين، وقد كانت وقتها حرب فيتنام، اكتشف أن العلم لديهم بلا أخلاق، وينقص هذه الحضارة الروح التي تجعلها حضارة نافعة للبشرية، لا حضارة يقودها علمها لإفناء البشر لمخالفتهم لهم. صارخا فيها: كله كذب، كذب. ليبدأ رحلة من الانعزال عن الناس، وتحاول تلميذته أن ترده لأفكاره القديمة، قاطعا عليها كل وسائلها بألا تحاول معه. وفي نهاية حواره يقف فجأة أمام مسجد، فيدخله، ويتأمل في جدرانه، وينتهي الفيلم بانتحار الدكتور فؤاد عبيد، تاركا رسالة لتلميذته، بأنه مات وقد بدأ رحلة البحث عن الله، وأن عليها أن تكمل البحث لتصل للنتيجة.

3ـ والفيلم الثالث هو: (لقاء هناك) قصة: الأديب الكبير ثروت أباظة، وبطولة: نور الشريف، وسهير رمزي، وزبيدة ثروت، ومحمد السبع.

والذي قال ثروت أباظة عن هذه القصة، عندما سأله محرر مجلة (دعوة الحق) المغربية: ولقد سألته، هل تعتبر نفسك كاتبا إسلاميا، أو معبرا عن التصور الإسلامي في رواياتك؟

فأجاب قائلا: (أعتبر نفسي كاتبا إسلاميا في رواية  (لقاء هناك) وكذلك في رواية (شيء من الخوف) على أساس أن الإنسان عند الإسلام هو (الحرية)، وأعتبر نفسي، في كل ما كتبت كاتبا مسلما، وأإن لم أكن كاتبا إسلاميا). [1]

وتدور قصة الفيلم حول (عباس) ذلك الشاب الذي نشأ في بيت متدين، خاصة الأب، الحريص كل الحرص على التزام ابنه بالصلاة على وقتها، وذلك من فرط حب الأب لابنه لا يحب أن يتأخر عن أداء واجب ديني، مستخدما في ذلك أسلوبا قاسيا، ومحرجا له أمام أهله، وربما جارحا أحيانا، مما يجععله يستخدم أسلوبا صادما مع أبيه في النقاش، فيصفه بالكفر، فكان من ورائه لا يصوم ولا يصلي، وقد رأى أن العلم الذي يدرسه يتعارض تماما مع الدين، ثم يقع في حب فتاة مسيحية، في حب لم يكتمل بالزواج، فتتجه الفتاة إلى الرهبنة، ويتزوج (عباس) من ابنة خالته التي تناقشه دائما في الإيمان بالله، بأسلوب فلسفي، عن طريق طرح أسئلة لا يجد لها إجابة إلا إما أن يعترف بوجود الله، أو الهروب من الإجابة بالصمت.

لتأتي اللحظة الحاسمة في حياته، فزوجته تدخل غرفة العمليات للولادة، وفي حالة خطرة تنذر بوفاتها، فتطلب منه الزوجة أن يدعو الله لها، فيقع في حيرة بين قناعاته الداخلية وتشككه في وجود الله، وبين الموقف الذي يحتاج فيه إلى نجاة زوجته، ثم يناقش الطبيب الذي يقوم بتوليدها، ويقول له: افعل شيئا، يقول له: قول يا رب، يقول له: والعلم، والطب، وكل هذه الأجهزة، فيقول له الطبيب بلغة العلم: كل هذه أسباب نقوم بها، فيثور (عباس) عليه، أهذا منطق طبيب؟!! فيقول له الطبيب: لو كنت أستطيع نجاة أحد بالطب وحده، لنجت ابنتي والتي ماتت مني وهي تلد!!

فينظر إلى كل من حوله ليجدهم ضارعين لله بالدعاء لنجاتها، فينطق لسانه بالدعاء لله، ويكتب الله النجاة لزوجته. وكأني بالكاتب الكبير ثروت أباظة قد استوحى هذا المقطع من قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) يونس: 22.

هذه الأفلام الثلاثة يضاف لها فيلم، ليس عن الإلحاد مباشرة، بل هو عما يؤدي إلى الإلحاد والتشكك في الدين، وهو ما يفهم منه: الصدام بين الدين والعلم، وهو فيلم: (قنديل أم هاشم) وهو رواية الأديب الكبير يحيى حقي، بطولة: شكري سرحان، وسميرة أحمد، وصلاح منصور. والفيلم مشهور لا يحتاج إلى ذكر تفاصيله.

لو تأملنا تناول السينما المصرية لهذه الظاهرة، سنرى أن كل مؤلف تناولها من سبب رئيس أدى بصاحبها إليها، وناقشه نقاشا هادئا متزنا، منطلقا من أفكار حقيقية لدى صاحبها، مناقشا هذه الأفكار، لا منفرا له منها، بل تاركا للحوار والسياق الدرامي للإقناع بأن لهذا الكون إله، هو الله سبحانه وتعالى، وأن الإسلام دين لا يصطدم بالعلم النافع للناس، وليس خصما له، بل هو داع إليه، مشجع عليه، فأول آياته نزولا كان قوله تعالى: (اقرأ).

بل لو قارنا بين دار الإفتاء المصرية من قبل، أيام الفقهاء العظام، وعندما كان عندها شيء من الاستقلال، في موقفها من الإلحاد، لترحمنا على تلك الأيام، فقد كتب الدكتور مصطفى محمود كتابه الأول: (الله والإنسان) والذي كان فيه ملحدا بوضوح، وهو ما يحتاج إلى مقال مستقل، نعرض فيه لفتوى الشيخ حسن مأمون مفتي مصر وقتها، والذي قام بتحليل لكتاب مصطفى محمود، بشكل منهجي علمي.

فهلا تعلمت دار الإفتاء ومفتيها شوقي علام، ووزير أوقاف الانقلاب محمد مختار جمعة كيفية التعامل مع مثل هذه الظواهر، وابتعدا عن السباق المحموم لإرضاء السلطة على حساب قضايا المجتمع؟ وهلا تعلموا من تاريخ المؤسسة الي ينتمون إليها، أم سنتمثل قول القائل: ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة؟!!

Essamt74@hotmail.com

 

[1] انظر: انظر: مجلة دعوة الحق المغربية الصادرة عن وزارة الشؤون الدينية العددان: 180،179.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان