رئيس التحرير: عادل صبري 08:19 صباحاً | الأربعاء 17 أكتوبر 2018 م | 06 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

في حضرة (أبو همام) كانت لنا حكايات

في حضرة (أبو همام) كانت لنا حكايات

مقالات مختارة

أحمد درويش

في حضرة (أبو همام) كانت لنا حكايات

أحمد درويش 21 ديسمبر 2014 16:48

(1)

"اللغة العربية علي لساني طيعة وموهبة.. وزادي في اللغة كثير وأنا أمعن النظر في المعاجم وفي الدواوين الشعرية وفي النثر القديم وكانت الصحف قديمًا يكتب فيها العقاد مقالات صعبة فعلي القارئ أن يبذل جهدا وليس علي الكاتب أو المبدع أن يتنزل إلي القارئ وكل امرؤ ينفق من كيسه ومن سعته فلماذا أقتر.. أنا الذي حفظت قبل دخولي دار العلوم دواوين العقاد العشرة ومعظم ديوان المتنبي وديوان الحماسة كله لابي تمام! “

 

كلمات من نور قالها صنّاجة دار العلوم الراحل د. عبد اللطيف عبد الحليم..الملقب بـ( أبو همام) الشاعر الثائر والأكاديمي الفذ وعاشق الأندلس ، في حديث أجراه لجريدة الأهرام ، حيث تحدث عن أسلوبه الفخم الرصين في كتابته للقصيدة ،فهو يؤمن بأن المتلقي يجب أن يجتهد لمعرفة ألفاظ اللغة التي يستخدمها الكاتب لا أن يبسط الكاتب من أسلوبه ليفهمه القارئ .

 

رحل أبو همام إلى عالم الآخرة ، وترك من خلفه تراثًا شعريًا عاشقا للأندلس ، وكفاح ثوري ينتصر لقواعد الشعر الصارمة ، وطلبة سمعوا من حكيه الكثير والكثير ودارًا للعلم تبكيه وتشهد علي ذلك.

 

(2)

وصفه الكثيرون بأنه مثّل حالة أكاديمية وشعرية متفردة في الوسط الأدبي ، شبّهه الأستاذ الأكبر فاروق شوشه بمحمود عباس العقاد ـ والذي تتلمذ فقيدنا علي يديه ـ في ثورته ضد الشعر الحر وضد الكلام الموزون المقفي البعيد عن جوهر الشعر، فقال عنه ـ والكلام لأستاذنا فاروق شوشه ـ : “ولقد اقتضاه هذا الاتجاه في الفكر‏, أن يكون من شعراء العمود الشعري‏,‏ ينافح عنه شاعرا وناقدا وأستاذا أكاديميا‏,‏ وأن يكون في طليعة الرافضين للشعر الحر‏,‏ وأن يري فيما تمتليء به حياتنا الأدبية الآن مؤامرة لإفساد الذوق. ”

 

(3)

رحم الله د. أبو همام أستاذ الأدب العربي بدار العلوم .. لا أنسي حكاياته لنا ـ نحن تلامذته ـ عن ذكرياته مع العقاد و إبراهيم المازني , وافتتانه بسيد قطب .. حكيه عن صالون العقاد الأسبوعي والذي لازمه طيلة انعقاده ، وقوله بأن العقاد هو من حثه على الدراسة بدار العلوم.

 

ومن الطرائف الجميلة التي حضرتها .. يومًا سأله طالب : لماذا لم تؤلف كتابا عن ذكرياتك في صالون العقاد ، كما فعل أنيس منصور ( في إشارة لكتاب “ في صالون العقاد كانت لنا أيام”) ، فضحك "أبو همام" بصوت عالٍ وقال : لزمت صالون العقاد حتى مات ولم أتخلف يومًا عن حضوره ، ولكنني لم أر أنيس منصور يومًا يحضر الصالون .. ثم قال: " مشكلة أنيس أن الروائيين لا يعتبرونه روائيا ولا القاصّون يعتبرونه قاصًّا ولا الشعراء يعتبرونه شاعرا ولا الأدباء يعتبرونه أديبًا" .. فضجت القاعة بالضحك .

 

امتلك أستاذنا الراحل حسًا فكاهيًا قرّب تلامذته منه فلا هو غرق في جفاء النظريات المعقدة ولا ابتعد عن بحور العلم .. ودائمًا ما سخر من النقاد الذين كانوا بحد وصفه ( يتجعلصون) في شرح الأعمال الأدبية فيزيدونها تعقيدًا ويطلقون مسميات ما أنزلت اللغة العربية لها من سلطان فمن " رومانتيكية ، إلى كلاسيكية ، إلي الملوخية ” يطلقها بابتسامته العريضة .. ثم يقول: شوقي ليس أميرًا للشعراء .. وهنا يمتعض الطلبة ، فيكمل بابتسامةٍ : أمير الشعراء هو العقاد.

 

ذات يوم حكى لنا عن فتاة جميلة تكبره في العمر ، تلبس فستانًا أبيض وتجلس إلي يمين العقاد.. تضع قدمًا علي قدم وهي تستمع له .. حاول أبو همام الشاب الريفي اختلاس النظرات للآنسة فائقة الجمال .. بيد أنه لاحظ شدّة بياض ساقها .. فركن إلي أذن من بجواره وقال بصوت خافت أترى تلك الفتاة التي تجلس بجانب العقاد .. كيف لها أن تكون شديدة بياض الساق هكذا .. فضحك الآخر حتى دمعت عيناه وقال له : “ دا مش لون رجليها دي لابسه شراب أبيض” ، وإذا بشاعرنا يتقهقر في خجل .. فقال له الآخر : "انت مش عارفها .. دي الفنانة سعاد حسني ، ممثلة مشهورة”.

 

(4)

في حضرة (أبو همام) كنا نستمتع بحكيه عن إسبانيا ورحلاته إليها، وندرك أن فؤاده ارتبط بهذا المكان منذ فتح العرب له ففي دواوينه الشعرية فيضًا لا ينتهي من عشق لتلك الفترة المتلألئة في التاريخ البشري ، وآخرها رحلته التي صاحب فيها العلامة محمود شاكر (أبو فهر) أثناء علاج الأخير بإسبانيا .. وقوله أن أبا فهر كان يستمتع بمشاهدة عروض راقصات "الفلامنكو " وهنا يبتسم بعض الطلاب ويمتعض البعض .. فيبعث له أحدهم بورقة يقول له فيها : “ اتق الله فيما تقوله عن العلامة محمود شاكر” ..فيضحك أبو همام ويقول : “ والله كان بيجبرني اتفرج على العرض كل يوم”.

 

(5)

في حضرة شيخنا (أبو همام) كانت لنا حكايات.. مزجت فيها الأسطورة بالواقع ومنها تلك الأسطورة المتواردة ـ عبر الأجيال ـ والمتداولة بين طلبة دار العلوم عن (عصا العقاد) التي يمسكها بيديه ولا يعلم أحدنا إن كانت الأسطورة صحيحة أم نسجتها خيوط هيبته .

 

ومزج آخر تعمدّه شيخنا الراحل بين بحور العلم الجافة وشطآن الشعر الساحرة ، وحكي فياض لا ينتهي عن قامات وسفريات و ثورة نشبت لاستعادة عمود الشعر وقيمه.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان