رئيس التحرير: عادل صبري 08:47 مساءً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

هذا جناه حمزة نمرة !

هذا جناه حمزة نمرة !

مقالات مختارة

طارق قاسم

هذا جناه حمزة نمرة !

طارق قاسم 17 ديسمبر 2014 12:59

لأن الله تعالى واسع قادر ، ففي الدنيا كثير جدا من كل شىء: الناس .. الأصدقاء .. الزملاء .. النساء .. الكتب .. الأفكار .. الأماني .. المصاعب .. المحطات .. المتاعب..المشاعر .. غير أن ما يأخذ العقل ويهز القلب من كل ذلك قليل .. نادر .. مثلا : قد نعجب بنساء كثيرات ، لكن واحدة فقط تسكن القلب ، وتمتص رحيقه لتصنع قصة بديعة هامسة جياشة، وسواء شاركتك الرحلة أو حملتها الريح بعيدا، تظل هي أميرة الذكرى سيدة القلب صاحبة التاج ..

الفن أيضا ، في الأرض من كل ألوانه إنتاج غزير..لكن القليل منه أثير وثير ، وأغلبه فادح مرير ..

في باص ناعس يشق طريقه وسط ظلام وبرد اسطنبول الملفوفة في معطف مهول من الفرو الأسود الفاتن، وسط جموع عائدة متأخرة إما بعد عمل طويل كما في حالتي، أو بعد سهرة عاصفة في ليلة الأحد ، ثبت سماعتي الموبايل في أذني وأبحرت وسط خضم كليبات يوتيوب، بحثا عن أغاني ألبوم حمزة نمرة الجديد ( اسمعني)، أول أغنية ظفرت بها انبعثت موسيقاها بثبات ونضج فني بهتني، حملتني على محفة من البهجة والدهشة إلى حيث بدأ الكلام، فسكت القلب والعقل عن أي كلام، وانزوى كل ما في كياني مفسحا المكان لطوفان شجن وذكريات وخواطر مستني بحياة لها طعم قديم حميم افتقدته من زمن طويل .

في مركز الأغنية باغتني حمزة نمرة بسؤال لَغَّم به رائعته ، وهوى به علي ، فرج كياني وعصف بسكوني وزلزل ثباتي ( قصرنا معاك يا دنيا ..ولا عملنا اللي علينا ؟ ) !!

ما هذا يا ابن جيلي؟؟ ما فعلت بك ، وأنا لم أقابلك أبدا ، لتصنع هذا بي؟

لا شىء في الوجود عبث .. والصدفة وهم ..لذا فهذا السؤال هبط علي كأنما انبعث من جنبات القدر وجدران الوجود ليصفعني ويضعني أمام أصعب موقف ممكن أن يقفه إنسان .. الحساب .. حسابك لنفسك كما أمر سيدنا عمر ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) .. ثم حساب الآخرة الأكبر.. ولعمرك يا صديقي إن الحساب ، أيا كان، مهيب جليل له دوي وحضرة تعصر الفؤاد وتكوي الروح.

هل عملت ما علي؟

وهل عملنا ما علينا؟

هل جاء جهدنا أقل من أحلامنا؟

هل كنا مستعدين للخسارة جاهزين للفقد، معتبرين هذا من مقتضيات الوجود؟

تخيل نفسك مثلي ، في منتصف الثلاثينات، تتشكل إحداثيات حياتك من الصفر تقريبا، في هذه الحلقة المتأخرة ، مثلما يتشكل وطنك وتتبدل ملامحه بعد 7000 سنة وهم!

الوهم .. ذلك المنقوش على حجارة متطاولة احتجنا إلى خواجة فرنسي كافر مستعمر ليفك طلاسمها لنا، وها نحن الآن نحتاج لمن يفك رموز أعمارنا وثورتنا..

طفولة وشباب وعمل وسجن، ثم ثورة مغدورة، وعشرات الأحباب نزفناهم في الطريق الطويل الملغوم بالخونة وشياطين الإنس قبل الجن، بين من قضى في ملابسات طبيعية : مرض أو حادث، وآخرين قنصهم العسكر خلال الثورة وفي فض رابعة وما بعد ذلك..

بعد كل هذا يأتي حمزة نمرة ببساطة ويلقى سؤاله الفاتك : ( عملنا اللي علينا ؟ ) ! يقذفني بهذا النصل المسنون في هذا الفرار الذي لذت به هربا من وطن صار صنوا للجحيم، وغربة ظنناها خلاصا فإذا هي توريط أكثر ..تحد أكثر ..إدانة أكثر .. مسئولية أكبر ..

هل عملت ما علي؟ .. هل كتبت ما أريد؟ أم شاركت الجميع في الانشغال بلقمة العيش ، ومثلهم أجلت الأحلام حتى جفت وذبلت ؟

هل أدينا ما علينا؟ هل قاومنا الظلمة على الوجه الصحيح الجاد الحكيم الواعي المتسلح ببديل ورؤية؟ ام تركنا أنفسنا لأفكار وقيادات وحسابات مخادعات مخاتلات قادتنا لمتاهات؟

هل قمنا بما علينا عندما رأينا ثورتنا تسرق منا ، وبدلا من اليقظة والتوحد أنشب كل منا أظافره في وجه أخيه، وسدد له الطعنات وكال الاتهامات؟

هل قمنا بما علينا عندما رأينا آيات الله يُكْفَر بها ويُسْتَهْزَأ بها، وأصنام السيسي تباع في ميدان التحرير الذي شهد صلاتنا وقيامنا وابتهالنا وصيامنا؟

حتى الغربة التى لذنا بها زاعمين أنها مُنْطَلَق أنسب لحلقة جديدة من مقاومة الانقلاب وأذرعه الشيطانية وأجندته الصهيونية الممتدة لمئات السنين منذ صار حاميها حراميها وحكم الأرض شرار أهلها، وكُذِّب الصادق وصُدِّق الكاذب، وخُوِّن الأمين وأتُمِنَ الخائن، حتى تلك الغربة يحكمنا فيها التجار نخاسو الأفكار مدعومين من أنظمة الغرب وخصيان الشرق وتجار الدين من المحيط إلى الخليج، وما أدراك يا صديقي ما الخليج، إنه وهم كبير وشر مستطير إلا من رحم ربي منهم وهم نذر يسير أفلت من المخطط الكبير وانتصر للضمير.

وفي الغربة يا صديقي – لو تعلم – يتضاعف كل ما هو قاس وفظ وملغز ومؤلم، وسؤال حمزة نمرة جاء ليضع النقاط فوق الحروف في عريضة ادعاء بطول الكون وعرضه .

دمعت عيناي برغمي فأدرت وجهي تجاه النافذة الكبيرة للحافلة ، فلطمني ظلام المدينة الغافية، عدت إلى الداخل ، داخلي، فوجدتني كمن كان يسير بثقة سطحية عمياء رعناء، ظانا أنه خرق الأرض وبلغ الجبال طولا وظن أنه بقرب السماء ، فإذا بذلك الفتى الذي يماثلني عمرا، بسؤاله ذلك، يستوقفني ويخمش روحي بأناقة ، ويفكك يقيني ويقيننا الأخرق بعظمة ما أقوم ونقوم به، كاشفا عن طبقات نفسي العتيقة الأصلية المنسية، تاركا إياي أمام حقيقة دفنت طويلا ثم ها هي تخرج من قبرها البعيد في نفسي، واضعا إياي أمام خيارين : الجنون تحت وطأة الإجابات الصادمة المفاجئة، التى كنت وكنا قد عقدنا معها معاهدة سلام وهمية أن تظل غائرة مطمورة، أو اليقظة والصراخ في وجه كل هذا الزيف المحيط ، يقظة دأب العالم على اعتبارها جنونا، واليقظة يا صديقي مؤلمة مكلفة..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان