رئيس التحرير: عادل صبري 03:09 مساءً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

مظاهره تنتشر في كل ميادين الحياة

مظاهره تنتشر في كل ميادين الحياة

القاهرة – أمينة خيري 16 ديسمبر 2014 15:25

الحديث الأبرز والهم الأوحد والإحباط الأكبر في أحاديث الشباب لا تخرج عن إطار واحد لا ثاني له. قليلون هم من أبناء تلك الفئة العمرية وبناتها من مازالوا يتحدثون أحاديث ثورية، أو يناقشون في آفاق سياسية، أو حتى يطرحون آفاقاً مستقبلية عن البلاد والعباد، وذلك في ضوء الأزمة التاريخية والحقيقة العارية من اقتصار المسار السياسي في أعقاب ثورة يناير على إثنين لا ثالث لهما. ولأن للفساد ألف شكل ولون، إن لم يكن أكثر، فإن الغالبية المطلقة يوحدها الفساد وإن تعدّدت الأوجه وتراوحت الزوايا.

فمن شكوى من اقتصار فرص التعيين على أبناء العاملين والعاملات في قطاع ما، إلى حنق وغضب من إصدار رخص قيادة من دون خضوع لاختبار قيادة أصلاً، إلى انتشار ظاهرة بيع رسائل الماجستير والدكتوراه وتقلّد أصحابها مناصب أكاديمية وأخرى قيادية، إلى اتباع معايير غير عادلة في ترقية العاملين والعاملات بحيث تنطبق الشروط على الأهل والأحباب، إلى تقاضي الموظف الحكومي رشوة لإنهاء المعاملات، إلى مجاملة المعلم للطالب الذي يعطيه درساً خصوصياً على حساب الآخرين، إلى تفضيل حاملي بطاقات التوصية من فلان «بك» وعلان «باشا» على الآخرين في فرص التعيين، يشكو الشباب ويعلنون غضبهم ويعبرون عن نقمتهم على المجتمع الذي يسمح بهذا الكم من الفساد، وفي الوقت نفسه يتشدّق بكم مماثل من المغالطات حول التدين الفطري، والتمسك الأصيل بالعادات والتقاليد الحميدة.

حمد عمر (19 سنة) الله كثيراً وضحك قليلاً قبل أن يعلق على صعود مصر 20 مرتبة في مؤشر مدركات الفساد لهذا العام. فعلى رغم تحسن الأداء المصري - وفق منظمة الشفافية الدولية - لتحتل المركز 94 بين 177 دولة بعد ما كانت في المركز الـ 114 العام الماضي، يرى عمر أن هذا التحسن لن يشعر به المواطن إلا لو رأى بنفسه أن الكفاءة وحدها معيار التعيين، وأن المعلم يرفض مبدأ الدرس الخصوصي لأنه يشرح ما ينبغي شرحه في المدرسة، وأن موظف الحكومة لا يضع تسعيرة للرشى التي يتقاضاها لإنهاء معاملات المواطنين. «يتحسن وضع مصر 20 درجة أو 30 درجة أو حتى 40 درجة أمر لا يعني المواطن كثيراً طالما لا يلمس ذلك بنفسه».

لكن تمارا (20 سنة) تلمس مؤشراً آخر للفساد، لكنه يدين قطاعاً من الشباب أنفسهم الأكثر تضرراً والأعلى إفصاحاً عما يعانون. تقول: «نحن الفئة العمرية الأكثر معاناة من الفساد الذي انتشر في مصر على مدى سنوات طويلة، لكننا في الوقت نفسه الأكثر قدرة على مواجهته ومحاربته، لكن ما أراه في الغالبية من أصدقائي ونفسي هو إننا نمضي معظم وقتنا في الشكوى والتذمر، ولا نبادر الى مواجهة هذا الكم من الفساد، حتى في حدود ما قد يتاح لنا». وتضرب تمارا مثالاً أن غالبية صديقاتها اللاتي استخرجن رخصة قيادة لم يخضعن لاختبار قيادة، بل قام فلان بك قريب أو صديق الوالد أو العم أو الخال بالمجاملة عبر إصدار الرخصة من دون اختبار، و»لو كنا جادين في محاربة الفساد لخضعنا للاختبار حتى لو كان ذلك عبر الطريق الأصعب».

الطريق الأصعب الذي رفع مرتبة مصر (من 32 العام الماضي إلى 37 درجة من أصل مئة) ارتفاعاً هو الأكبر بين دول العالم «انتهجته القيادة السياسية التي التزمت خريطة الطريق الهادفة إلى التحول الديموقراطي وتنظيم الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية، إضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة، وذلك وفق المنسّقة الإقليمية في الشرق الأوسط لمنظمة الشفافية الدولية لمياء كلاوي.

وبحكم طبيعة المرحلة الراهنة حيث تشكيك دائم ومستمر من الجميع للجميع، فإن الإشادة بالقيادة السياسية في مواجهة الفساد تقابل من قبل قطاعات عدة من الشباب إما بصمت تام أو بهجوم عام. فبين مشككين بأن الأوضاع لم تتغير وسير الأحوال لم يتحسن، واستمرار شيوع «الكوسة» والمحسوبية، وتفضيل المعارف على الكفاءات، وإنجاز الأعمال بسياسة «الدرج المفتوح» (الجارور المفتوح لتلقي الرشوة) من جهة، وعدم اكتراث لما تحرزه البلاد من تقدم على مؤشر الفساد من جهة أخرى، تتقلص المبادرات الشبابية التي ظهرت وسطعت في أعقاب ثورة يناير وسرعان ما خفتت مع أول ملامح صراع الإسلاميين على السلطة. ويلاحظ أيضاً إن مثل تلك المبادرات - ومنها ما كان فردياً وآخر جماعياً - لم تعاود الظهور بعد 30 حزيران (يونيو) 2013 وتخليص مصر من حكم الإخوان. مصطفى فتحي (25 سنة) أحد أوائل الشباب الذين بادروا إلى طبع وتوزيع أوراق تحوي عهداً يقطعه المصريون على أنفسهم بعدم الوقوف في الممنوع، أو دفع رشى، أو السير عكس الاتجاه أو التلفظ بألفاظ نابية وقائمة طويلة جداً تبخرت في هواء الصراعات السياسية والإحباطات الشبابية. وعلى رغم أنه من ضمن من نزلوا إلى الشوارع لمطالبة الجيش بتخليص مصر من الحكم الديني، إلا أنه لم يستشعر حماسة المباردات الشخصية لمحاربة الفساد. يقول معللاً: «ربما لأني أيقنت أن الناس أنفسهم لم يعودوا يعتبرون الفساد عدواً حقيقياً لهم ولحياتهم. حتى أولئك المتضررون من الفساد باتوا أكثر استعداداً لمجاراته حتى تسير العجلة». ويضيف ضاحكاً: «كثيرون عقدوا مقارنات منطقية بين عصر مبارك بفساده الجم وعصر مرسي بطغيانه الكامل، فاختاروا الأول».

وعلى رغم هذا الاختيار، إلا أن المؤشــرات تؤكد أن أدوات محاربة الفساد ومواجهته هي أدوات شبابية بامتياز، وعلى رأسها تكنولوجيا المعلومات. ووفق البنك الدولي، فإن استخدام التكنولوجيا يضفي بعداً ديموقراطياً على جهود التنمية، ما يحسن في شكل واضح الكيفية التي تصل من خلالها المعلومات المهمة إلى المستفيدين منها. وفي حال لم يحدث ذلك، فإنها (التكنولوجيا) أيضاً تيسر معرفة الأسباب ومحاسبة المسؤولين المقصّرين، وأبرز مثال على ذلك «الحكومة المفتوحة» أو «الحكومة الإلكترونية».

ووفق دراسة للبنك الدولي، فإن «الحكومة المفتوحة» تساعد على ترسيخ مبدأ الشفافية ما يحد من استنزاف الفساد لثمار التنمية. «المجرم يسهل له ارتكاب جرائمة في الظلام، والإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة لا تظلم أبداً».

وخير مثال على ذلك البنك الدولي نفسه، إذ ساعد الهاتف المحمول والإنترنت مكتب نائب رئيس البنك لشؤون النزاهة في التحقيقات التي يجريها في قضايا الاحتيال والفساد في المشروعات التي يمولها البنك.

الحكومة المصرية أعلنت استراتيجيتها لمكافحة الفساد قبل أيام قليلة، وأحد أبرز ركائزها هو التوسع في الحكومة الإلكترونية. وبينما ينتظر الشباب تفعيل الوعود والاستراتيجيات قبل أن يسمحوا لحماستهم بالتأجج مجدداً، تمضي بقية قطاعات من الأكبر سناً قدماً في تعايش تام مع أوجه الفساد اليومية حتى تدور العجلة.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان