رئيس التحرير: عادل صبري 06:33 مساءً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الشهامة المنسية فى كلية العلوم السياسية

الشهامة المنسية فى كلية العلوم السياسية

مقالات مختارة

رجب عزالدين

الشهامة المنسية فى كلية العلوم السياسية

رجب عزالدين 15 ديسمبر 2014 12:28

لا أدرى من أين أبدأ ولا كيف أبدا كما لا أدرى هل سيفيد ما أكتبه أم لا ،وهل سيحرك فى المقصودين منه شيئا أم لا ،لكن دعونا نتحدث عن مأساة تحدث فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تحديدا،تلك الكلية التى تتناول بحكم التخصص المساحة السياسية والاقتصادية بالتحليل والدراسة.ومن ثم فكل من فيها من طلبة واساتذة معنيون بالشأن العام تلقائيا ولا يحتاجون لبطاقة تعريف كغيرهم ،ومن المفترض أن يكون لهم رأى مؤثر فى تفاصيل الحياة السياسية،فهم بالنسبة لعالم السياسة كالطبيب بالنسبة للمرض والمهندس بالنسبة للمعمار والكيميائى بالنسبة للدواء،فكل يفتى فى تخصصه ويستشار فيه. لماذا هذه المقدمة الساذجة؟؟؟

(1)

طالعنا جميعا خبر اعتقال استاذنا الدكتور عبد الله شحاته ،استاذ المالية العامة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية،وتابع بعضنا كيف اعتقل بطريقة مهينة تشبه الخطف فى أفلام عصابات المافيا،حيث تم اعتقاله هو وزوجته وابنه وأخوه واقتحام شقته وكسر محتوياتها ،(افرج عن ابنه زوجته فيما بعد).وبعد أسابيع من اعتقاله صرح الدكتور عبد الله شحاته للمحامى ووكيل النيابة بأنه تعرض للتعذيب بالكهرباء للإدلاء باعترافات لم يرتكبها أمام كاميرا مثبته لتسجيل الاعترافات،وهو ما رد عليه وكيل النيابة (عارف عارف كل اللى حصل معاك)،ثم أمد له فترة الاحتجاز 15 يوما على ذمة التحقيقات الفارغة التى باتت تشبه النكت البايخة التى لا تضحك .

(2)

كنا نتخيل أن أساتذتنا فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية سينتفضون للدفاع عن زميلهم ،وهم من هم فى تعليم الحقوق الأساسية والحريات العامة والخاصة والدفاع عن الدولة المدنية ومقاومة الفساد والاستبداد والدفاع عن الديموقراطية والاستقلال الوطنى وابعاد الجيش عن السياسة (كده وكده ).كنا نتخيل أنهم سينتفضون على الأقل لتعذيب الرجل،وذهب خيالنا إلى بعيد عندما تصورنا امكانية قيامهم بفعل احتجاجى قوى يصل إلى حد تعليق الدراسة لحين الافراج عن زميلهم أو اعلانهم وقفة احتجاجية أمام الكلية للتنديد باعتقال الرجل وتعذيبه،لكن الذى حدث أن أحدا منهم لم يحرك ساكنا لا فى الاعتقال ولا فى التعذيب،كما لو كان من اعتقل زميلا لا يعرفوه ولا ينتمى للكلية من قريب أو من بعيد،لم يكلفوا خاطرهم بيبان يشجب تعذيب أو اعتقال زميلهم ،لم يكلفوا خاطرهم ببيان يحذر السطات من المساس بحياته أو تعرضه لأى مكروه،لم يصدر منهم حتى الآن موقفا ولو رمزيا ،مع أن مثل هذه المواقف تتطلب ما هو أكثر من الرمزية لكن حتى الرمزية أبى استاتذتنا أن يعلنوها تضمانا مع زميلهم الذى لا أعرف هل مازلوا يحتفظون بلفظ "زميل " حين يأتى ذكره أم لا .

(3)

ليتنا لم نتخيل هذه المواقف الرمزية حتى لا نصطدم بالواقع المرير عندما نسمع أن ادراة الكلية قد ذهبت بعيدا لتقدم تضمانا من نوع آخر مفاده ايقاف الاستاذ عن العمل لأجل غير مسمى وعدم تدخلها فى أمر اعتقاله أو تعذيبه لأنها كلية تحترم التحقيقات ولا تتدخل فيها (كان هذا هو الرد الذى تلقاه شقيق الاستاذ عندما طلب من ادارة الكلية التدخل للتضامن مع أخيه).وللأمانة وحتى نكون منصفين ولانخفى الحقائق فقد قررت ادارة الكلية صرف ربع المرتب لأسرة المعتقل ؟

(4)

يعرف كل من يعرف الاستاذ،كم كان مهتما بمقاومة الفساد نظريا وعمليا ،نظريا حينما كتب فى دراسة هى الأولى من نوعها عن نهب صناعات الطاقة للدعم الحكومى فى مصر،وعمليا بمحاولاته محاربة الفساد فى وزارة المالية سواء فى عهد بطرس غالى أو فى عهد مرسى،ويحكى عن ذلك أكثر منى المعنيون بمحاربة الفساد فى مصر وهم كثر. كما لا يخفى على أحد حجم تضحيات الرجل فى المجال السياسى،فقد كان من المرابطين فى ميدان التحرير طيلة ال 18 عشر يوما لا يغادره ليلا أو نهارا،كما استقال من منصبه كخبير فى صندوق النقد الدولي بعد الثورة ليتفرغ للعمل العام فى مصر تاركا مزايا مادية هائلة لاأظن أن أحدا وصل إليها سيفكر فى التنازل عنها إلا إذا كان المقابل أعلى وأغلى. يعرف الطلبة أكثر ،كم كان الاستاذ يحتفى بالطلبة ويفرغ لهم أوقاتا ،ويهتم بما يصيبهم من بطش السلطات،وآخرها قصة البنات الذين تم فصلهم من الكلية بحجج واهية يعرفها القاصى والدانى وبتهم لم يعد تلفيقها يحتاج إلى حرفية بل إلى مجموعة من الهواة.

(5)

ليتنا نتحدث عن غياب تضامن أساتذتنا فى الكلية عن زملائهم فى الجامعة الذين بلغ عددهم أكثر من 150 استاذ بينهم ثلاثة من عمداء الكليات فهم أولى الناس بالدفاع عن زملائهم بحكم تخصصهم المشتبك مع المجال العام وبحكم ظهورهم الدائم على الفضائيات والشاشات وما لبعضهم من دلال على السلطان،لكننا نتحدث عن غياب أمر أفدح يتعلق بالتضامن مع اعتقال وتعذيب استاذ فى كليتنا (الاقتصاد والعلوم السياسية)،وربما لو حدث ذلك مع استاذ فى كلية أخرى لصارت المأساة أخف على فظاعتها،أما فى حالتنا فهى مأساة انسانية وتخصصية فى نفس الوقت وبالتالى فالحديث عن غياب تضامن "أساتذة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية "عن زميلهم المنتمى لنفس الكلية،فى وقت لا يمكن لأحد أن يتحجج فيه باحترام القانون والتحقيقات وما إلى ذلك من الأمور التى يمكن اعتبارها فى الظروف العادية،لكن ما يحدث فى مصر فاق كل التصورات فى كسر كل الحدود والأعراف القانونية والقضائية وكل معايير العدالة.

(6)

إذا لم تضامن كأستاذ مع زميلك فى مثل هذه الظروف فمتى ستتضامن،إذا علمت أن زميلك تم اعتقاله بهذه الطريقة فماذا تنتظر،إذا علمت بتلفيق التهم لزميلك فماذا تنتظر ،إذا علمت أنه يعذب بالكهرباء فماذا تنتظر،هل تنتظر أن تبكى فى جنازته (لا قدر الله وبعد الشر عليه ) كما بكى الكثيرون فى جنازة الدكتور طارق الغندور وغيرهم ممن قتلو فى السجون تعذيبا أوتعمدا لاهمالهم صحيا ،إن الذى يحدث يشير إلى مأساة تتعلق بموت(وليس غياب) قيم المرؤة والشهامة والرجولة فى نفوس كثير منا ولا أستثنى أحدا بما فيهم كاتب هذه الكلمات ،لكن حينما تغيب تلك القيم عن اساتذتنا فى كلية الاقتصاد فالأمر أصعب وأنكى.

(7)

أخيرا يظن البعض أن التعاطف والتضامن مع الشهداء والمعتقلين هو منة أو شفقة نمن أو نشفق بها على من تم تغييبهم فى القبور أو السجون،والحق أنه واجب على كل من لم يعتقل بعد،لسبب بسيط أن هذا السجين أو ذلك الشهيد لم يعتقل أو يقتل فى خناقة شخصية أو عائلية وإنما فى خناقة وطن يحلم الجميع بتحرره من عصابة باتت تكتم على أنفاس الجميع ،الأمر الذى يجعل قضايا الشهداء والمعتقلين قضايا عامة لا تختص بأهاليهم وذويهم فقط وإنما تمتد إلى كل انسان حر على أرض هذا البلد وخارجه ،فيصبح حق المعقتل أو الشهيد فى رقبة المجتمع كله ،ولعل هذا هو ما تشير إليه الآية الكريمة "من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ،ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".ومن مفارقات المقال أنه يتحدث عن معقتل كان مهتما بالتصدى للمفسدين فى الأرض .

حي الله صمود الاستاذ وجميع المعتقلين وفرج عن مصر فرجا يفرح به المؤمنون.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان