رئيس التحرير: عادل صبري 01:30 صباحاً | الخميس 18 أكتوبر 2018 م | 07 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

تشريع نتانياهو المقترح يؤسس لـ«داعش» يهودية

تشريع نتانياهو المقترح يؤسس لـ«داعش» يهودية

مصطفى كركوتي 30 نوفمبر 2014 12:30

يُقْلِقُ قانون رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو المقترح لتشريع «دولة إسرائيل لليهود فقط»،

 

على نطاق واسع، الفلسطينيين والعرب والمشرّعين الدوليين في آن، لما يحمله من إمكانيات مخيفة تهدد مستقبل وحقوق «عرب إسرائيل» من مسلمين ومسيحيين من جهة، كما تعزز ثقافة الفكر الديني في تسيير شؤون الناس من جهة أخرى. فمشروع القانون المنتظر أن يصوت الكنيست الإسرائيلي عليه في أي وقت، لا يختلف كثيراً عما يقدمه تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في سورية والعراق من مفاهيم وما يصبو لتحقيقه في بقية دول المنطقة وإعادة بناء الخلافة. وهذا يعني أننا بصدد قيام «داعش» يهودية في إسرائيل تتوازى مع «داعش» السنيّة، حيث يمكن أن يتطور الوضع القانوني لغير اليهود في إسرائيل في سنوات لاحقة نحو التهجير الكامل والدفع إلى خارج حدود الدولة اليهودية.

 

لا مغالاة في إمكانية تغيير هذا القانون في المستقبل، لا سيما أن غالبية يهود إسرائيل تؤيد حكومة نتانياهو، إذ لوحظ في العامين الأخيرين ميل واضح نحو اليمين والتطرف، هو سمة التركيبة الاجتماعية والديموغرافية لدولة إسرائيل منذ قيامها في 1948. فكما تدعو وتعمل «داعش» لتأسيس «الخلافة» السنية في جوهرها، فإن تشريع يهودية إسرائيل يؤكد أن هذه الدولة لليهود فقط. ولأن هذا التشريع يُعرِّف إسرائيل بأنها دولة «أمة اليهود»، أي إلغاء سمة الجنسية، فهذا يعني يهود العالم من أي جهة أتوا، ولكن ليس غير اليهود من مواطني إسرائيل. أي أن إسرائيل هي دولة الأميركي والأسترالي والروسي والأرجنتيني إلخ... ولكن ليس لمواطني بلدة كفر قاسم مثلاً ولا لسكان مدينة الناصرة. وكما تؤكد تشريعات «داعش» المعلنة على سموِّ سنيّة مسلمي دولتهم، كذلك يؤكد تشريع حكومة نتانياهو على ارتقاء السمة اليهودية في ظل ما تبقى من قيمها الديموقراطية المحدودة القائمة كما يعكسها تركيب برلمانها الراهن.

 

مع هذا التشريع تنضم إسرائيل إلى لائحة الدول والحركات العنصرية المعادية للاسامية المعروفة في التاريخ الحديث والتي تُفرّق بين مواطني الدولة الواحدة بحسب أصولهم. فشعار «إسرائيل لليهود فقط» مثل شعار «فرنسا للفرنسيين» القديم وغيره من شعارات العداء للسامية. وهناك أشكال أخرى من التفرقة، ولكن لا تقل عنصرية، تجري الآن في أوروبا وإن كان على نطاق محدود، وهي قد تزيد وتتسع مع اتساع عضوية الاتحاد الأوروبي. والتشريع الإسرائيلي يحصر حق التعبير عن الذات الوطنية (أو القومية) بكل من ولدوا لأمهات من الديانة اليهودية، أو بكل من منحوا حق الانتماء لهذه الديانة. ويؤكد التشريع على أن «أرض إسرائيل» (أي فلسطين) هي أرض الشعب اليهودي، «لا غيرهم»، التاريخية.

 

صحيح أن تشريعات «داعش» العرقية والطائفية الموغلة في التوحش لا تزال في صيغها البدائية ولم ترتق بعد إلى تعقيد التشريع الإسرائيلي المرتقب، ولكن التشريعين يلتقيان عند نقطة مرعبة تنظر إلى كل من ليس يهودياً (في حالة إسرائيل) أو غير سني (في حالة داعش) نظرة دونية تقضي بإبقائه خارج نطاق النقاء. في حالة التشريع الإسرائيلي، لا يُكتفى بالتأكيد على تفوق اليهودية على كل ما عداها، بل تُلغى حقائق كانت موجودة قبل قيام إسرائيل وهي فلسطين 1948، وحقائق كانت موجودة بعد قيامها مثل فلسطين 1967 (الضفة الغربية) ومرتفعات الجولان السورية التي ألحقتها حكومة مناحيم بيغن (1977-1983) بالدولة اليهودية.

 

ووفقاً للتشريع الجديد ستتعرض قيم الديموقراطية المحدودة أصلاً في إسرائيل إلى إعادة صياغة تحصر الرعاية باليهودي فحسب، ما يزيد من إقصاء المواطن العربي في الدولة اليهودية، تماماً كما يجري التعامل مع المواطن غير السني في دولة «داعش» أو الأراضي الجديدة التي تصل إليها هذه الأخيرة. فإذا كانت دعوة «داعش» تخاطب سنّة المسلمين وتعدهم بإعادة الخلافة وتطبيق قوانين ما تعتبره «الشريعة الإسلامية»، فإن تشريع نتانياهو ويمينه العنصري الذي لا يعبّر بالضرورة عن رأي غالبية اليهود في العالم، سيقيم ديموقراطية ضيقة تصوغ «شريعة يهودية» ليهود إسرائيل وإن كانت تخاطب اليهود في كل مكان. ولكن ستبقى هذه الشريعة عنصرية وفوقية لا تقدم لـ«عرب» الدولة في النهاية غير باب الخروج منها.

 

شعار هذه الدولة المعلن سيكون في ظل التشريع الجديد «أيها العرب اخرجوا من بلادنا»، تماماً مثل الشعار المعادي للاسامية الذي رفعته أوروبا كلها تقريباً في الثلاثينات: «أيها اليهود اخرجوا من بلادنا».

 

وأمر التفرقة في إسرائيل واضح ضد عربها، وهم السكان الأصليون، وذلك منذ قيامها في 1948 وتأسيس ثقافة أن إسرائيل ليست وطنهم. وهذه الثقافة العنصرية بدأت تطلق مضمونها بالفعل وفقاً لمؤرخي فلسطين وروائييها وشعرائها (إميل حبيبي وتوفيق زياد وسميح القاسم مثلاً) مباشرة بعد موافقة الأمم المتحدة على انضمام دولة إسرائيل الجديدة إلى عضويتها. وعلى رغم وجود حركة ليبرالية ويسارية حينئذ حلمت وطالبت عن حق بالمساواة بين العرب واليهود على أساس المواطنة، فإن الكلمة الأخيرة كانت للغالبية العظمى من سياسيي إسرائيل الذين بدأوا عملية واسعة من وضع قوانين وأنظمة تفرق بين المواطنين على أساس أصولهم الدينية. فكلما تم تفريغ حارة أو قرية أو بلدة من سكانها العرب كانت ترافق ذلك عملية واسعة من تزويد إسرائيل الجديدة بأعداد كبيرة من المهاجرين اليهود، تنفيذاً لمفهوم الحركة الصهيونية.

 

وتعمد القيادة الإسرائيلية الراهنة، بتشريعها الجديد، إلى تثبيت أسوأ الاعتقادات الصهيونية، وتدفع نحو نزع المواطنة من عرب الدولة في المستقبل، فيما تخلق مواطناً يهودياً يخضع لغرائزه الدينية إذا قَتَل أو إذا قُتِل... تماماً كما تفعل «داعش» مع عناصرها ومع من تسيطر على أراضيهم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان