رئيس التحرير: عادل صبري 08:42 مساءً | الاثنين 22 أكتوبر 2018 م | 11 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

جذور 28 نوفمبر وصعود اليمين الراديكالي في مصر

جذور 28 نوفمبر وصعود اليمين الراديكالي في مصر

علاء بيومي 27 نوفمبر 2014 17:15

بغض النظر عن مسار الأحداث في مظاهرات 28 نوفمبر وما إذا كانت ستمر كتظاهرات أي جمعة عادية أم أنها ستؤرخ لتصعيد جديد في حركة المظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري ونظامه، إلا إنها توفر دليل أضافي على ما يمكن تسميته بصعود "اليمين الراديكالي" في مصر.


اليمين هي تعبير عن المحافظة السياسية في مقابل الليبرالية، المحافظة السياسية تقسم العالم لقسمين، نصف معنا وأخر ضدنا، نصف يشبهنا ويمتلك هويتنا ورؤيتنا للحياة، وقسم أخر غريب معادي، في حين أن الليبرالية تقوم على التسامح والانفتاح تجاه الأخر.

أما الراديكالية فيقصد بها الرغبة في إحداث تغييرات شاملة وجذرية وسريعة للنظام الحاكم تعيد بناء مؤسساته والقائمين عليه، الراديكاليون يريدون تغيير النظام بشكل عام وسريع ومفاجئ، هم ينشدون المواجهة لإجراء تغييرات اصولية، وقد تكون الراديكالية عنيفة أو غير عنيفة، ولكنها ترتبط بتغيير النظام بشكل جذري.

صعود اليمين الراديكالي في أي بلد هو مؤشر على تصلب شرايين النظام السياسي في هذه الدولة وسيرها في الطريق الخطأ، ويعني أن النظام يفتقر لاستيعاب مكوناته وقطاعات من الجماهير وتوفير نموذج للتسامح والعيش المشترك، ويمتلك تربة خصبة لصعود افكار متشددة ترفض التسامح مع قطاعات من الشعب وتريد تغيير النظام بشكل جذري يرضيها.

مظاهرات 28 نوفمبر التي دعت إليها الجبهة السلفية ودعم الاخوان المشاركة فيها ينطبق عليها هذا التعريف، فهي منطلقة من الهوية كأداة للتعبئة، وتقوم على تعبئة غضب الناس ضد مظالم نظام السيسي وانتهاكاته الفجة وهي ترفض هذا النظام وتريد تغييره بشكل جذري، ولا تبالي بإمكانية الدخول في مواجهة معه، فهي تنطلق من خلفية ثورية راديكالية ترفض النظام بشكل كامل.

ويرى الداعون للمظاهرات أن انتهاكات نظام السيسي والمظالم التي وقعت منذ الانقلاب توفر تبريرا كاملا للتعامل معه بهذه الطريقة، فهي ترى أن انتهاكاته هي هجوم على الإسلام نفسه وهوية المصريين الإسلاميين ولا حل للتعامل معها سوى بانتفاضة الشارع دفاعا عن هويته.

ولهذا لاقت الدعوة للتظاهر رفض واسع من قوى سياسية مختلفة، حيث رأت القوى الشبابية أنها دعوة يمينية استقطابية بالأساس، لأنها تقوم على موضوع الهوية، وتبتعد عن مطالب الثورة التي تركيز على الحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كما ترى قطاعات شبابية أن مصر ليست مستعدة لموجة ثورية جديدة، وأن المطالب السياسية الراديكالية قد لا تكون مناسبة الأن.

ولعل الهجوم الواسع على هذه المظاهرات، وردة فعل نظام السيسي ضدها والذي يحشد قواه الأمنية للتعامل الصارم معها، يجعلنا نتساءل عن جذورها، وكيف وصلنا إلى تلك اللحظة.

هل تمثل مظاهرات 28 نوفمبر 2014 انقطاعا سياسيا لمسار الاحداث وتطور حركة التيارات السياسية الرئيسية في مصر أم أنها تعبير عن يمين راديكالي يتمدد في مصر منذ فترة؟ ومنذ متى بالتحديد؟

وفي البداية نعتقد أن اليمينية السياسية في مصر هي أسلوب حياة لنظام يوليو نفسه، والذي يقوم على رفض إشراك قطاعات واسعة من الجماهير في النظام السياسي تحت دعاوى شعبوية مختلفة كالوطنية وعدم استعداد الناس للمشاركة.

نظام مبارك يميني متشدد بوضوح حتى لو رفع شعارات علمانية، ورغم أنه حقق استقرار سياسي بترسيخ أركان الاستبداد، ولكنه كان قائما على استبعاد الديمقراطية كأسلوب حكم، في المقابل كان يقوم على ترسخ حكم استبدادي ذي غلاف خارجي ليبرالي.

الثورة كانت حركة راديكالية تصحيحية في اتجاه العودة للديمقراطية (اشراك الشعب في السياسة والحكم) من خلال أحداث تغييرات شاملة في النظام، كما كانت حركة ليبرالية التوجه تنادي بالحرية أولا.

ويرى البعض أن طبيعة الاخوان اليمينية المحافظة أجهضت الثورة، أو ساهمت في إجهاضها ضمن عوامل أخرى.

لأن الاخوان رفعوا شعارات يمينية لإرضاء القوى السلفية خارجهم وداخلهم ففرقوا القوى السياسية الليبرالية من حولهم، والليبرالية هنا يقصد بها ما يتعلق بالحقوق والحريات، فكثير من القوى العلمانية في مصر تبدو ليبرالية أكثر من الاخوان ولكنها أقل ديمقراطية منهم.

كما أن الاخوان لم يكونوا راديكاليون بما يكفي، حيث حاولوا الاصلاح التدريجي من داخل النظام ففشلوا، وأنقضت القوى الفلولية الراديكالية عليهم، وسعت لهدم الثورة وبناء نظام جديد استبدادي.

ولم يتخل الاخوان عن محافظتهم السياسية حتى يومنا هذا، فرغم مطالبتهم بتغيير نظام السيسي والعودة للتحول الديمقراطي، تجد أن مشاركتهم في مظاهرات 28 نوفمبر يأتي من باب التحكم فيها والخوف من خروجها عن المعقول.

حيث تحدث بيان الاخوان الخاص بالمشاركة في المظاهرات عن قضية "الهوية" فقط دون الحديث عن "الهوية الإسلامية" كما فعل شباب الجبهة السلفية، كما يخشى الاخوان من أن عدم مشاركتهم في المظاهرات سوف يخسرهم السيطرة على قطاعات من المتظاهرين.

يعني تبدو مشاركة الاخوان في المظاهرات نوع من التحكم فيها، ولكنها أيضا نوع من الانجرار خلفها.

عموما الخيارات الليبرالية والإصلاحية التي انطلقت مع ثورة يناير تبدو عرضة لإجهاض متزايد، فالانقلاب العسكري كان ارتدادا عنيفا للغاية وهائلا إلى عهد السياسات اليمينية الراديكالية في مصر.

الانقلاب رفع شعار الحرب الوجودية ضد قطاعات واسعة من الشعب واستخدم شعارات وسياسات الكراهية بشكل فج، بل وقتل المئات من معارضيه في الشوارع في وضح النهار.

الانقلاب أيضا هدم محاولات التحول الديمقراطي وأسس بشكل راديكالي لنظام استبدادي جديد، وللأسف ساهمت القوى الداعمة له من التيارات العلمانية (ليبرالية كانت أو يسارية) في هذه الموجة المؤسفة من اليمينية الراديكالية في مصر، ومازالت، وأنخرط بعضها في موجة كراهية الاخوان بوصمهم بالغباء والعجز عن التطور والأصولية المطلقة.

وأعطى الانقلاب دفعة كبيرة للتوجهات اليمينية الراديكالية في مصر على كافة الاصعدة، حيث حقق نبوءة جماعات دينية كالقاعدة والتي رفضت بعد الثورة مشاركة التيارات الدينية في الديمقراطية، ورأت أنها مؤامرة غربية وأن الغرب والنظم العسكرية التابعة له في العالم العربي لن تسمح بصعود "الإسلاميين للحكم".

ولعل الظهور المتزايد لداعش على الساحة المصرية هو امتداد لما سبق.

الانقلاب أعطى دفعة قوى للغاية للتوجهات اليمينية الراديكالية المنتسبة إليه والتي ترفع شعارات الوطنية المصرية والحفاظ على الأمن والدولة، وهي في الحقيقة تسير بمصر في اتجاه هدم الدولة والوطنية المصرية بدعمها ايدلوجية متشددة تقسم الناس وتفرقهم وتهدم عملية التحول الديمقراطي.

الاخوان أيضا تراجع الاصلاحيون داخلهم بعد أن ألقي بآلاف من قادتهم في السجون، وأخرهم وجه إصلاحي كمحمد علي بشر، ويتعرضون لحملة هائلة من النظام القائم للتشوية والشيطنة والوصم بالإرهاب، وكأن النظام يفعل كل ما في وسعة لدفع الاخوان نحو اليمينية والراديكالية، وهي حقيقة وخاصية من خصائص النظم اليمينية المتشددة كنظام السيسي والتي تريد أن ترى مختلف القوى السياسية على شاكلتها.

فنظام السيسي المصاب بالبارانويا، يرى في الجميع أعداء، يراهم يفكرون بنفس أسلوبه اليميني المتشدد، يراهم كصورة منه.

وللأسف يبدو أن قادة الاخوان بمصر غلبوا حسابات مصلحية ضيقة كالحاجة للتحكم في الشارع والفئات الجديدة التي قد تشارك في مظاهرات 28 نوفمبر على حساب دعاوى التقارب مع القوى السياسية الشبابية والأكثر ليبرالية والتي ترفض سياسات الهوية اليمينة.

كما تبدو التطورات السلبية المتسارعة في مصر وكأنها تمنح الجناح اليميني المتشدد داخل الإخوان مزيد من القوة والنفوذ من خلال تقليل فرص الحلول الإصلاحية والحاجة للحفاظ على غضب الناس مستمر مع طول عمر الانقلاب العسكري ونظامه.

أما الجبهة السلفية فلعل تقدمها الصفوف ورفعها شعارات يمينية راديكالية تركز على الهوية وتبحث عن مواجه أقوى مع النظام الراهن هو علامة على تراجع الحلول الاصلاحية والليبرالية داخل النظام السياسي القائم في مصر بشكل عام، فمنذ عامين أو ثلاثة فضل بعض شباب السلفيين التصويت للإخوان باعتبارهم الأكثر خبرة سياسية داخل التيار الديني، ومنذ الانقلاب والاخوان يقودون المظاهرات المعارضة تحت شعارات السلمية.

وتبدو مظاهرات 28 نوفمبر والسياق المحيط بها كعلامة جديدة على السير نحو اليمينية الراديكالية، وقد كتبنا هذا المقال لنقول أن مصر للأسف تعيش في ظل نظام يميني راديكالي له جذور ممتدة منذ عقود، وان مظاهرات الجمعة هي مجرد رد فعل لهذا النظام وامتداد له.
 

وأن في مصر في حاجة لحل شامل يقتلع جذور اليمينة والراديكالية من النظام نفسه بوضعه على طريق الديمقراطية وحقوق الانسان والتعددية.

والله أعلم.


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان