رئيس التحرير: عادل صبري 01:25 مساءً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

ما بعد 28 نوفمبر !

كتب – عاطف الحملي : 27 نوفمبر 2014 17:00

ما بعد 28 نوفمبر !لتي لا تزال ذكراها تستدعي مشاهد دامية لم تفارق الأذهان، حيث أن التظاهرة الجديدة يوم الجمعة تحمل الكثير من الظروف والتداعيات التي ربما تجعل منها الأكثر تأثيرا في المشهد الحالي في مصر.

فقد جاءت الدعوة إلى هذه التظاهرة على لسان "الجبهة السلفية" تحت عنوان "انتفاضة الشباب المسلم"، وهي إشارة إلى أن طابع هذه التظاهرة سيكون معبراً عن التيار الإسلامي، وهو أمر لاقى رفضاً من العديد من القوى السياسية المعارضة والمؤيدة لنظام السيسي على حد سواء، لكن بعيداً عن الجدل المثار بشأن هذه الدعوة وتأثيرها على زيادة حدة الاستقطاب سواء داخل التيار المعارض للسيسي أو في المجتمع بشكل عام، فإن تداعيات هذه التظاهرة سيجعل منها تاريخاً فارقاً في مسار الأحداث القادمة.

فحسب وجهة نظر المعارضين للتظاهرة، فإن الأحداث كلها ستصب في النهاية لصالح الجيش والشرطة، وهو أمر محسوم تماماً على ضوء حجم التسليح والانتشار الأمني والعسكري الذي تم الإعلان عنه، لكن الحقيقة أن التداعيات التي ستترتب على "تظاهرات يوم الجمعة"، أبعد بكثير من الفكرة التي وصلت عن طريق الإعلام بأن هناك متظاهرين سيحملون مصاحف وسيضعونها أمام قوات الأمن ليدهسوها في محاولة لإثارة نزعة الانتقام عند شباب التيار الإسلامي.

فالاهتمام الأمني والإعلامي المكثف بهذه التظاهرة يعطي ثمة مؤشرات على أن إدراك خلفيات وتداعيات هذه التظاهرة هو الباعث الحقيقي لحجم الحشد والاستعدادات التي تسبقها، حيث إنها تأتي في وقت وصلت فيه جهود المصالحة إلى طريق مسدود، وهو ما ظهر جليا في تصريحات قيادات الإخوان الرافضة لها، ثم إلقاء القبض على القيادي الإخواني محمد علي بشر مسؤول التفاوض الذي لم يتعرض للاعتقال طوال أكثر من عام ونصف على الرغم من اعتقال كل القيادات الأخرى، الأمر الذي يؤكد أن فرص الحل السياسي للأزمة لم تعد موجودة لدى الطرفين.

وعلى ضوء انتهاء الحديث عن المصالحة والابتعاد عن الحل السياسي، تكتسب الدعوة إلى التظاهر تحت عنوان "انتفاضة الشباب المسلم" اتجاهاً أكثر تحفيزاً على المواجهة، بينما تجعل الطرف الآخر المتمثل في الجيش والشرطة أكثر تحسباً لخروج التظاهرات عن نطاقها السلمي وامتدادها إلى سيناريو فوضى دموي ممتد.

وبالتالي، فإن مخاوف الأجهزة الأمنية لا تقتصر عند حد خروج التظاهرات ومواجهتها أمنياً في الشوارع عقب صلاة الجمعة، بل تمتد إلى القلق من وجود تحول لاحق في مسارها ينقلها من حالة التظاهر والمواجهة إلى حالة الاختفاء والعشوائية التي لا يمكن السيطرة عليها، وهو السيناريو الأخطر الذي لن يهدد النظام فقط، وإنما يهدد كيان الدولة كلها ويكون نذير فوضى عارمة إذا أريقت الدماء، على ضوء التوقعات باحتمال التصعيد المتبادل.

فهناك حقيقة على أرض الواقع لا يمكن تجاهلها، وهي أنه إذا تحولت المواجهات إلى "حرب عصابات"، لن تستطع القوة العسكرية النظامية التصدي لها، كما حدث في حرب الجيش الأمريكي ضد حركة طالبان على مدار أكثر من عشر سنوات، وكما حدث لنظام مبارك في تسعينات القرن الماضي في المواجهة ضد الجماعات المسلحة، وانتهت بطريقة تشبه الاتفاق وبمراجعات فكرية لقادتها.

ومن هنا، فإن مصر تتجه نحو مسار مجهول يتحمل مسؤوليته كل من قاد إلى تعقيد الأفق أمام الحلول السياسية، وإلى تعاظم دور التيار الذي يدفع للحسم عبر الشارع سواء داخل الإسلاميين أو داخل النظام الحاكم؛ لأن اللجوء إلى هذه المعركة سيتحول حتماً إلى مواجهة مسلحة تعبر عن استسلام لفكر تيار لا ينظر إلى التداعيات المستقبلية.

أما الضرر الآخر الذي سيقع بعد 28 نوفمبر، فيتمثل في تهيئة الأجواء كاملة أمام التيار الذي يروج للمواجهة بهذه الطريقة من أجل تحقيق مكاسب؛ فرفع شعار يعبر عن ضحايا مجزرة جديدة سيحقق فائدة لمن يراهنون على ذلك في التيار الديني، لكنه سيحول في المقابل هذه المواجهة إلى أداة إعلامية وسياسية مضادة لإلصاق تهمة الإرهاب بكل المعارضين للنظام وتشويه أي مسار مضاد لاحقاً.

وفي المقابل، فإن تبني مسار المواجهة المسلحة على طول الخط سيدفع النظام إلى مزيد من الاعتماد على الأدوات الإعلامية التي تتطلب تقديم تنازلات إلى رجال الأعمال والدولة العميقة، ومن ثم سيستمر مسلسل الفساد الذي يزيد من تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية، وسيندفع النظام بالتالي نحو اللجوء إلى مزيد من الحلول التي تؤثر على شعبيته مثل رفع أسعار السلع والخدمات، وقمع الحريات.

وفي النهاية، يجب على النظام الحاكم أن يعي أن ترك المجال أمام الأبواق الإعلامية التي تجيز دماء كل المعارضين، والاعتماد على الحلول الأمنية سيكون بمثابة جائزة للمراهنين على الفوضى للحفاظ على مصالحهم على حساب الجميع دون استثناء... وفي المقابل، لابد أن يدرك أي تيار يحشد لمواجهة مع النظام الحالي أن التعويل على تكرار سيناريو 25 يناير سيصطدم هذه المرة بالجيش، وأن المواجهة تحت شعارات إسلامية هي أول خطوة نحو التحول إلى فكر "جهادي" يجيز "حرب العصابات".. إذا انهزم فيها، ستتحول مصر إلى سوريا جديدة، وإذا انتصر لن تكون هناك دولة يحكمها.


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان