رئيس التحرير: عادل صبري 07:59 مساءً | الجمعة 14 ديسمبر 2018 م | 05 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

ثوريون في فرنسا من طراز جديد

ثوريون في فرنسا من طراز جديد

23 نوفمبر 2014 15:09

هي ظواهر تبدو هامشية ومبعثرة حين ينظر إلى كلٍّ منها بذاتها. كما تبدو خصوصاً بلا «جدوى» بالقياس الى النمط السائد، المنتصر والمسيطر على حياة الناس، والموسوم بالاستهلاك الهستيري والتركيز على الذات وعبادة الفردية، والقلق من البطالة،

 

و... القلق فحسب. فما الذي «يتسلى» بالقيام به هؤلاء الشبان والشابات إذ يحتلون منطقة غابة «سيفنز» الرطبة في جنوب فرنسا الأوسط، لمنع تشييد سد (سيحفظ 1.5 مليون متر مكعب من الماء يفترض بيعها في ما بعد للاستثمارات الزراعية، ويشاد على 15 هكتاراً من الأراضي العامة أو المصادرة).

 

هم يعتبرون المشروع ضاراً بالبيئة وبالزراعة وبنمط عيش الناس. هناك قتل في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي ريمي فريس، شاب في الحادية والعشرين، بعدما رمت الشرطة على متظاهرين قنابل كان يفترض أنها من النوع «غير القاتل». والقتل لا يحدث عادة إلا في ضواحي المدن الكبرى، ويستهدف الشبان الملونين من أبناء المهاجرين، سوداً وسمراً. حينها يحدث بيسر، وغالباً بطلقة من الخلف على شبان هاربين من التوقيف، أو بسبب الضرب في مركز الشرطة... ما تكرر في السنوات الماضية وتسبَّب كل مرة باشتعال عنف وتحطيم في الضواحي. كان مقتل فريس صدمة كبرى إذاً، لا سيما أن السلطات تأخرت في التعاطي مع الحادث، وحتى في تقديم العزاء، وراحت تتلعثم، وتتناقض في رواياتها وتتقاذف المسؤولية.

 

وقد حفّز ذلك النقاش الفكري والسياسي الدائر أصلاً في البلاد حول نمطيْ الحياة والحكم المرغوب فيهما، والنقاش الآخر حول المصالح التي تقف خلف إصرار السلطات على سدٍ تبدو عيوبه جلية، ويتولى الدفاع عنه من يرون أن مفتاح الجواب عن سوء العيش السائد (المادي والمعنوي) يكمن في مزيد من «النمو» والربحية والإنتاجية، بينما يقول محتلو المنطقة، وهم عشرات الآلاف ممن يعرِّفون أنفسهم بالسلميين، إنهم يعملون لـ «استعادة امتلاكهم لحيواتهم»، ونظموا احتلالهم للمكان على شكل تجمعات أو قرى لكل منها تسمية، تقوم بالزراعة وبجمع الحطب، ويبدون في غاية التصميم على الاستمرار في المكان الذي يستقطب هؤلاء المحتجين والحالمين من كل أنحاء فرنسا، في حركة لا يمكن تجاهل حجمها، وتُفصح بوضوح عن معناها، بينما يصفهم بعض المسؤولين بـ «الجهاديين الخضر»!

 

هذان خطان ومفهومان للعالم، واحد مهيمن، موجود في السلطة وفي مراكز القرار السياسي والاقتصادي، ووفقه يدار العالم، وهو يتعايش مع أزماته، بما فيها تلك الطاحنة (كما في 2008) بوصفها قدراً، ولا يريد أن يرى البؤس المادي والمعنوي المتولد عن النمو المنفلت من عقاله، ولا يحفل إلا بأرقام الناتج المحلي وبالمنافسة... وثانٍ لم يكف (على مر العصور) عن تلمس طريق آخر، ويفعل إلى الآن على رغم ما يبدو من «اعتيادية» الخط الأول.

 

وفي حالة سد سيفنز، الذي مضت على الصراع حوله ثلاث سنوات، يبدو أن المفوضية الأوروبية تتجه خلال الأسبوع المقبل إلى ملاحقة الحكومة الفرنسية لوقفه، ليس بسبب مقتل الشاب، بل لأنه مشروع صُمِّم وقُرِّر في شكل مخالف للأصول المعتمدة، وبلا شفافية، وهو مكلف جداً، ولا يمكن تمويله من دون مساهمة أوروبية، كما يثير نزاعاً أهلياً بين موافق ومعترض... وسيكون ذلك انتصاراً كبيراً لهؤلاء المحتجين، وسيغذي بؤر الاحتجاج المنتشرة في طول البلاد.

 

ففي مكان آخر، في الجزء الشمالي الغربي من فرنسا قرب مدينة نانت، احتلال آخر وقضية أوسع ولو أنها تتشابه في كثير من جوانبها مع القصة السالفة: هو الاحتجاج على بناء مطار دولي للبضائع في المنطقة، يسمّونه مطار الغرب الكبير، وجرت في شأنه مفاوضات مع الولايات المتحدة. المشروع قديم، بدأت فكرته في الستينات وبدأت تنتظم معارضته مطلع السبعينات، وأجِّل ثم تقرر البدء بأعماله في 2013، على ان ينتهي في 2017. وهو سيدمر اقل بقليل من ألفي هكتار من الأراضي التي تضمّ محميّات نباتية، وسيكلف نصف بليون يورو (ما يراه المحتجون إخفاء للحقيقة وتخفيفاً من الكلفة الفعلية)، تقوم الموازنة العامة وموازنات المقاطعات بتغطية نصفها، في بلد يشهد تقليص موازنات الصحة والتعليم والتقديمات العامة، بحجة العجز.

 

هكذا بدأ احتلال المنطقة من قبل من قُدِّروا بأنهم أصبحوا اليوم أكثر من 40 ألف محتج، يعتبرون انه علاوة على الأضرار البيئية الجسيمة، فالمسألة تتعلق بالخيارات والأولويات، ومجدداً بمفهوم للتنمية والنمو يخدم مصالح كبار رجال الأعمال. وهذا، بعكس «الكليشيه» السائدة، لا يولد حركة إنتاجية لمصلحة الجميع بل تكديساً للأرباح لدى فئة مزدهرة أصلاً. تبدو المعركة اشد وأقسى حول موضوع المطار، وهي لا تخلو من هجمات بوليسية أوقعت جرحى (فحسب)، لكنّ التحرك يثير نقاشاً في البلاد، ويبلور تياراً يرفض المفاهيم التي تقف خلف المشروع. وهو ما يذكِّر بتحركٍ بين عامي 1971 و1981 لمنع مصادرة أراضي فلاحين في منطقة لارزاك في الجنوب الفرنسي لتوسيع معسكر حربي (كانت تستخدمه «الكتيبة الأجنبية» المكلفة التدخلات الكولونيالية في إفريقيا خصوصاً). وأمكن يومها لتلك الحركة الاحتجاجية الواسعة منع ذلك. وشارك فيها مناضلون من كل أنحاء فرنسا تقاطروا الى المكان واحتلوا الأراضي، ثم سكنوا فيها وانشأوا تعاونيات زراعية مساواتية... وذهبوا مثلاً. كانت تلك الحركة أعقبت «لحظة» أيار (مايو) 1968 أي الانتفاضة الفكرية، العمالية والطالبية. وهي بقدر ما تنتمي إلى مرتكزاتها أصبحت في الوقت ذاته إحدى الإجابات عن تعثرها وإحباطها.

 

أنتج ذلك الكونفيديرالية الفلاحية كنقابة ثورية وكإحدى البؤر المؤسِّسة للمنتديات العالمية لمناهضة العولمة، وأصحابها هم من يقاتلون ضد انتشار الزراعات المعدلة جينياً ويشنّون حملات «الحصاد التطوعي» لتلك الزراعات، ويفضحون شركات تخطط للتحكم بالإنتاج الغذائي في العالم بأكمله.

 

يمكن تعداد عشرات الأمثلة الأخرى، للقول إن تلك الظواهر المتشابكة، والتي تمتلك خصوصيات فريدة بقدر امتلاكها خصائص مشتركة، تعتمد في جانب كبير على المبادرة التمردية الذاتية للإنسان، وعلى قدر كبير من الانحياز إلى منظومة قيمية متينة. وهؤلاء غير محبطين ليس لأنهم بلهاء، بل لمعرفتهم أن الصراع عملية دائمة ومستمرة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان