رئيس التحرير: عادل صبري 09:47 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
زينب .. والعرش

مقالات مختارة

طارق قاسم

زينب .. والعرش

طارق قاسم 18 نوفمبر 2014 14:59

في فيلم أمريكي شاهدته منذ سنوات ونسيت اسمه، ولم يسعفني جوجل في استحضاره رغم كل ما غذيته به من معلومات حول تفاصيله، تقرر صبية لا يزيد عمرها عن 14 عاما أن تنتحر، تستدرج بوداعتها وبراءة ملامحها أصدقاءها للعب لعبة شرطي وحرامي، تختار هي دور الحرامي، وتعطي مسدس والدها لمن يؤدي دورالشرطي، تقنعه أنه فارغ وأنه لزوم اكتمال دوره في اللعبة، بينما هي قد حشته برصاصة وحيدة، في لحظة قبض الشرطي على الحرامي، تظاهر الحرامي أنه يهرب، ضغط الشرطي الزناد، فتم للص البرىء ما أراد..

أثناء التحقيق الذي أجراه شرطي حقيقي في مقتل الصبية المحبوبة، يجمع قصتها من ألسنة أهلها وأصدقائها، الجميع لم يكن مستوعبا كيف تقدم هذه الكتلة من الطيبة والحياة على وضع رصاصة تعرف أنها ستودي بها، الخلاصة، نكتشف من حكاية الفتاة التي جمعها المحقق أنها ضاقت بكذب وتناقض من حولها وتمثيلهم أنهم يحيون حياة سعيدة مستقرة : إعجاب أبيها بسيدة غير أمها، شعور أمها بأن زوجها المحاسب أقل من زوج صديقتها الطبيب الشهير، وأشياء أخرى كثيرة .

********

سواء قضت زينب منتحرة كما يقول الإعلام ولا أصدقه، أو غيرذلك كما ألمح بعض أصدقائها، الذين أكدوا على الفيس بوك أنها قبيل وفاتها أرسلت لهم رسائل تفيض يقينا وحياة مما دلهم على أنها اجتازت مرحلة الاكتئاب، فإن موتها جاء كالوقفة الاحتجاجية في حلق الأحداث التى تنز زيفا وزورا وادعاء..

زينب كانت إخوانية، فقدت الثقة بالإخوان ، كآلاف غيرها من أبناء الجماعة بينهم عشرات أعرفهم ، أحدهم كان مسئول كليتي، الذي قال لي يوما " ما الإخوان إلا سبوبة كبيرة" ، ومن المفارقات أنه بالتزامن مع موت زينب صرح مسئول إخواني بارز أنه لا نية لإجراء مراجعات لأن الأولوية لإسقاط الانقلاب، الانقلاب الذي نفذه السيسي ، السيسي الذي عينه مرسي ، عينه رغم كل التحذيرات التي وجهت للجماعة من نواياه، أنا شخصيا كنت أنقل للإخوة كل ما يصلني من معلومات ومؤشرات خلال عملي الصحفي، بعضها كان من مصادر بجهات عليا تؤكد أن السيسي سيغدر بمصر وبنا وبالثورة، لكن الإخوة كانوا يغضبون – حرفيا – بل ويتشاجرون معنا نحن معشر المحذرين المذكرين إياهم بحقائق التاريخ والسياسة والعسكرية العربية المصنوعة أمريكيا المدعومة إسرائيليا.

*******

وزينب انضمت بعد ذلك لحملة أبو الفتوح، الذي حلمنا جميعا أن يكون منقذنا، أحببناه وصوتنا له ، وانتخبه حتى ستة من قيادات الإخوان ، ودافعنا عنه ضد هجوم إخوانه القدامى الذين رموه بكل نقيصة بما في ذلك فساد الذمة المالية، لكنه خاننا جميعا وسلم قياده لزمرة أمريكان وأطفال، والآن يسافر مع رجال السيسي للخارج لعقد اتفاقات بالخارج، متحولا إلى مسخ سياسي بلون كالح وطعم مر ورائحة كريهة، فكفرنا به جميعا، وكذلك كفرت زينب.

*******

ثم إن الانقلاب لما وقع كانت زينب أكثر إيمانا ورجولة من نصف الشيوخ الذين تربينا على توقيرهم ودروسهم وكنا نشد الرحال من مطلع الفجر إلى المساجد التى يخطبون فيها الجمعة ، لنسمع خطبهم، في الجوامع التى سمح لهم الامن بالخطابة فيها، ليسهل عليه حصر وعصر المترددين عليها وهم يعلمون.

زينب اعتصمت في رابعة رغم أنها ترفض الاعتصام ومطالبه، لكنها اعتصمت لتكثير سواد المستضعفين، وبعد مجزرة الفض دافعت عن المعتقلات، في وقت تواطأ على قهرهن أغلب الكتاب والمفكرين الذين كنا نعدهم من الأحرار، لكنا اكتشفنا أنهم خصيان فجار أشرار..

زينب على ما يبدو كانت ضعيفة، وهذا حقها كإنسانة، الرسول الأكرم نفسه قال أن المؤمن قد يكون جبانا ، والجبن ضعف، لكنه – المؤمن – لا يكون كذابا ، وزينب الشجاعة الصادقة رحلت وبقى الكذابون من كل الأصناف في كل المواقع: قيادة الانقلاب .. قيادة المعارضة .. تجار الثورة الذين يلعبون عن بعد بمعاناة وأحلام الأبرياء الذين يواصلون التظاهر في مصر.

********

اللهُ تعالى ، يا صديقي، رحمن رحيم ..ودود واسع كريم ..

واللاهثون وراء العرش أغلبهم لئام كذبة .. لا يرقبون في حلم إلا ولا ذمة .. هم الذين – لا أبرر فعلها لو كانت انتحرت – أحبطوا زينب.. وأفقدونا جميعا الثقة فيهم وفيما يهرفون به من وعود وبدائل ..

********

في اسطنبول ..عند حلاق سوري هارب من جحيم بشار .. جلست أنا المصري الهارب من جحيم السيسي ..أحلق ، لعلي أعيد اكتشاف ملامحي، فوقنا كانت مذيعة الجزيرة تقدم فقرة عن تشييع زينب، تأثرها كان مسرحيا بامتياز ..الفقرة التالية مباشرة كانت عن إنتاج دبي لأغلى سيارة ، تلتها فقرة عن مجسم لأكبر شجرة عيد ميلاد في العالم صنعت في البرازيل .. ثم تمنت للمشاهدين وقتا طيبا ..

بس خلاص ..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان