رئيس التحرير: عادل صبري 07:11 صباحاً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

عزلة الأصدقاء .. طريق "زينب" إلى الانتحار !

عزلة الأصدقاء .. طريق "زينب" إلى الانتحار !

عاطف الحملي 15 نوفمبر 2014 13:29

من المحزن أن تقرأ خبر انتحار فتاة .. والأكثر حزنا أن تعرف أن هذه الفتاة ناشطة سياسية .. لكن الأسوأ أن تجد أخبارا مسيسة عن انتحارها تجعلك في حالة شتات، وتجد القصة برمتها أصبحت مادة إعلامية وصحفية تربط بين تفكيرها في الانتحار وانشقاقها عن جماعة الإخوان بعد ثورة 25 يناير ثم خلعها للحجاب وانضمامها لحملة أبو الفتوح الرئاسية أو نضالها ضد ممارسات الأمن وعمليات الاعتقال في ظل حكم السيسي.

تجذبك مثل هذه الأخبار إذا كنت مهتماً بالبحث عن السيرة الذاتية للفتاة وعن أسباب انتحارها، لكن وسط هذا الكم من "التسييس"، تحاول البحث عن حقيقة مجردة لكي تتمكن من إدراك فكرة مكتملة عن الظروف والملابسات التي دفعت "زينب مهدي" للانتحار، لتظهر أمامك كلمات رثاء وندم من صديقات لها تحدثن عن إنسانة طيبة ابتعدن عنها بسبب خلاف فكري أو سياسي، لتدخل هذه الفتاة في مرحلة يأس وإحباط دون أن يحاول أحد مساعدتها.

هنا يتوقف عقلك عن التفكير في دوافع الانتحار لتجد نفسك أمام حالة ندم عن فقدان صديق .. تستوقفك هذه الكلمات لتفتح عينيك على واقع نعيشه الآن في مصر.. صداقات كثيرة تذهب وسط الخلافات الفكرية والسياسية.. حوارات عقيمة مليئة بالاستقطاب أفقدت الكثير من الأصدقاء القدرة على مواصلة علاقات ود تأسست على حب الآخر، وتحولت إلى خلافات ومشاجرات أبعدت مسافة التقارب بين الأصدقاء، وخلقت نوعا من "العداء" وربما القطيعة التي تزيد من حدة الإحباط واليأس، وتدفع فتاة صغيرة مثل "زينب" لهذا القرار الصعب.

فالجديد في قصة "زينب" هي أنها ربما لم تستطع التكيف مع حالة الإحباط وتجد مبررا للتعايش أو بمعنى أصح لم تجد أصدقاء يهونون عليها حالة اليأس التي تعيشها، وهو أمر يفسره حديث صديقاتها عن عزلتها وعن إعلانها صراحة عن نيتها الانتحار، وهو ما يفتح الباب أمام الحديث عن مسؤولية من اختاروا الابتعاد عنها ووضعها في حالة العزلة بسبب خلاف فكري أو سياسي أو حتى عقائدي.

فحالة انتحار "زينب مهدي" هي أقرب نتيجة لعزلتها أكثر من كونها يأس من أوضاع البلاد؛ فربما كانت مواقفها السياسية والفكرية المتقلبة وراء فقدان أصدقائها والوصول إلى قناعة بضرورة "الانكفاء على ذاتها"، لاسيما بعدما أغلقت صفحتها على "الفيس بوك"، ثم التفكير لاحقا في "الانتحار".

ولعل انتحار"زينب" يكون أشبه بجرس إنذار للجميع بأن العزلة التي تفرضها حالة الاستقطاب سواء داخل كل تيار أو من جانب أي قوى أو فرد تجاه الآخر هي بمثابة "انتحار ذاتي" للجميع وليس لزينب فقط، كما أنها أيضاً بمثابة رسالة إلى المجتمع بأسره ممثلا في النظام والتيارات السياسية والفكرية بأن سياسات الانعزال والإرهاب الفكري القائم على فكرة الاستقطاب سيخلف نتائج كارثية على طريقة تفكير الشباب ويجعلهم أكثر تشددا في الدفاع عن أفكارهم ومعتقداتهم سواء في محيط أسرهم أو حتى مع أصدقائهم، وقد يدفع بعض الشباب إلى التفكير في وسائل أكثر خطورة على المجتمع الذي لا يعطيهم فرصة للتعبير عن أفكارهم أو الاستماع لوجهة نظرهم ومحاورتهم.

كما لا يمكن إعفاء وسائل الإعلام من المسؤولية عن اعتماد سياسة التشويه والتخوين في كل الاتجاهات، وهو أمر يجعل الشباب فريسة سهلة لأفكار متطرفة بدلا من الاستفادة منهم في تفريغ طاقتهم بعيدا عن عمليات التصنيف والتخوين التي انتقلت من الصراع السياسي إلى إفساد الكثير من العلاقات الاجتماعية ليس فقط على صعيد الصداقات، ولكن أيضاً بين الأزواج وحتى بين الآباء وأبنائهم.

في النهاية، تبقى حالة اليأس والإحباط عند كثير من الشباب في مصر إحدى تداعيات التطورات السياسية الدامية التي وجد هذا الجيل نفسه أمامها، والتي يتفاعل معها كل شخص حسب طريقته وفكره ووفقاً للأجواء والظروف المحيطة به، لكن رغم ذلك لا يجب أن يبقى الوضع السياسي فقط هو المهيمن والمسيطر على تفكير الشباب والمحدد لمصائرهم، بل لابد من إيجاد إطار ديني سليم قائم على اليقين بالله وعدم اليأس من رحمته، والثقة بأن هذا الجيل الذي اختار الكرامة والحرية قادر على تجاوز كل المحن مهما اشتدت.. " وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان