رئيس التحرير: عادل صبري 10:20 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

وفاة شاب محب للحياة

وفاة شاب محب للحياة

بقلم: أحمد رفعت 14 نوفمبر 2014 08:12

منذ طفولته؛ لم يجبه أحد، عندما بدأ الأسئلة؛ لم يجبه شخص واحد، فحينها تعلم السكوت.

وتعددت الأيام حتى كبر مجدداً ووصل لسن الثانية عشرة، وحينها أصر والده أن يسلك مسلكه، ليصبح قاضياً شرعياً متنقلاً مثله.


قَبِلَ ذلك على مضض، على أن معلميه أنفسهم ضاقوا به ذرعاً، لأنه لم يكن يشبههم في جمود عقلهم، فعدوه من وقتها غبياً وأقل منهم.


أصبح مثل والده، ونال شهادته، رغم استهزاء معلميه بعقله غير المُرَتَّب.


هو عامةً شخص غير مُرتب، ومجدداً لا يشبههم.

كان صديقي .. جداً.


وأخبرني أنه أحب فتاة، ولكنه، ذلك الشاب غير المرتب، الذي لا يشبه أحداً، لم يتمكن من الزواج بها.


تأثر، رغم أنه توقع كأي شاب غير مرتب لا يشبه أحداً،


أما والده، فقد أجبره على الزواج من فتاة أخرى، أجبره بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان زواجاً فاشلاً بكل مقاييس الزواج، هذا .. رغم أنه أنجب من زيجته طفلين، وقد طاوع والده من باب الارتباط الحقيقي والحب والهيبة والاحترام الذي عَلَّقَه به.


ولأنه مختلف، فقد أكتملت سيرته، فمات والده، وشعر حينها بالضياع، ولم يمكنه النسيان من الصبر، ولم يحيطه الحذر، فمرض.


أخبرني صديقي حزيناً، أنه أحب فعلاً المرأة فيما لم تحبه هي، أحب كل النساء عامةً، ورآها أكثر من مجرد أنثى ورأت هي نفسها أنثى فقط، لم ينظر لها تلك النظرة بل عدَّها كائن متعدد يمكنه أن يكون في حال أفضل من تلك الحالة، وأنه يحلم باليوم الذي يكون لها فيه دورٌ حقيقي ويسعى إليه من باب احترامه لها، وأنه يرى نفسه تماماً كقاسم أمين.


ابتسمت، وربما ضحكت، وقلت له أين أنت من قاسم أمين، لم يقل شيئاً، ورد بابتسامة، أطلقها كوعد.


كثيراً ما اشتكى حظ الحرية في بلادنا المخنوقة، قالها صديقي بطريقة عاطفية لا تصلح أو ظنناها وقتها في حضرته أنها لا تصلح، وأكمل في جلسته معي قائلاً، أنه بدأ في تعلم بعض اللغات من أصدقائه العارفين باللغات الأجنبية، وفي زيارته قبل الأخيرة لي، فاجأني بأنه، وبسبب ظروف عمل والده رحمه الله، اضطر للتنقل في طفولته بين محافظات ومدن وقرى البلد، مما أكسبه معرفةً تامةً بكل بقعها، إذ أن البقع ما زالت تحوظ نصيب الأسد.


يا له من مبهر.


ياله من صديق سأفتقده، وقد أُقحمكم حينما أتحدث عنه.

حكى لي يوماً أنه في عام وفاة والده؛ كان قد ذهب لإلقاء محاضرة، رغم سنه الزهيد، وأثار عاصفة من الجدل والانتقادات بسبب جرأته وصراحته، ووصل الأمر إلى أنه لم يجد شخصاً واحداً في محاضرته التالية، مما زاد من اكتئابه.


إنه أكثر شخص رأيته أحب الحياة، فيما هي لم تبخل عليه حتى أمرضته، مرض صديقي بمرض القلب؛ ولم يخبر أحداً حتى اشتد عليه المرض واحتاج للطبيب، مرض بالقلب، ومن غيره يعتل قلبه، ولم تكن حينها حبيبته القديمة التي فشل في أن يعلمها بشيء ؛ أو والده الذي ارتبط به، أو زوجته التي ربطته بطفلين، أو حتى طفليه، لم يكن كل هؤلاء بجانبه وهو يستمع لتوسلات قلبه بالراحة وطلبه منه إذناً بالرحيل.


وفي إحدى مناجاته لربه، سمعته يشكو له سبحانه، من أطفال وصبية يلعبون في الأرض الخضراء الواسعة، وشباب "يتمشى" في الهواء سوياً، ثم رفع يديه وأحنى رأسه خجلاً، وهمس لربه، هل أكون مثلهم، ولكن كيف أكون مثلهم، وقد منعني الطبيب، هل يا رب، قلبي بكل ما يحمل من خير يمكن أن يكون قلباً ضعيفاً ؟

ثم بعد أن بلغ من عمره الخامسة والعشرين ، طمأن قلبه بأنه سيستجيب له، وأنه سيصعد للسماء، فيما سيتركه هو –أي قلبه العليل- بيننا،

ورحل صديقي وهو ابن الخامسة والعشرين،

وبينما أكتب لكم عنه، عن صديقي .. أبي القاسم الشابي، الذي تحل ذكرى وفاته الثمانين هذا العام وتلك الأيام، يكون قلب صديقي المشهور الذي نُحت على وجهه الجبلُ، يكون قلبه قد اكتملت أمراضه بنا، فيما زادت أحلامه جداً بنا أيضاً، ولكنها –على الأقل حتى الآن- ظلت كما هي أحلامٌ.


إنه أبو القاسم الشابي، أو أي شاب آخر غير مرتب ومختلف ولا يشبههم.

***

(شكر خاص للكاتب الكبير كريم مُروَّة، فقد تأثرت بمقاله الرصين، بينما أكتب وأتصرف في تاريخ أبي القاسم الشابي كما شئت، وأزيد علي الشابي ما لم يوجد به، فليسامحني هو والشابي إن أرادا.)

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان