رئيس التحرير: عادل صبري 05:48 مساءً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

نوران التهامي تكتب: صغيرتي.. سامحيني

نوران التهامي تكتب: صغيرتي.. سامحيني

مقالات مختارة

نوران التهامي

نوران التهامي تكتب: صغيرتي.. سامحيني

13 نوفمبر 2014 16:10

لم تفارقني ملامحكِ البريئة يوما، ما زلت أبحث عنكِ عند كل تقاطع لإشارة المرور، لعلي أجدكِ فقط لأعتذر لكِ عن ضعفي، عن خذلاني، عن قلة حيلتي، عن عالم اجتاح طفولتكِ، عن عمر اكتسبتيه لا من حساباتنا الطبيعية بل من قسوة الحياة التي عصفت بكِ مبكرًا، عن قدميك الصغيرتين اللتين أبدلتا مشقة الحياة نعومة ملمسهما إلى تشققات تسببت من اختراق الأسفلت لهما أثناء رحلة عذابك اليومية، عن أناملك الصغيرة التي تحمل "باكو منديل" يكبرها بكثير.


صغيرتي رأيتك عن بعد، أسرعت إليك، تمنيت لو أحمي هيكلك الصغير بجسدي من ذلك الكائن، ترددت.. أعترف صغيرتي شعرت بأن جسدي الضعيف لن يتمكن من حمايتك، لن يخرجك من بين يدي ذلك الوحش، فظننت أني رأيت المنجد.. المنقذ "ضابط شرطة" أسرعت إليه كما لو كنت تائها في صحراء واسعة ووجد بئرا للمياه بعد أن جف حلقه وظن أنه لا عاصم من الموت.

شعرت صغيرتي بالأمان للحظات، فأطلقت صرخات في ذلك الكائن "أبعد عنها..حرام عليك...هجيب لك الشرطة"، وللحظات فقط توقف الضرب الذي كان ينهال على جسدك الصغير، لأستبق خطواتي لذلك الضابط ولكن رده كان كالصفعة لي التي ما زلت أتألم كلما تذكرتها.

_ وأنا أعمله إيه يعني مهو أكيد أبوها.

_أبوها... ده بيموتها هتموت في ايده ديه شكلها عندها ست سنين بالكتير

_والمطلوب يا آنسة أول مرة تشوفي واحد بيضرب بنته

_بقول لك ده الراجل اللي مشغل الأطفال تبيع له أنا سمعاه بوداني وهو عمال يقول لها فين الفلوس ويضربها، امسكه ..حاسبه..خدها دار أيتام..اعمل أي حاجة

_(وإذا به يرمقني نظرة ساخرة) عاوزاني احرم بنت من أبوها

_ مش بنته ولو بنته خدها ده مش أب ده مش إنسان اتصرف

_ انتي شكلك كده بنت ناس روحي لأهلك البلد كلها خربانه جت على ديه، وبعدين هوا أبوها وحر فيها

_الله يسامحك (وكياني كله يصرخ الله يحرق قلبك)

التفت وإذا بذلك شبيه الرجال يوقف أتوبيس ويفر، لا أدري مما خاف ربما خدع في ذلك الضابط وظن به مرؤة تدفعه لإنقاذ ملاك طاهر، كما ظننته أنا المنقذ ولكنه في حاجة إلى من ينقذه، يحتاج إلى عملية جراحية سريعة لاستبدال تلك الفجوة الفارغة بصدره بقلب نابض يجعل منه إنسانا.

صغيرتي خذلتك بكل ما للكلمة من معنى، لم أشعر في حياتي بضعفي مثلما شعرت ذلك اليوم، حبيبتي تزورني ملامحك البريئة دائما مستنجدة بي بنظرة الانكسار، والألم التي تملأ عيناك، وفي كل مرة أبكي ويشتد بكائي وأطلب منك السماح، شلت يدا مدت عليك، وعميت عين لم تلتفت إليك، صغيرتي الطاهرة نحن من يستحق ذلك الضرب وبجدارة أصبحنا أشباه "بني أدمين" لا فائدة ترجو منا.

صغيرتي رأيت فيك موطني، ذلك البلد الذي ما عدت أميز ملامحه، ذلك الوطن الذي ينهال عليه الجميع بضربات متتالية، ويقف الجميع صامتا مراقبة لذلك المشهد مثلما حدث معك فلم نكن في ساعة مبكرة تقل فيها خطى الناس بل كنا "في عز الظهر" ولكن الجميع فضل أن يغض الطرف عنك، وألا يلوث أنظاره بذلك المشهد "لحسن لا قدر الله يحس مثلا".

صغيرتي لم تقاومي فقد أجهز عليك سريعا مثلما لم يقاوم موطني، صغيرتي أبحث عنك يوميا على الرغم من مرور عامين مثلما أبحث عن موطني، فإذا قدر الله لي رؤيتك في حال أفضل فحتما سأعثر على موطني.

 

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان