رئيس التحرير: عادل صبري 07:35 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

إنشاء هوية مركّبة من جماعات ثقافية متفرقة يقتضي زمناً مديداً

إنشاء هوية مركّبة من جماعات ثقافية متفرقة يقتضي زمناً مديداً

مقالات مختارة

تشارلز تيلُر

إنشاء هوية مركّبة من جماعات ثقافية متفرقة يقتضي زمناً مديداً

تشارلز تيلُر 12 نوفمبر 2014 20:23

في كيبيك، كما في فرنسا، قد يكون التشكيك في العلمانية الموروثة والتقليدية أو الدعوة إلى تثبيتها جواب الهوية المتقوقعة على تدفق المهاجرين المختلفي الأصول والثقافات. وكيبيك، منذ زمن بعيد، أرض مضياف، لكن معظم الوافدين كانوا يتوجهون، إلى ستينات القرن العشرين، إلى الشطر الإنكليزي من كندا. وحمل ضعف الولادات في الشطر الفرنسي السكان إلى التعويل على دمج المهاجرين الوافدين. وترجم ذلك في القانون 101 المعروف كذلك بـ «ميثاق اللغة الفرنسية»، الصادر في 1977. وأقر هذا القانون اللغة الفرنسية لغة رسمية في كيبيك، وألزم المتحدرين من الهجرة تعليم أولادهم في مدارس فرنسية اللغة. وتشترك كيبيك، بموجب قانون اتحادي (فيديرالي)، في انتقاء المهاجرين المقيمين في إقليمها. والتمكن من استعمال اللغة الفرنسية هو شرط راجح من شروط الانتقاء وإجازة الإقامة.

 

ومذّاك توافد سكان فرنسيو اللغة من بلدان المغرب وأفريقيا الفرنسية سابقاً، وآخرون من أميركا الجنوبية أقوى ميلاً إلى تعلم الفرنسية منهم إلى تعلم الإنكليزية. وأدخلت هذه الشريحة الجديدة من المهاجرين اختلافاً حاداً وطارئاً على المجتمع الكيبيكي، وهو المقيم على لحمة ثقافية موروثة، والمحافظ على «انطوائه». والرضة التي نجمت عن الاختلاف الطارئ هي السبب، على زعمي، في محاولة تشديد العلمانية في ميثاق القيم الكيبيكي الذي أقرته حكومة بولين ماروا قبل هزيمتها في انتخابات 2014.

 

وتنازع هذا النص نازعان: واحد إلى إيجاب مبدأ علماني يهاجم الديانات الوافدة وينهى عن إعلان «الشارات الدينية الفارقة»، و (نازع) آخر إلى رعاية «ميراث تاريخي مشترك» (والقرينة عليه في صدر الجمعية الوطنية يعود إلى تاريخ قريب، هو 1936، وتوسَّلَ به موريس ديبليسي، رئيس الوزراء يومها، إلى استدراج تأييد الكنيسة الكاثوليكية، وهو يخالف مخالفة صريحة إيجاب مبدأ العلمانية الذي يسن الفصل بين الكنيسة والدولة).

 

وقد يعود التشدد العلماني الناشئ، في بلد مثل فرنسا، إلى مواجهة ديموقراطية لتصلب إكليركي أو نازع ديني هجومي تتولاه جماعات مهاجرة متجددة. وليس هذه حال كيبيك، حيث معيار استقبال المهاجرين هو التعليم والكفاءة. فالمسلمون الكيبيكيون يتمتعون بمستوى تعليم جامعي يفوق مستوى تعليم سائر السكان ضعفين أو مرتين، و60 في المئة منهم لا يعلنون على رؤوس الأشهاد معتقدهم. فمصدر المشكلة ليس تشدد أو تطرف المتدينين في دائرة الحياة العامة، بل ارتباك الدولة وتقصيرها عن تدبير التعدد والتنوع الثقافيين. وليس من اليسير التفريق بين أثر الهوية والعادات وبين دور الإيمان الحي في الإصرار على التزام بعض الأوامر الشرعية. واختارت الدولة (في مقاطعة كيبيك الكندية) حمل هذا الالتزام على اعتقاد ديني متباهٍ وصريح.

 

وسبق للجنة (النائب الفرنسي برنار) ستازي، في 2004، أن حظرت إعلان الشارات الدينية في دوائر الحياة العامة، وغلبت التأويل الموضوعي أي الذي تعتقده الدولة على القيمة الذاتية التي يراها الفرد، حامل الشارة ومعلنها. واعتقاد الدولة موضع نظر وشك، فهي تحسب أن الحجاب قرينة على القهر، وذلك بمعزل من القيمة الذاتية والشخصية التي تنسبها المرأة إلى حجابها. وبناء على هذا التقرير، يوجب القانون السفور باسم حرية المرأة.

 

ومن جهة ثانية، لا يؤوَّل الحجاب دلالةً على التقوى، ويُنسب عنوةً إلى عداوة الجمهورية وأسسها العلمانية. وينبغي فهم صفة التباهي أو الصراحة على هذا النحو: المتباهي الصريح هو ما ينم في دائرة الحياة العامة بتحدي القيم الجمهورية (والترجمة الإنكليزية لهذا الموقف المفترض هي «في وجهك»). وفي دولة حق (وقانون) يجب الإقرار للفرد بالحق في تقرير معنى أفعاله.

 

وقد يفهم الخوف الذي يتأتى من الاختلاف وشاراته للوهلة الأولى. فيسأل السكان (الأصليون) عما يترتب على نزول «الأغيار» في بلادهم وديارهم، وعن مدى التغيير الناجم عن حلول هؤلاء بين ظهرانيهم. ويتضافر هذا الخوف في كيبيك مع خوف وبائي آخر مصدره وضعنا الأقلوي في أميركا الشمالية قياساً على هشاشتنا السكانية. ويترجم هذا الخوف إرادة سياسية متشددة وحازمة تتمسك بدوام هويتنا وتغليبها على هويات جماعات المهاجرين الجدد. وأنا أرى أن سعي المجتمعات الديموقراطية الغربية في فرض هوية واحدة، وتحييد أو نفي الهويات الأخرى كلها، هو عامل إضعاف وليس عامل قوة.

 

ويرى بيير روزنغالون أن الديموقراطية، في صيغتها الأميركية والفرنسية، هي شكل مجتمع يرسي المساواة ركناً بنيانياً تقوم عليه العلاقة الاجتماعية، وأوافقه الرأي. وفكرة المساواة، أيضاً، قامت على فكرة مجتمع «أشباه» يعملون معاً (وهذه الفكرة هي مصدر «المساواة – الشراكة»)، ويتولون إنشاء عالم مشترك (باسم «مساواة – توزيع»). ورابطة من هذا الصنف تفترض هوية تاريخية – قومية (أو إثنية). وليست صدفةً حضانة الدول الاسكندينافية أنظمة دولة – رعاية متماسكة وسخية، فهذه الدول حافظت على تجانس مجتمعاتها وسكانها. والمجتمعات التي تخلط اليوم أشخاصاً من ثقافات وديانات متفرقة تعاني مشكلة مترتبات هذا الخليط أو المزيج. والإقرار بالفروق يضاف إلى النازع الأصلي (الذي يرمي) إلى إنـــشاء مجـــتمع أشباه ونظائر.

 

ولا يجوز، في الأحوال كلها، معاملة الأشخاص المختلفين أو المباينين معاملة مواطنين من المرتبة الثانية بذريعة أن دمجهم في القالب المشترك متعذر وعسير. فوصم الفروق ورذلها، أو سلب الآخر هويته، لن يؤديا إلا إلى استفزاز تصلب أو تقوقع على الهوية. وقد تكون الوسيلة الفضلى إلى إنشاء جماعة جديدة تخلف فروق الهويات وتتخطاها هي ترك الفرصة ليفعل الزمن فعله، وليتولى الأفراد أنفسهم تنسيق علاقاتهم في ما بينهم، وضبطها على إيقاعاتهم واحتياجاتهم. والمساكنة بين الثقافات، أو تعايشها في ما بينها، تؤدي إلى هوية مركبة جديدة، وتولد هذه الهوية من الجمع بين جماعات سكان متفرقة ومختلفة. وحصل مثل هذا للإرلنديين في الولايات المتحدة، ويحصل اليوم للإسبانيين.

 

وألاحظ أن ثمة في العالم الكاثوليكي الغربي اليوم مفهومين للإيمان. فبعضهم يرى أن الإيمان هو ركن الحضارة الأول، وأساس إناستنا، ومصدر قيمنا وفي مقدمها القيم العائلية. وفي ضوء هذا، ينكر هؤلاء تعدد المواقف من الإيمان وبروز معتقدات روحية مستقلة عن أركان الدين. ويحسب آخرون أن الإيمان فلسفة أخلاقية من فلسفات متفرقة، وعليه أن يتكيف مع أطوار المجتمع المتغيرة. والتنـــديد بزواج المثليين والمثليات هو من أعراض الصراع بين هذين التيارين داخل الكنيسة الكاثوليكية. وحمل الإيمان على ركن الحـــضارة الأول قد يُعقل ويصدق في بعض الأحوال والأوضاع. فكثير من المسيحيين قاوموا الأيديولوجية النازية والجماعة المسيحية الألمانية، حليفة النـــظام النازي، وجددوا الأساس الذي يقوم عليه الإيمان القاضي برفض نفي وجود جماعة غير مسيحية، وحمل هذا النـــفي على هدم أمة المؤمـنين وتقويضها.

 

وهذه النظرة إلى الإيمان لا تنكر فضيلتها، ولكنها لا تناسب أطوار المجتمعات المعاصرة. فالمجتمعات المعاصرة توجب كثرة المعايير الخلقية، وهذه الكثرة لا ينجم عنها تحريف القيم ولا خسارتها أو ضياعها.

 

وفي مجتمع علماني، لا يسع الاجتهاد القضائي تفضيل فلسفة أخلاقية على أخرى، ولا ترتيب القيم على مراتب. وعندما يُلبس منكرو الزواج المثلي قضيتهم حججاً إناسية (أنتروبولوجية)، ويقدمونها على الحجج اللاهوتية، (فهم) لا يعدون إرساءهم الحضارة على ركن الإيمان، واستنتاجهم (من) هذا الركن قوانين الطبيعة والإناسة (أو علم الإنسان). ومفهومهم عن الأخلاق الجنـــسية بيولوجي وغائي: خُلق الرجل والمرأة لغاية طبيعية هي التناسل واتحادهما تسوغه هذه الغاية.

 

وجلي أن هذه الحجة مستقلة عن الإيمان، وهي على طرف نقيض من تيار الحضارة. ويقتضي الخروجُ من دور المناقشة الذي يدور الإقرار بأن الدولة لم تعد دولة دينية، وبأن للآخرين الحق في الحياة وفق فلسفة الأخلاق والخلقيات التي يعتقدونها.

 

وعرَّف بول ريكور الأخلاق بأنها معيار عقلاني وفرض يعم الناس كلهم، أما الخُلقيات (أو فلسفة الأخلاق) فهي قصد حياة يحياها صاحبها في كنف أعمالٍ يحملها على الخير وينسبها إليه. فيجوز، بهذه الحال، الإجماع على نظام أخلاقي، على رغم كثرة الأركان الخلقية. وفي العقد الاجتماعي الذي يتصوره جون راولز، يتوافق الأفراد على أصول العدالة ومبادئها من غير التزام بأي من معايير الخير. فيعتقد الأفراد معتقداتهم من غير دعوى الواحد منهم «الصواب»: فيسوغ الكانطي الحق في الحياة بكرامة الفاعل العقلاني، ويسوغ الذرائعي الأمر نفسه بضرورة معاملة كائنات تحس بالألم واللذة على نحو يعظم إحساسها باللذة ويقلص ألمها.

 

وبعض المعتقدات في الخير تتعارض وتتناقض، ولا يرضى أصحابها إعلان من لا يشاركونهم معتقدهم (عن) اختلافهم، ويظنون في المعتقد المختلف خروجاً على الأخلاق. ويلد التنابذ تشكيكاً ينخر أركان الحياة المشتركة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثل، استقطاب حاد بين اليمين المسيحي ودعوته إلى خلقيات دينية، وبين «اليسار العلماني» (أو «ليبراليي الشمال الشرقي») ودعوته إلى خلقيات ركنها احترام الفاعل العقلاني. وشأن هابيرماز، أدعو إلى فهم الأخلاق فهماً حوارياً، ولكنني أتحفظ عن انحيازه إلى العقل وحده. وأرى أن الفهم عن الآخر لا يقتصر على سيرورة جامعة وعامة (أو كلية) تؤدي إلى إنتاج المعيار وتوليده. فالموازين الأخلاقية وحدها لا تستوفي شرط توحيد المجتمع الذي يقتضي فهماً خلقياً.

 

 

* فيلسوف كندي


 نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان